سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء الخامس عشر
152 الْقَائِمُ
صَاحِبُ الْمَغْرِبِ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ .
مَوْلِدُهُ بِسَلَمِيَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
وَدَخَلَ الْمَغْرِبَ مَعَ أَبِيهِ ، فَبُويِعَ هَذَا عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَكَانَ مَهِيبًا شُجَاعًا ، قَلِيلَ الْخَيْرِ ، فَاسِدَ الْعَقِيدَةِ .
خَرَجَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَبُو يَزِيدَ مَخْلَدُ بْنُ كَيْدَادٍ الْبَرْبَرِيُّ ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مَلَاحِمُ ، وَحَصَرَهُ مَخْلَدٌ بِالْمَهْدِيَّةِ ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهِ ثُمَّ وُسْوِسَ الْقَائِمُ ، وَاخْتَلَطَ وَزَالَ عَقْلُهُ ، وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا يَتَزَنْدَقُ .
ذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُتَكَلِّمُ أَنَّ الْقَائِمَ أَظْهَرَ سَبَّ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَانَ مُنَادِيهِ يَصِيحُ : الْعَنُوا الْغَارَ وَمَا حَوَى . وَأَبَادَ عِدَّةً مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَكَانَ يُرَاسِلُ قَرَامِطَةَ الْبَحْرِينِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِحْرَاقِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَصَاحِفِ ، فَتَجَمَّعَتْ 153 الْإِبَاضِيَّةُ وَالْبَرْبَرُ عَلَى مَخْلَدٍ ، وَأَقْبَلَ -وَكَانَ نَاسِكًا قَصِيرَ الدَّلَقِ - يَرْكَبُ حِمَارًا لَكِنَّهُمْ خَوَارِجُ ، وَقَامَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنَ السُّنَّةِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَكَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْعَالَمَ ، وَرُكِّزَتْ بُنُودُهُمْ عِنْدَ جَامِعِ الْقَيْرَوَانِ فِيهَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ . وَبَنْدَانِ أَصْفَرَانِ فِيهِمَا : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ . وَبَنْدٌ لِمَخْلَدٍ فِيهِ : اللَّهُمَّ انْصُرْ وَلِيَّكَ عَلَى مَنْ سَبَّ نَبِيَّكَ . وَخَطَبَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادِ ، ثُمَّ سَارُوا ، وَنَازَلُوا الْمَهْدِيَّةَ .
وَلَمَّا الْتَقَوْا ، وَأَيْقَنَ مَخْلَدٌ بِالنَّصْرِ ، تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ الْخَارِجِيَّةُ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : انْكَشِفُوا عَنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ حَتَّى يَنَالَ مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَاسْتُشْهِدَ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ نَفْسًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ .
وَخَوَارِجُ الْمَغْرِبِ إِبَاضِيَةٌ مَنْسُوبُونَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ إِبَاضٍ الَّذِي خَرَجَ فِي أَيَّامِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ وَانْتَشَرَ أَتْبَاعُهُ بِالْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : أَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ لَنَا . وَيُكَفِّرُ بِالْكَبَائِرِ ، وَيَقُولُ : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خُصُوصٌ ، وَمَنْ خَالَفَهُ حَلَّ دَمُهُ .
154 نَعَمْ ، وَكَانَ الْقَائِمُ يُسَمَّى -أَيْضًا- نِزَارًا وَلَمَّا أَخَذَ أَكْثَرَ بِلَادِ مِصْرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ انْتُدِبَ لِحَرْبِهِ جَيْشُ الْمُقْتَدِرِ ، عَلَيْهِمْ مُؤْنِسٌ ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ ، فَكَانَتْ وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ ، ثُمَّ تَقَهْقَرَ الْقَائِمُ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَوَقَعَ فِي جَيْشِهِ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ ، وَفِي خَيْلِهِمْ ، وَتَبِعَهُ أَيَّامًا جَيْشُ الْمُقْتَدِرِ .
وَكَانَ مَوْتُ الْقَائِمِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مَحْصُورًا بِالْمَهْدِيَّةِ . لَكِنْ قَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمَنْصُورُ .
وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمَغْرِبِ عَلَى مُحَارَبَةِ آلِ عُبَيْدٍ لِمَا شَهَرُوهُ مِنَ الْكُفْرِ الصُّرَاحِ الَّذِي لَا حِيلَةَ فِيهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ تَوَارِيخَ عِدَّةً يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا .
وَعُوتِبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْخُرُوجِ مَعَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ لَا أَخْرُجُ وَقَدْ سَمِعْتُ الْكُفْرَ بِأُذُنِي ؟ حَضَرْتُ عَقْدًا فِيهِ جَمْعٌ مِنْ سُنَّةٍ وَمَشَارِقَةٍ ، وَفِيهِمْ أَبُو قُضَاعَةَ الدَّاعِي . فَجَاءَ رَئِيسٌ ، فَقَالَ كَبِيرٌ مِنْهُمْ : إِلَى هُنَا يَا سَيِّدِي ارْتَفِعْ إِلَى جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ -يَعْنِي : أَبَا قُضَاعَةَ - ، فَمَا نَطَقَ أَحَدٌ .
وَوُجِدَ بِخَطِّ فَقِيهٍ قَالَ : فِي رَجَبٍ سَنَةَ 331 قَامَ الْمُكَوْكِبُ يَقْذِفُ الصَّحَابَةَ ، وَيَطْعَنُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعُلِّقَتْ رُءُوسُ حَمِيرٍ وَكِبَاشٍ عَلَى الْحَوَانِيتِ ، كُتِبَ عَلَيْهَا أَنَّهَا رُءُوسُ صَحَابَةٍ .
155 وَخَرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ مَعَ أَبِي يَزِيدَ ، وَقَالَ : هُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ ، وَأُولَئِكَ لَيْسُوا أَهْلَ قِبْلَةٍ . وَهُمْ بَنُو عَدُوِّ اللَّهِ ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ لَمْ نَدْخُلْ تَحْتَ طَاعَةِ أَبِي يَزِيدَ ; لِأَنَّهُ خَارِجِيٌّ .
قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الضَّرِيرُ أَدْخَلَنِي اللَّهُ فِي شَفَاعَةِ أَسْوَدَ رَمَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِحَجَرٍ .
وَقَالَ السَّبَائِيُّ : إِي وَاللَّهِ ، نَجِدُّ فِي قَتْلِ الْمُبَدِّلِ لِلدِّينِ .
وَتَسَارَعَ الْفُقَهَاءُ وَالْعُبَّادُ فِي أُهْبَةٍ كَامِلَةٍ بِالطُّبُولِ وَالْبُنُودِ ، وَخَطَبَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَحَرَّضَهُمْ . وَقَالَ : جَاهِدُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ رَبٌّ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَغَيَّرَ أَحْكَامَ اللَّهِ ، وَسَبَّ نَبِيَّهُ وَأَصْحَابَ نَبِيِّهِ . فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيدًا .
وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْقِرْمِطِيَّ الْكَافِرَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ ، جَاحِدٌ لِنِعْمَتِكَ ، كَافِرٌ بِرُبُوبِيَّتِكَ ، طَاعِنٌ عَلَى رُسُلِكَ ، مُكَذِّبٌ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ ، سَافِكٌ لِلدِّمَاءِ ، فَالْعَنْهُ لَعْنًا وَبِيلًا ، وَاخْزِهِ خِزْيًا طَوِيلًا ، وَاغَضَبْ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةَ .
وَرَكِبَ رَبِيعٌ الْقَطَّانُ فَرَسَهُ مُلْبِسًا ، وَفِي عُنُقِهِ الْمُصْحَفُ ، وَحَوْلَهُ 156 جَمْعٌ كَبِيرٌ ، وَهُوَ يَتْلُو آيَاتِ جِهَادِ الْكَفَرَةِ ، فَاسْتُشْهِدَ رَبِيعٌ فِي خَلْقٍ مِنَ النَّاسِ يَوْمَ الْمَصَافِّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَكَانَ غَرَضُ هَؤُلَاءِ الْمَجُوسِ بَنِي عُبَيْدٍ أَخْذَهُ حَيًّا لِيُعَذِّبُوهُ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : اسْتُشْهِدَ مَعَهُ فُضَلَاءُ ، وَأَئِمَّةٌ وَعُبَّادٌ .
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي بَنِي عُبَيْدٍ : ﴿﴾ الْمَاكِرُ الْغَادِرُ الْغَاوِي لِشِيعَتِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ شَرُّ الزَّنَادِقِ مِنْ صَحْبٍ وَتُبَّاعِ ﴿﴾ ﴿﴾ الْعَابِدِينَ إِذًا عِجْلًا يُخَاطِبُهُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ بِسِحْرِ هَارُوتَ مِنْ كُفْرٍ وَإِبْدَاعِ ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْ قِيلَ لِلرُّومِ : أَنْتُمْ مِثْلُهُمْ ، لَبَكَوْا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ لِلْيَهُودِ لَسَدُّوا صَمْخَ أَسْمَاعِ ﴿﴾ .
صَاحِبُ الْمَغْرِبِ أَبُو الْقَاسِمِ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَهْدِيِّ عُبَيْدِ اللَّهِ .
مَوْلِدُهُ بِسَلَمِيَّةَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ .
وَدَخَلَ الْمَغْرِبَ مَعَ أَبِيهِ ، فَبُويِعَ هَذَا عِنْدَ مَوْتِ أَبِيهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ .
وَكَانَ مَهِيبًا شُجَاعًا ، قَلِيلَ الْخَيْرِ ، فَاسِدَ الْعَقِيدَةِ .
خَرَجَ عَلَيْهِ فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ أَبُو يَزِيدَ مَخْلَدُ بْنُ كَيْدَادٍ الْبَرْبَرِيُّ ، وَجَرَتْ بَيْنَهُمَا مَلَاحِمُ ، وَحَصَرَهُ مَخْلَدٌ بِالْمَهْدِيَّةِ ، وَضَيَّقَ عَلَيْهِ ، وَاسْتَوْلَى عَلَى بِلَادِهِ ثُمَّ وُسْوِسَ الْقَائِمُ ، وَاخْتَلَطَ وَزَالَ عَقْلُهُ ، وَكَانَ شَيْطَانًا مَرِيدًا يَتَزَنْدَقُ .
ذَكَرَ الْقَاضِي عَبْدُ الْجَبَّارِ الْمُتَكَلِّمُ أَنَّ الْقَائِمَ أَظْهَرَ سَبَّ الْأَنْبِيَاءِ ، وَكَانَ مُنَادِيهِ يَصِيحُ : الْعَنُوا الْغَارَ وَمَا حَوَى . وَأَبَادَ عِدَّةً مِنَ الْعُلَمَاءِ ، وَكَانَ يُرَاسِلُ قَرَامِطَةَ الْبَحْرِينِ ، وَيَأْمُرُهُمْ بِإِحْرَاقِ الْمَسَاجِدِ وَالْمَصَاحِفِ ، فَتَجَمَّعَتْ 153 الْإِبَاضِيَّةُ وَالْبَرْبَرُ عَلَى مَخْلَدٍ ، وَأَقْبَلَ -وَكَانَ نَاسِكًا قَصِيرَ الدَّلَقِ - يَرْكَبُ حِمَارًا لَكِنَّهُمْ خَوَارِجُ ، وَقَامَ مَعَهُ خَلْقٌ مِنَ السُّنَّةِ وَالصُّلَحَاءِ ، وَكَادَ أَنْ يَتَمَلَّكَ الْعَالَمَ ، وَرُكِّزَتْ بُنُودُهُمْ عِنْدَ جَامِعِ الْقَيْرَوَانِ فِيهَا : لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ، لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ . وَبَنْدَانِ أَصْفَرَانِ فِيهِمَا : نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ . وَبَنْدٌ لِمَخْلَدٍ فِيهِ : اللَّهُمَّ انْصُرْ وَلِيَّكَ عَلَى مَنْ سَبَّ نَبِيَّكَ . وَخَطَبَهُمْ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ فَحَضَّ عَلَى الْجِهَادِ ، ثُمَّ سَارُوا ، وَنَازَلُوا الْمَهْدِيَّةَ .
وَلَمَّا الْتَقَوْا ، وَأَيْقَنَ مَخْلَدٌ بِالنَّصْرِ ، تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ الْخَارِجِيَّةُ ، وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : انْكَشِفُوا عَنْ أَهْلِ الْقَيْرَوَانِ حَتَّى يَنَالَ مِنْهُمْ عَدُوُّهُمْ . فَفَعَلُوا ذَلِكَ ، فَاسْتُشْهِدَ خَمْسَةٌ وَثَمَانُونَ نَفْسًا مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالزُّهَّادِ .
وَخَوَارِجُ الْمَغْرِبِ إِبَاضِيَةٌ مَنْسُوبُونَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَحْيَى بْنِ إِبَاضٍ الَّذِي خَرَجَ فِي أَيَّامِ مَرْوَانَ الْحِمَارِ وَانْتَشَرَ أَتْبَاعُهُ بِالْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : أَفْعَالُنَا مَخْلُوقَةٌ لَنَا . وَيُكَفِّرُ بِالْكَبَائِرِ ، وَيَقُولُ : لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ خُصُوصٌ ، وَمَنْ خَالَفَهُ حَلَّ دَمُهُ .
154 نَعَمْ ، وَكَانَ الْقَائِمُ يُسَمَّى -أَيْضًا- نِزَارًا وَلَمَّا أَخَذَ أَكْثَرَ بِلَادِ مِصْرَ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ انْتُدِبَ لِحَرْبِهِ جَيْشُ الْمُقْتَدِرِ ، عَلَيْهِمْ مُؤْنِسٌ ، فَالْتَقَى الْجَمْعَانِ ، فَكَانَتْ وَقْعَةٌ مَشْهُورَةٌ ، ثُمَّ تَقَهْقَرَ الْقَائِمُ إِلَى الْمَغْرِبِ ، وَوَقَعَ فِي جَيْشِهِ الْغَلَاءُ وَالْوَبَاءُ ، وَفِي خَيْلِهِمْ ، وَتَبِعَهُ أَيَّامًا جَيْشُ الْمُقْتَدِرِ .
وَكَانَ مَوْتُ الْقَائِمِ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ مَحْصُورًا بِالْمَهْدِيَّةِ . لَكِنْ قَامَ بَعْدَهُ ابْنُهُ الْمَنْصُورُ .
وَقَدْ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمَغْرِبِ عَلَى مُحَارَبَةِ آلِ عُبَيْدٍ لِمَا شَهَرُوهُ مِنَ الْكُفْرِ الصُّرَاحِ الَّذِي لَا حِيلَةَ فِيهِ ، وَقَدْ رَأَيْتُ فِي ذَلِكَ تَوَارِيخَ عِدَّةً يُصَدِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا .
وَعُوتِبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي الْخُرُوجِ مَعَ أَبِي يَزِيدَ الْخَارِجِيِّ ، فَقَالَ : وَكَيْفَ لَا أَخْرُجُ وَقَدْ سَمِعْتُ الْكُفْرَ بِأُذُنِي ؟ حَضَرْتُ عَقْدًا فِيهِ جَمْعٌ مِنْ سُنَّةٍ وَمَشَارِقَةٍ ، وَفِيهِمْ أَبُو قُضَاعَةَ الدَّاعِي . فَجَاءَ رَئِيسٌ ، فَقَالَ كَبِيرٌ مِنْهُمْ : إِلَى هُنَا يَا سَيِّدِي ارْتَفِعْ إِلَى جَانِبِ رَسُولِ اللَّهِ -يَعْنِي : أَبَا قُضَاعَةَ - ، فَمَا نَطَقَ أَحَدٌ .
وَوُجِدَ بِخَطِّ فَقِيهٍ قَالَ : فِي رَجَبٍ سَنَةَ 331 قَامَ الْمُكَوْكِبُ يَقْذِفُ الصَّحَابَةَ ، وَيَطْعَنُ عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَعُلِّقَتْ رُءُوسُ حَمِيرٍ وَكِبَاشٍ عَلَى الْحَوَانِيتِ ، كُتِبَ عَلَيْهَا أَنَّهَا رُءُوسُ صَحَابَةٍ .
155 وَخَرَجَ أَبُو إِسْحَاقَ الْفَقِيهُ مَعَ أَبِي يَزِيدَ ، وَقَالَ : هُمْ أَهْلُ الْقِبْلَةِ ، وَأُولَئِكَ لَيْسُوا أَهْلَ قِبْلَةٍ . وَهُمْ بَنُو عَدُوِّ اللَّهِ ، فَإِنْ ظَفِرْنَا بِهِمْ لَمْ نَدْخُلْ تَحْتَ طَاعَةِ أَبِي يَزِيدَ ; لِأَنَّهُ خَارِجِيٌّ .
قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الضَّرِيرُ أَدْخَلَنِي اللَّهُ فِي شَفَاعَةِ أَسْوَدَ رَمَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ بِحَجَرٍ .
وَقَالَ السَّبَائِيُّ : إِي وَاللَّهِ ، نَجِدُّ فِي قَتْلِ الْمُبَدِّلِ لِلدِّينِ .
وَتَسَارَعَ الْفُقَهَاءُ وَالْعُبَّادُ فِي أُهْبَةٍ كَامِلَةٍ بِالطُّبُولِ وَالْبُنُودِ ، وَخَطَبَهُمْ فِي الْجُمُعَةِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْوَلِيدِ ، وَحَرَّضَهُمْ . وَقَالَ : جَاهِدُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ وَزَعَمَ أَنَّهُ رَبٌّ مِنْ دُونِ اللَّهِ ، وَغَيَّرَ أَحْكَامَ اللَّهِ ، وَسَبَّ نَبِيَّهُ وَأَصْحَابَ نَبِيِّهِ . فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيدًا .
وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ هَذَا الْقِرْمِطِيَّ الْكَافِرَ الْمَعْرُوفَ بِابْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمُدَّعِيَ الرُّبُوبِيَّةَ ، جَاحِدٌ لِنِعْمَتِكَ ، كَافِرٌ بِرُبُوبِيَّتِكَ ، طَاعِنٌ عَلَى رُسُلِكَ ، مُكَذِّبٌ بِمُحَمَّدٍ نَبِيِّكَ ، سَافِكٌ لِلدِّمَاءِ ، فَالْعَنْهُ لَعْنًا وَبِيلًا ، وَاخْزِهِ خِزْيًا طَوِيلًا ، وَاغَضَبْ عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا . ثُمَّ نَزَلَ فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةَ .
وَرَكِبَ رَبِيعٌ الْقَطَّانُ فَرَسَهُ مُلْبِسًا ، وَفِي عُنُقِهِ الْمُصْحَفُ ، وَحَوْلَهُ 156 جَمْعٌ كَبِيرٌ ، وَهُوَ يَتْلُو آيَاتِ جِهَادِ الْكَفَرَةِ ، فَاسْتُشْهِدَ رَبِيعٌ فِي خَلْقٍ مِنَ النَّاسِ يَوْمَ الْمَصَافِّ فِي صَفَرٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَكَانَ غَرَضُ هَؤُلَاءِ الْمَجُوسِ بَنِي عُبَيْدٍ أَخْذَهُ حَيًّا لِيُعَذِّبُوهُ .
قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ : اسْتُشْهِدَ مَعَهُ فُضَلَاءُ ، وَأَئِمَّةٌ وَعُبَّادٌ .
وَقَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ فِي بَنِي عُبَيْدٍ : ﴿﴾ الْمَاكِرُ الْغَادِرُ الْغَاوِي لِشِيعَتِهِ ﴿﴾ ﴿﴾ شَرُّ الزَّنَادِقِ مِنْ صَحْبٍ وَتُبَّاعِ ﴿﴾ ﴿﴾ الْعَابِدِينَ إِذًا عِجْلًا يُخَاطِبُهُمْ ﴿﴾ ﴿﴾ بِسِحْرِ هَارُوتَ مِنْ كُفْرٍ وَإِبْدَاعِ ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْ قِيلَ لِلرُّومِ : أَنْتُمْ مِثْلُهُمْ ، لَبَكَوْا ﴿﴾ ﴿﴾ أَوْ لِلْيَهُودِ لَسَدُّوا صَمْخَ أَسْمَاعِ ﴿﴾ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث