سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء التاسع عشر
الصفحة 4664 · ص. المطبوع 85
85 الْحَمَوِيُّ
الْإِمَامُ الْمُفْتِي ، شَيْخُ الشَّافِعِيَّةِ ، قَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْمُظَفَّرِ بْنِ بَكْرَانَ الشَّامِيُّ الْحَمَوِيُّ الشَّافِعِيُّ الزَّاهِدُ .
وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعِمِائَةٍ وَقَدِمَ بَغْدَادَ شَابًّا .
فَسَمِعَ مِنْ عُثْمَانَ بْنِ دُوسْتَ الْعَلَّافِ ، وَأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ بِشْرَانَ ، وَطَبَقَتِهِمَا .
حَدَّثَ عَنْهُ : أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ السَّمَرْقَنْدِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ ، وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ طَاوُسٍ ، وَآخَرُونَ .
قَالَ السَّمْعَانِيُّ : هُوَ أَحَدُ الْمُتْقِنِينَ لِلْمَذْهَبِ ، وَلَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى أَسْرَارِ 86 الْفِقْهِ ، وَكَانَ وَرِعًا زَاهِدًا ، مُتَّقِيًا سَدِيدَ الْأَحْكَامِ ، وَلِيَ قَضَاءَ الْقُضَاةِ بَعْدَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّامِغَانِيِّ مُدَّةً إِلَى أَنَّ تَغَيَّرَ عَلَيْهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُقْتَدِي ، فَمَنَعَ الشُّهُودَ مِنْ حُضُورِ مَجْلِسِهِ مُدَّةً ، فَكَانَ يَقُولُ : مَا أَنْعَزِلُ مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ عَلَيَّ فِسْقٌ ، ثُمَّ إِنَّ الْمُقْتَدِيَ رَضِيَ وَخَلَعَ عَلَيْهِ .
وَشَهِدَ عِنْدَهُ الْمُشَطَّبُ الْفَرْغَانِيُّ فَلَمْ يَقْبَلْهُ ، لِكَوْنِهِ يَلْبَسُ الْحَرِيرَ ، فَقَالَ : تَرُدُّنِي ، وَالسُّلْطَانُ وَوَزِيرُهُ نِظَامُ الْمُلْكِ يَلْبَسَانِهِ ؟ ! فَقَالَ : وَلَو شَهِدَا ، لَمَا قَبِلْتُهُمَا .
قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ : تَفَقَّهَ عَلَى الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ وَحِفِظَ تَعْلِيقَهُ ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَى الْقَضَاءِ رِزْقًا ، وَلَا غَيَّرَ مَأْكَلَهُ وَلَا مَلْبَسَهُ ، وَكَانَ يُسَوِّي بَيْنَ النَّاسِ ، فَانْقَلَبَ عَلَيْهِ الْكُبَرَاءُ ، وَكَانَ نَزِهًا وَرِعًا عَلَى طَرِيقَةِ السَّلَفِ لَهُ كَارَكٌ يُؤَجِّرُهُ كُلَّ شَهْرٍ بِدِينَارٍ وَنِصْفٍ ، كَانَ يَقْتَاتُ مِنْهُ ، فَلَمَّا وَلِيَ الْقَضَاءَ ، جَاءَ إِنْسَانٌ ، فَدَفَعَ فِيهِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ ، فَأَبَى ، وَقَالَ : لَا أُغَيِّرُ سَاكِنِي ، وَقَدِ ارْتَبْتُ بِكَ ، هَلَّا كَانَتِ الزِّيَادَةُ مِنْ قَبْلِ الْقَضَاءِ ؟ ! .
87 وَكَانَ يَشُدُّ فِي وَسَطِهِ مِئْزَرًا ، وَيَخْلَعُ فِي بَيْتِهِ ثِيَابَهُ وَيَجْلِسُ ، وَقَالَ : مَا دَخَلْتُ فِي الْقَضَاءِ حَتَّى وَجَبَ عَلَيَّ .
قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الصَّدَفِيُّ : هُوَ وَرِعٌ زَاهِدٌ . وَأَمَّا الْفِقْهُ ، فَكَانَ يُقَالُ : لَو رُفِعَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، لَأَمكَنَهُ أَنْ يُمْلِيَهُ مِنْ صَدْرِهِ .
عَلَّقَ عَنْهُ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ .
قَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ الْأَنْمَاطِيُّ : كَانَ قَاضِيَ الْقُضَاةِ الشَّامِيُّ حَسَنَ الطَّرِيقَةِ ، مَا كَانَ يَتَبَسَّمُ فِي مَجْلِسِ قَضَائِهِ .
قُلْتُ : كَانَ قُدُومُهُ بَغْدَادَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَكَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْفِقْهِ ، وَقَدْ صَنَّفَ " الْبَيَانُ فِي أُصُولِ الدِّينِ " يَنْحُو فِيهِ إِلَى مَذْهَبِ السَّلَفِ .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْآبَنُوسِيُّ : كَانَ لِقَاضِي الْقُضَاةِ الشَّامِيِّ كِيسَانِ ، أَحَدُهُمَا يَجْعَلُ فِيهِ عِمَامَتَهُ ، وَقَمِيصًا مِنَ الْقُطْنِ الْحَسَنِ فَإِذَا خَرَجَ لَبِسَهُمَا ، وَالْكِيسُ الْآخَرُ فِيهِ فَتِيتٌ يَجْعَلُ مِنْهُ فِي قَصْعَةٍ وَيَقْتَاتُ مِنْهُ .
وَعَنْهُ قَالَ : أَعْصِي إِنْ لَمْ أَلِ الْقَضَاءَ ، وَكَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ - فِيمَا 88 قِيلَ - قَدْ بَذَلَ فِيهِ ذَهَبًا كَثِيرًا ، وَقِيلَ : كَانَتْ فِي الشَّامِيِّ حِدَّةٌ وَزَعَارَةٌ ، وَمَنَاقِبُهُ جَمَّةٌ رَحِمَهُ اللَّهُ .
مَاتَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَقَدْ قَارَبَ التِّسْعِينَ ، وَدُفِنَ فِي تُرْبَةٍ لَهُ عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث