سير أعلام النبلاء
سير أعلام النبلاء · الجزء السادس والعشرون
116 فَصْلٌ فِي دَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشِيرَتَهُ إِلَى اللَّهِ وَمَا لَقِيَ مِنْ قَوْمِهِ
وَقَالَ جَرِيرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا ، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ ، فَقَالَ : " يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَزُهَيْرٌ ، عَنْ جَرِيرٍ ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَا : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ ، فَعَلَاهَا ثُمَّ نَادَى : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، إِنِّي نَذِيرٌ ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَهَتَفَ : يَا صَبَاحَاهُ . أَخْرَجَهُ 117 مُسْلِمٌ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَاسْتَكْتَمَنِي اسْمَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُ قَوْمِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ ، فَصَمَتُّ عَلَيْهَا ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ عَذَّبَكَ . قَالَ عَلِيٌّ : فَدَعَانِي فَقَالَ : يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ ، فَعَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُهُمْ بِذَلِكَ رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ ، فَصَمَتُّ ، ثُمَّ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ عَذَّبَكَ رَبُّكَ ، فَاصْنَعْ لَنَا يَا عَلِيٌّ رِجْلَ شَاةٍ عَلَى صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَأَعِدَّ لَنَا عُسَّ لَبَنٍ ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " . فَفَعَلْتُ . فَاجْتَمَعُوا لَهُ ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَ ، فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَأَبُو لَهَبٍ ، فَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمْ تِلْكَ الْجَفْنَةَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُذَيَّةً ، فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ، ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي نَوَاحِيهَا ، وَقَالَ : كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ . فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ مَا نَرَى إِلَّا آثَارَ أَصَابِعِهِمْ ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِثْلَهَا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " اسْقِهِمْ يَا عَلِيُّ " . فَجِئْتُ بِذَلِكَ الْقَعْبِ ، فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى نَهِلُوا جَمِيعًا ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ : لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ . فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَدِ : " عُدْ لَنَا يَا عَلِيُّ بِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ بِالْأَمْسِ " . فَفَعَلْتُ وَجَمَعْتُهُمْ ، فَصَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَأَكَلُوا حَتَّى نَهِلُوا ، وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ 118 الْقَعْبِ حَتَّى نَهِلُوا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا مِنَ الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلِ مِمَّا جِئْتُكُمْ ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ .
وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ إِلَى أَنْ أُمِرَ بِإِظْهَارِهِ ثَلَاثُ سِنِينَ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ ، يَا صَبَاحَاهُ . قَالُوا : مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ ؟ قَالُوا : مُحَمَّدٌ ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ : " أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ " قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ، قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا . ثُمَّ قَامَ ، فَنَزَلَتْ : " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ " كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا وَقَدْ تَبَّ فَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ ، وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [ الْمَسَدِ : 1 ] أَقْبَلَتِ الْعَوْرَاءُ أَمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ وَهِيَ تَقُولُ :
119 ﴿﴾ مُذَمَّمًا أَبَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَدِينَهُ قَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا ﴿﴾ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَخَافُ أَنْ تَرَاكَ . قَالَ : إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي ، وَقَرَأَ قُرْآنًا فَاعْتَصَمَ بِهِ وَقَرَأَ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانِ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [ الْإِسْرَاءِ : 45 ] فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي ، فَقَالَ : لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ ، فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُولُ : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي ابْنَةُ سَيِّدِهَا .
رَوَى نَحْوَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ .
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " انْظُرُوا قُرَيْشًا كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَهُمْ وَلَعْنَهُمْ ، يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَفَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقَالَ : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ الْحِجْرِ : 94 ] وَقَالَ : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [ الْحِجْرِ : 89 ] قَالَ : وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوْا ذَهَبُوا فِي الشِّعَابِ وَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ بِشِعْبٍ ، إِذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَنَاكَرُوهُمْ وَعَابُوا عَلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ ، فَضَرَبَ سَعْدٌ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ فِي الْإِسْلَامِ ، فَلَمَّا بَادَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ وَصَدَعَ بِالْإِسْلَامِ ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ -فِيمَا بَلَغَنِي حَتَّى عَابَ آلِهَتَهُمْ ، فَأَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ ، فَحَدَبَ عَلَيْهِ 120 عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ يَمْنَعُهُ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلَّمُوهُ ، وَقَالُوا : إِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنْ آلِهَتِنَا وَعَنِ الْكَلَامِ فِي دِينِنَا ، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ . فَقَالَ لَهُمْ قَوْلًا رَفِيقًا ، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا ، فَانْصَرَفُوا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا ، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ ، وَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالُوا : إِنَّ لَكَ نَسَبًا وَشَرَفًا فِينَا ، وَإِنَّا قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَصْبِرُ عَلَى شَتْمِ آلِهَتِنَا وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ أَوْ نُنَازِلَهُ ، وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ . ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُ لَهُمْ ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا أَنْ يُسْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ وَلَا أَنْ يَخْذُلَهُ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالُوا : إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ هَذَا قَدْ آذَانَا فِي نَادِينَا وَمَسْجِدِنَا ، فَانْهَهُ عَنَّا ، فَقَالَ : يَا عَقِيلُ انْطَلِقْ فَأْتِنِي بِمُحَمَّدٍ . فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ حَفْشٍ أَوْ كَبْسٍ - يَقُولُ : بَيْتٍ صَغِيرٍ - ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : إِنَّ بَنِي عَمِّكَ هَؤُلَاءِ قَدْ زَعَمُوا أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ أَذَاهُمْ . فَحَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : " أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : " فَمَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تَسْتَشْعِلُوا مِنْهَا شُعْلَةً " . فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : وَاللَّهِ مَا كَذَبَنَا ابْنُ أَخِي قَطُّ فَارْجِعُوا . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ يُونُسَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ قُرَيْشًا 121 حِينَ قَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ مَا قَالُوا ، بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُوا إِلَيَّ فَقَالُوا : كَذَا وَكَذَا ، فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ ، وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ . فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ بَدَاءٌ وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ ، فَقَالَ : " يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ " ، ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ ، فَقَالَ : أَقْبِلْ يَا ابْنَ أَخِي . فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : اذْهَبْ فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ أَبَدًا .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ : ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي ذَلِكَ شِعْرًا .
﴿﴾ وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَامْضِ لِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ أَبْشِرْ وَقِرْ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَقَدْ صَدَقْتَ ، وَكُنْتَ قِدْمًا أَمِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارَى سُبَّةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا ﴿﴾ وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ الْمَائِدَةِ : 67 ] فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ : " أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ " .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدُّؤَلِيِّ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ تَقِدُّ وَجْنَتَاهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا يَغُرَّنَّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَدِينِ آبَائِكُمْ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : أَبُو لَهَبٍ .
122 وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ مَنْ بَنِي الدِّيلِ ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا فَأَسْلَمَ ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْمَجَازِ ، وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ يَقُولُ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا " وَوَرَاءَهُ أَبُو لَهَبٍ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ رَبِيعَةُ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَزْفُرُ الْقِرْبَةَ لِأَهْلِي .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ ، وَهُوَ يَقُولُ : " قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا " . وَإِذَا خَلْفَهُ رَجُلٌ يَسْفِي عَلَيْهِ التُّرَابَ ، فَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ وَيَقُولُ : لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ تَتْرُكُوا عِبَادَةَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى . إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ .
وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ ، وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ . فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، فَمَا فَجَأَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَأَطَأَنَّ عُنُقَهُ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عَيَانًا " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
123 وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا أَتَوْا أَبَا طَالِبٍ فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ هَذَا عِمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ وَاتَّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَكَ ، وَأَسْلِمْ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ نَقْتُلُهُ ، فَإِنَّمَا رَجُلٌ كَرَجُلٍ . فَقَالَ : بِئْسَ وَاللَّهِ مَا تَسُومُونَنِي أَتُعْطُونِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ ، وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ ! هَذَا وَاللَّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا . فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : وَاللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ وَشَهِدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُ ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ . فَحَقَبَ الْأَمْرُ ، وَحَمِيَتِ الْحَرْبُ ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ :
﴿﴾ أَلَا قُلْ لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنَ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ يَرَشُّ عَلَى السَّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمِّنَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِذَا سُئِلَا قَالَا إِلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَخُصُّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ﴿﴾ ﴿﴾ هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَمَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ ﴿﴾ وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ جَرَتْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إِلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا ، وَشَتْمِ آبَائِنَا ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا ، وَسَبِّ آلِهَتِنَا ، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ ، فَإِذَا سَجَدَ فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ .
124 فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا وَجَلَسَ ، وَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِيِّ ، وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الشَّامِ ، وَجَلَسَتْ قُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا يَنْظُرُونَ ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مَرْعُوبًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ ، قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ ، حَتَّى قَذَفَ بِهِ مِنْ يَدِهِ ، وَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا : مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ ؟ فَقَالَ : قُمْتُ إِلَيْهِ لِأَفْعَلَ مَا قُلْتُ لَكُمْ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ . وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ ، فَهَمَّ أَنْ يَأْكُلَنِي .
وَقَالَ جَرِيرٌ ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُرَيْشًا ، فَاجْتَمَعُوا فَعَمَّ وَخَصَّ ، فَقَالَ : " يَا بَنِي كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَنْقِذُوا أَنْفُسَكُمْ مِنَ النَّارِ ، يَا فَاطِمَةُ أَنْقِذِي نَفْسَكِ مِنَ النَّارِ ، فَإِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ، غَيْرَ أَنَّ لَكُمْ رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ قُتَيْبَةَ وَزُهَيْرٌ ، عَنْ جَرِيرٍ ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ .
وَقَالَ سُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ ، عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ الْمُخَارِقِ ، وَزُهَيْرِ بْنِ عَمْرٍو ، قَالَا : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] انْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَضْمَةٍ مِنْ جَبَلٍ ، فَعَلَاهَا ثُمَّ نَادَى : يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ ، إِنِّي نَذِيرٌ ، إِنَّمَا مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَثَلِ رَجُلٍ رَأَى الْعَدُوَّ فَانْطَلَقَ يَرْبَأُ أَهْلَهُ ، فَخَشِيَ أَنْ يَسْبِقُوهُ فَهَتَفَ : يَا صَبَاحَاهُ . أَخْرَجَهُ 117 مُسْلِمٌ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ ، وَاسْتَكْتَمَنِي اسْمَهُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ عَلِيٍّ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُ قَوْمِي رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ ، فَصَمَتُّ عَلَيْهَا ، فَجَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ إِنَّكَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ بِهِ رَبُّكَ عَذَّبَكَ . قَالَ عَلِيٌّ : فَدَعَانِي فَقَالَ : يَا عَلِيُّ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَرَنِي أَنْ أُنْذِرْ عَشِيرَتِي الْأَقْرَبِينَ ، فَعَرَفْتُ أَنِّي إِنْ بَادَأْتُهُمْ بِذَلِكَ رَأَيْتُ مِنْهُمْ مَا أَكْرَهُ ، فَصَمَتُّ ، ثُمَّ جَاءَنِي جِبْرِيلُ فَقَالَ : إِنْ لَمْ تَفْعَلْ مَا أُمِرْتَ بِهِ عَذَّبَكَ رَبُّكَ ، فَاصْنَعْ لَنَا يَا عَلِيٌّ رِجْلَ شَاةٍ عَلَى صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ وَأَعِدَّ لَنَا عُسَّ لَبَنٍ ، ثُمَّ اجْمَعْ لِي بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ " . فَفَعَلْتُ . فَاجْتَمَعُوا لَهُ ، وَهُمْ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعُونَ رَجُلًا يَزِيدُونَ رَجُلًا أَوْ يَنْقُصُونَ ، فِيهِمْ أَعْمَامُهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَحَمْزَةُ ، وَالْعَبَّاسُ ، وَأَبُو لَهَبٍ ، فَقَدَّمْتُ إِلَيْهِمْ تِلْكَ الْجَفْنَةَ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُذَيَّةً ، فَشَقَّهَا بِأَسْنَانِهِ ، ثُمَّ رَمَى بِهَا فِي نَوَاحِيهَا ، وَقَالَ : كُلُوا بِاسْمِ اللَّهِ . فَأَكَلَ الْقَوْمُ حَتَّى نَهِلُوا عَنْهُ مَا نَرَى إِلَّا آثَارَ أَصَابِعِهِمْ ، وَاللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يَأْكُلُ مِثْلَهَا ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : " اسْقِهِمْ يَا عَلِيُّ " . فَجِئْتُ بِذَلِكَ الْقَعْبِ ، فَشَرِبُوا مِنْهُ حَتَّى نَهِلُوا جَمِيعًا ، وَايْمُ اللَّهِ إِنْ كَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ لَيَشْرَبُ مِثْلَهُ ، فَلَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَكَلَّمَ بَدَرَهُ أَبُو لَهَبٍ فَقَالَ : لَهَدَّ مَا سَحَرَكُمْ صَاحِبُكُمْ . فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يُكَلِّمْهُمْ ، فَقَالَ لِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْغَدِ : " عُدْ لَنَا يَا عَلِيُّ بِمِثْلِ مَا صَنَعْتَ بِالْأَمْسِ " . فَفَعَلْتُ وَجَمَعْتُهُمْ ، فَصَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا صَنَعَ بِالْأَمْسِ ، فَأَكَلُوا حَتَّى نَهِلُوا ، وَشَرِبُوا مِنْ ذَلِكَ 118 الْقَعْبِ حَتَّى نَهِلُوا ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِنِّي وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ شَابًّا مِنَ الْعَرَبِ جَاءَ قَوْمَهُ بِأَفْضَلِ مِمَّا جِئْتُكُمْ ، إِنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِأَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " .
قَالَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ الْعُطَارِدِيُّ : بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ إِنَّمَا سَمِعَهُ مِنْ عَبْدِ الْغَفَّارِ بْنِ الْقَاسِمِ أَبِي مَرْيَمَ ، عَنِ الْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ .
وَقَالَ يُونُسُ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَكَانَ بَيْنَ مَا أَخْفَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ إِلَى أَنْ أُمِرَ بِإِظْهَارِهِ ثَلَاثُ سِنِينَ .
وَقَالَ الْأَعْمَشُ ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ : ( وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [ الشُّعَرَاءِ : 214 ] وَرَهْطَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ ، يَا صَبَاحَاهُ . قَالُوا : مَنْ هَذَا الَّذِي يَهْتِفُ ؟ قَالُوا : مُحَمَّدٌ ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ ، فَقَالَ : " أَرَأَيْتُكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ ، أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ ؟ " قَالُوا : مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا ، قَالَ : " فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ " فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ : تَبًّا لَكَ ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا . ثُمَّ قَامَ ، فَنَزَلَتْ : " تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَدْ تَبَّ " كَذَا قَرَأَ الْأَعْمَشُ . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ إِلَّا وَقَدْ تَبَّ فَعِنْدَ بَعْضِ أَصْحَابِ الْأَعْمَشِ ، وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ .
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ كَثِيرٍ ، عَنِ ابْنِ تَدْرُسَ ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ : لَمَّا نَزَلَتْ تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ [ الْمَسَدِ : 1 ] أَقْبَلَتِ الْعَوْرَاءُ أَمُّ جَمِيلٍ بِنْتُ حَرْبٍ ، وَلَهَا وَلْوَلَةٌ ، وَفِي يَدِهَا فِهْرٌ وَهِيَ تَقُولُ :
119 ﴿﴾ مُذَمَّمًا أَبَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَدِينَهُ قَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَمْرَهُ عَصَيْنَا ﴿﴾ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَخَافُ أَنْ تَرَاكَ . قَالَ : إِنَّهَا لَنْ تَرَانِي ، وَقَرَأَ قُرْآنًا فَاعْتَصَمَ بِهِ وَقَرَأَ وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْءَانِ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا [ الْإِسْرَاءِ : 45 ] فَوَقَفَتْ عَلَى أَبِي بَكْرٍ ، وَلَمْ تَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّ صَاحِبَكَ هَجَانِي ، فَقَالَ : لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا هَجَاكِ ، فَوَلَّتْ وَهِيَ تَقُولُ : قَدْ عَلِمَتْ قُرَيْشٌ أَنِّي ابْنَةُ سَيِّدِهَا .
رَوَى نَحْوَهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ أَسْمَاءَ .
وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " انْظُرُوا قُرَيْشًا كَيْفَ يَصْرِفُ اللَّهُ عَنِّي شَتْمَهُمْ وَلَعْنَهُمْ ، يَشْتُمُونَ مُذَمَّمًا وَيَلْعَنُونَ مُذَمَّمًا ، وَأَنَا مُحَمَّدٌ " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَفَشَا الْإِسْلَامُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَمَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ فَقَالَ : فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ [ الْحِجْرِ : 94 ] وَقَالَ : وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ [ الْحِجْرِ : 89 ] قَالَ : وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا صَلَّوْا ذَهَبُوا فِي الشِّعَابِ وَاسْتَخْفَوْا بِصَلَاتِهِمْ مِنْ قَوْمِهِمْ ، فَبَيْنَا سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي نَفَرٍ بِشِعْبٍ ، إِذْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ نَفَرٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَنَاكَرُوهُمْ وَعَابُوا عَلَيْهِمْ وَقَاتَلُوهُمْ ، فَضَرَبَ سَعْدٌ رَجُلًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بَلَحْيِ بَعِيرٍ فَشَجَّهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ دَمٍ فِي الْإِسْلَامِ ، فَلَمَّا بَادَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمَهُ وَصَدَعَ بِالْإِسْلَامِ ، لَمْ يَبْعُدْ مِنْهُ وَلَمْ يَرُدُّوا عَلَيْهِ -فِيمَا بَلَغَنِي حَتَّى عَابَ آلِهَتَهُمْ ، فَأَعْظَمُوهُ وَنَاكَرُوهُ وَأَجْمَعُوا خِلَافَهُ وَعَدَاوَتَهُ ، فَحَدَبَ عَلَيْهِ 120 عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ ، وَمَنَعَهُ وَقَامَ دُونَهُ ، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعْتِبُهُمْ مِنْ شَيْءٍ أَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ، وَرَأَوْا أَنَّ عَمَّهُ يَمْنَعُهُ مَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ فَكَلَّمُوهُ ، وَقَالُوا : إِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنْ آلِهَتِنَا وَعَنِ الْكَلَامِ فِي دِينِنَا ، وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ . فَقَالَ لَهُمْ قَوْلًا رَفِيقًا ، وَرَدَّهُمْ رَدًّا جَمِيلًا ، فَانْصَرَفُوا ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَبَاعَدَ الرِّجَالُ وَتَضَاغَنُوا ، وَأَكْثَرَتْ قُرَيْشٌ ذِكْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَحَضَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا عَلَيْهِ ، وَمَشَوْا إِلَى أَبِي طَالِبٍ مَرَّةً أُخْرَى ، فَقَالُوا : إِنَّ لَكَ نَسَبًا وَشَرَفًا فِينَا ، وَإِنَّا قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ مِنَ ابْنِ أَخِيكَ فَلَمْ تَنْهَهُ عَنَّا ، وَإِنَّا وَاللَّهِ مَا نَصْبِرُ عَلَى شَتْمِ آلِهَتِنَا وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا حَتَّى تَكُفَّهُ أَوْ نُنَازِلَهُ ، وَإِيَّاكَ فِي ذَلِكَ ، حَتَّى يَهْلِكَ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ . ثُمَّ انْصَرَفُوا عَنْهُ ، فَعَظُمَ عَلَى أَبِي طَالِبٍ فِرَاقُ قَوْمِهِ وَعَدَاوَتُهُ لَهُمْ ، وَلَمْ يَطِبْ نَفْسًا أَنْ يُسْلِمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ وَلَا أَنْ يَخْذُلَهُ .
وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنْ طَلْحَةَ بْنِ يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : أَخْبَرَنِي عَقِيلُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، قَالَ : جَاءَتْ قُرَيْشٌ إِلَى أَبِي طَالِبٍ ، فَقَالُوا : إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ هَذَا قَدْ آذَانَا فِي نَادِينَا وَمَسْجِدِنَا ، فَانْهَهُ عَنَّا ، فَقَالَ : يَا عَقِيلُ انْطَلِقْ فَأْتِنِي بِمُحَمَّدٍ . فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَاسْتَخْرَجْتُهُ مِنْ حَفْشٍ أَوْ كَبْسٍ - يَقُولُ : بَيْتٍ صَغِيرٍ - ، فَلَمَّا أَتَاهُمْ قَالَ أَبُو طَالِبٍ : إِنَّ بَنِي عَمِّكَ هَؤُلَاءِ قَدْ زَعَمُوا أَنَّكَ تُؤْذِيهِمْ فِي نَادِيهِمْ وَمَسْجِدِهِمْ فَانْتَهِ عَنْ أَذَاهُمْ . فَحَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَصَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ : " أَتَرَوْنَ هَذِهِ الشَّمْسَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ ، قَالَ : " فَمَا أَنَا بِأَقْدَرَ عَلَى أَنْ أَدَعَ ذَلِكَ مِنْكُمْ عَلَى أَنْ تَسْتَشْعِلُوا مِنْهَا شُعْلَةً " . فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ : وَاللَّهِ مَا كَذَبَنَا ابْنُ أَخِي قَطُّ فَارْجِعُوا . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي " التَّارِيخِ " عَنْ أَبِي كُرَيْبٍ ، عَنْ يُونُسَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَحَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ قُرَيْشًا 121 حِينَ قَالَتْ لِأَبِي طَالِبٍ مَا قَالُوا ، بَعَثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا ابْنَ أَخِي إِنَّ قَوْمَكَ قَدْ جَاءُوا إِلَيَّ فَقَالُوا : كَذَا وَكَذَا ، فَأَبْقِ عَلَيَّ وَعَلَى نَفْسِكَ ، وَلَا تُحَمِّلْنِي مِنَ الْأَمْرِ مَا لَا أُطِيقُ . فَظَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَدْ بَدَا لِعَمِّهِ بَدَاءٌ وَأَنَّهُ خَاذِلُهُ وَمُسْلِمُهُ ، فَقَالَ : " يَا عَمِّ لَوْ وَضَعُوا الشَّمْسَ فِي يَمِينِي وَالْقَمَرَ فِي شِمَالِي عَلَى أَنْ أَتْرُكَ هَذَا الْأَمْرَ حَتَّى يُظْهِرَهُ اللَّهُ أَوْ أَهْلِكَ فِيهِ مَا تَرَكْتُهُ " ، ثُمَّ اسْتَعْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ ، فَلَمَّا وَلَّى نَادَاهُ أَبُو طَالِبٍ ، فَقَالَ : أَقْبِلْ يَا ابْنَ أَخِي . فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَقَالَ : اذْهَبْ فَقُلْ مَا أَحْبَبْتَ فَوَاللَّهِ لَا أُسْلِمُكَ أَبَدًا .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا رَوَاهُ عَنْهُ يُونُسُ : ثُمَّ قَالَ أَبُو طَالِبٍ فِي ذَلِكَ شِعْرًا .
﴿﴾ وَاللَّهِ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ بِجَمْعِهِمْ ﴿﴾ ﴿﴾ حَتَّى أُوَسَّدَ فِي التُّرَابِ دَفِينًا ﴿﴾ ﴿﴾ فَامْضِ لِأَمْرِكَ مَا عَلَيْكَ غَضَاضَةٌ ﴿﴾ ﴿﴾ أَبْشِرْ وَقِرْ بِذَاكَ مِنْكَ عُيُونَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي ﴿﴾ ﴿﴾ فَلَقَدْ صَدَقْتَ ، وَكُنْتَ قِدْمًا أَمِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَعَرَضْتَ دِينًا قَدْ عَرَفْتُ بِأَنَّهُ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيَّةِ دِينَا ﴿﴾ ﴿﴾ لَوْلَا الْمَلَامَةُ أَوْ حَذَارَى سُبَّةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ لَوَجَدْتَنِي سَمْحًا بِذَاكَ مُبِينَا ﴿﴾ وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عُبَيْدٍ : حَدَّثَنَا الْجُرَيْرِيُّ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْرَسُ حَتَّى نَزَلَتْ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [ الْمَائِدَةِ : 67 ] فَأَخْرَجَ رَأْسَهُ مِنَ الْقُبَّةِ فَقَالَ لَهُمْ : " أَيُّهَا النَّاسُ انْصَرِفُوا فَقَدْ عَصَمَنِي اللَّهُ " .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ الدُّؤَلِيِّ ، قَالَ : رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ يَتْبَعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ ، وَوَرَاءَهُ رَجُلٌ أَحْوَلُ تَقِدُّ وَجْنَتَاهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا يَغُرَّنَّكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَدِينِ آبَائِكُمْ . قُلْتُ : مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : أَبُو لَهَبٍ .
122 وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ عِبَادٍ مَنْ بَنِي الدِّيلِ ، وَكَانَ جَاهِلِيًّا فَأَسْلَمَ ، أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْمَجَازِ ، وَهُوَ يَمْشِي بَيْنَ ظَهْرَانَيِ النَّاسِ يَقُولُ : " يَا أَيُّهَا النَّاسُ قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا ، قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا " وَوَرَاءَهُ أَبُو لَهَبٍ . فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . قَالَ رَبِيعَةُ : وَأَنَا يَوْمَئِذٍ أَزْفُرُ الْقِرْبَةَ لِأَهْلِي .
وَقَالَ شُعْبَةُ ، عَنِ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ كِنَانَةَ ، قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُوقِ ذِي الْمَجَازِ ، وَهُوَ يَقُولُ : " قُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ تُفْلِحُوا " . وَإِذَا خَلْفَهُ رَجُلٌ يَسْفِي عَلَيْهِ التُّرَابَ ، فَإِذَا هُوَ أَبُو جَهْلٍ وَيَقُولُ : لَا يَغُرَّنَّكُمْ هَذَا عَنْ دِينِكُمْ ، فَإِنَّمَا يُرِيدُ أَنْ تَتْرُكُوا عِبَادَةَ اللَّاتِ وَالْعُزَّى . إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ .
وَقَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ ، عَنْ أَبِيهِ : حَدَّثَنِي نُعَيْمُ بْنُ أَبِي هِنْدٍ ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : هَلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجْهَهُ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ قِيلَ : نَعَمْ ، فَقَالَ : وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى لَئِنْ رَأَيْتُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ ، وَلَأُعَفِّرَنَّ وَجْهَهُ . فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ ، فَمَا فَجَأَهُمْ مِنْهُ إِلَّا وَهُوَ يَنْكِصُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيْهِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا لَكَ ؟ قَالَ : إِنَّ بَيْنِي وَبَيْنَهُ لَخَنْدَقًا مِنْ نَارٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَوْ دَنَا مِنِّي لَاخْتَطَفَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عُضْوًا عُضْوًا " . أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ .
وَقَالَ عِكْرِمَةُ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ : قَالَ أَبُو جَهْلٍ : لَئِنْ رَأَيْتُ مُحَمَّدًا يُصَلِّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ لَأَطَأَنَّ عُنُقَهُ . فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : " لَوْ فَعَلَ لَأَخَذَتْهُ الْمَلَائِكَةُ عَيَانًا " . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ .
123 وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا أَتَوْا أَبَا طَالِبٍ فَقَالُوا : يَا أَبَا طَالِبٍ هَذَا عِمَارَةُ بْنُ الْوَلِيدِ أَنْهَدُ فَتًى فِي قُرَيْشٍ وَأَجْمَلُهُ ، فَخُذْهُ فَلَكَ عَقْلُهُ وَنُصْرَتُهُ وَاتَّخِذْهُ وَلَدًا فَهُوَ لَكَ ، وَأَسْلِمْ إِلَيْنَا ابْنَ أَخِيكَ هَذَا الَّذِي قَدْ خَالَفَ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ نَقْتُلُهُ ، فَإِنَّمَا رَجُلٌ كَرَجُلٍ . فَقَالَ : بِئْسَ وَاللَّهِ مَا تَسُومُونَنِي أَتُعْطُونِي ابْنَكُمْ أَغْذُوهُ لَكُمْ ، وَأُعْطِيكُمُ ابْنِي تَقْتُلُونَهُ ! هَذَا وَاللَّهِ مَا لَا يَكُونُ أَبَدًا . فَقَالَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيِّ بْنِ نَوْفَلِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ : وَاللَّهِ يَا أَبَا طَالِبٍ لَقَدْ أَنْصَفَكَ قَوْمُكَ وَشَهِدُوا عَلَى التَّخَلُّصِ مِمَّا تَكْرَهُ ، فَمَا أَرَاكَ تُرِيدُ أَنْ تَقْبَلَ مِنْهُمْ شَيْئًا . فَقَالَ : وَاللَّهِ مَا أَنْصَفُونِي وَلَكِنَّكَ قَدْ أَجْمَعْتَ خِذْلَانِي وَمُظَاهَرَةَ الْقَوْمِ عَلَيَّ ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَكَ . فَحَقَبَ الْأَمْرُ ، وَحَمِيَتِ الْحَرْبُ ، وَتَنَابَذَ الْقَوْمُ ، فَقَالَ أَبُو طَالِبٍ :
﴿﴾ أَلَا قُلْ لِعَمْرٍو وَالْوَلِيدِ وَمُطْعِمٍ ﴿﴾ ﴿﴾ أَلَا لَيْتَ حَظِّي مِنْ حِيَاطَتِكُمْ بَكْرُ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنَ الْخُورِ حَبْحَابٌ كَثِيرٌ رُغَاؤُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ يَرَشُّ عَلَى السَّاقَيْنِ مِنْ بَوْلِهِ قَطْرُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَرَى أَخَوَيْنَا مِنْ أَبِينَا وَأُمِّنَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِذَا سُئِلَا قَالَا إِلَى غَيْرِنَا الْأَمْرُ ﴿﴾ ﴿﴾ أَخُصُّ خُصُوصًا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا ﴿﴾ ﴿﴾ هُمَا نَبَذَانَا مِثْلَمَا يُنْبَذُ الْجَمْرُ ﴿﴾ وَقَالَ يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ ، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ : حَدَّثَنِي شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ ، مُنْذُ بِضْعٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةٍ طَوِيلَةٍ جَرَتْ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا قَامَ عَنْهُمْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إِنَّ مُحَمَّدًا قَدْ أَبَى إِلَّا مَا تَرَوْنَ مِنْ عَيْبِ دِينِنَا ، وَشَتْمِ آبَائِنَا ، وَتَسْفِيهِ أَحْلَامِنَا ، وَسَبِّ آلِهَتِنَا ، وَإِنِّي أُعَاهِدُ اللَّهَ لَأَجْلِسَنَّ لَهُ غَدًا بِحَجَرٍ ، فَإِذَا سَجَدَ فَضَخْتُ بِهِ رَأْسَهُ فَلْيَصْنَعْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ مَا بَدَا لَهُمْ .
124 فَلَمَّا أَصْبَحَ أَبُو جَهْلٍ أَخَذَ حَجَرًا وَجَلَسَ ، وَأَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يُصَلِّي بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ الْأَسْوَدِ وَالْيَمَانِيِّ ، وَكَانَ يُصَلِّي إِلَى الشَّامِ ، وَجَلَسَتْ قُرَيْشٌ فِي أَنْدِيَتِهَا يَنْظُرُونَ ، فَلَمَّا سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَمَلَ أَبُو جَهْلٍ الْحَجَرَ ثُمَّ أَقْبَلَ نَحْوَهُ ، حَتَّى إِذَا دَنَا مِنْهُ رَجَعَ مَرْعُوبًا مُنْتَقِعًا لَوْنُهُ ، قَدْ يَبِسَتْ يَدَاهُ عَلَى حَجَرِهِ ، حَتَّى قَذَفَ بِهِ مِنْ يَدِهِ ، وَقَامَتْ إِلَيْهِ رِجَالُ قُرَيْشٍ فَقَالُوا : مَا لَكَ يَا أَبَا الْحَكَمِ ؟ فَقَالَ : قُمْتُ إِلَيْهِ لِأَفْعَلَ مَا قُلْتُ لَكُمْ فَلَمَّا دَنَوْتُ مِنْهُ عَرَضَ لِي دُونَهُ فَحْلٌ مِنَ الْإِبِلِ ، وَاللَّهِ مَا رَأَيْتُ مِثْلَ هَامَتِهِ وَلَا قَصَرَتِهِ . وَلَا أَنْيَابِهِ لِفَحْلٍ قَطُّ ، فَهَمَّ أَنْ يَأْكُلَنِي .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث