الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الثالث
الصفحة 329 · ص. المطبوع 98 · الشرح
فَصْلٌ
[ كَرْيُ الْأَنْهَارِ ]
( كَرْيُ الْأَنْهَارِ الْعِظَامِ عَلَى بَيْتِ الْمَالِ ) ، وَهِيَ الَّتِي لَا تَدْخُلُ فِي الْمَقَاسَمِ كَسَيْحُونَ وَإِخْوَتِهِ جَيْحُونَ وَالنِّيلِ وَدِجْلَةَ وَالْفُرَاتِ وَمَا شَابَهَهَا ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهَا لِلْعَامَّةِ فَيَكُونُ فِي مَالِهِمْ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ أُجْبِرَ النَّاسُ عَلَى كَرْيِهِ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الْكَرْيِ إِحْيَاءً لِحَقِّ الْعَامَّةِ وَدَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْهُمْ ، لَكِنْ يُخْرِجُ الْإِمَامُ مَنْ يُطِيقُ الْعَمَلَ وَيَجْعَلُ مَئُونَتَهُمْ عَلَى الْمَيَاسِيرِ الَّذِينَ لَا يُطِيقُونَهُ .
( وَمَا هُوَ مَمْلُوكٌ لِلْعَامَّةِ فَكَرْيُهُ عَلَى أَهْلِهِ ) ; لِأَنَّ مَنْفَعَتَهُ لَهُمْ ( وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ يُجْبَرُ ) دَفْعًا 98 لِلضَّرَرِ الْعَامِّ ، وَهُوَ ضَرَرُ الشُّرَكَاءِ بِالضَّرَرِ الْخَاصِّ ، كَيْفَ وَفِيهِ مَنْفَعَتُهُ فَلَا يُعَارِضُهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ عَامٌّ بِأَنْ خَافُوا أَنْ يَنْشَقَّ النَّهْرُ فَيَخْرُجَ الْمَاءُ إِلَى طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ وَأَرَاضِيهِمْ ، فَعَلَيْهِمْ تَحْصِينُهُ بِالْحِصَصِ ، وَالنَّهْرُ الْمَمْلُوكُ لِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصِينَ فَكَرْيُهُ عَلَيْهِمْ ، وَمَنْ أَبَى مِنْهُمْ قِيلَ يُجْبَرُ لِمَا مَرَّ ، وَقِيلَ لَا يُجْبَرُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الضَّرَرَيْنِ خَاصٌّ ، وَيُمْكِنُ دَفْعُهُ بِالْكَرْيِ بِأَمْرِ الْقَاضِي ، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى الْآبِي ، وَلَا كَذَلِكَ الْأَوَّلُ .
قَالَ : ( وَمَئُونَةُ الْكَرْيِ إِذَا جَاوَزَ أَرْضَ رَجُلٍ تُرْفَعُ عَنْهُ ) وَقَالَا : الْكَرْيُ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ بِحِصَصِ الشِّرْبِ وَالْأَرَاضِي ; لِأَنَّ الْأَعْلَى يَحْتَاجُ إِلَى مَا وَرَاءَ أَرْضِهِ لِتَسْيِيلِ مَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ كَيْ لَا يَغْرَقَ أَهْلُهُ .
وَلِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ مَتَى جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَهُ تَمَكَّنَ مِنْ سَقْيِهَا وَانْدَفَعَتْ حَاجَتُهُ فَلَا يَلْزَمُهُ مَا بَعْدَ ذَلِكَ ، حَتَّى لَوْ أَمْكَنَهُ السَّقْيُ بِدُونِ الْكَرْيِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَرْيُ ، وَمَا ذُكِرَ مِنَ الْحَاجَةِ يَنْدَفِعُ بِسَدِّهِ مِنْ أَعْلَاهُ ، وَلَيْسَ عَلَى صَاحِبِ الْمَسِيلِ عِمَارَتُهُ كَمَنْ لَهُ عَلَى سَطْحِ آخَرَ مَسِيلُ مَاءٍ . وَإِذَا جَاوَزَ الْكَرْيُ أَرْضَ رَجُلٍ هَلْ لَهُ أَنْ يَفْتَحَ الْمَاءَ ؟ قِيلَ : لَهُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْكَرْيَ قَدِ انْتَهَى فِي حَقِّهِ ، وَقِيلَ لَا ; لِأَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالِانْتِفَاعِ بِالْمَاءِ ، وَلِهَذَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْكَرْيِ مِنْ أَسْفَلِ النَّهْرِ أَوْ بِتَرْكِ بَعْضِهِ مِنْ أَعْلَاهُ .
قَالَ : ( وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ الشَّفَةِ شَيْءٌ مِنَ الْكَرْيِ ) ; لِأَنَّهَا شَرِكَةٌ عَامَّةٌ .
قَالَ : ( نَهْرٌ لِرَجُلٍ يَجْرِي فِي أَرْضِ غَيْرِهِ لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ مَنْعُهُ ) ; لِأَنَّ صَاحِبَ النَّهْرِ مُسْتَعْمِلٌ لَهُ بِإِجْرَاءِ مَائِهِ عَمَلًا بِالْبَيِّنَةِ ، وَعَلَى هَذَا الْمَصَبُّ فِي نَهْرٍ أَوْ عَلَى سَطْحٍ وَالْمِيزَابُ وَالطَّرِيقُ فِي دَارِ غَيْرِهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ أَنْ يَقُولَ فِي الدَّعْوَى مَصَبُّ مَاءِ الْوُضُوءِ أَوِ الْمَطَرِ أَوْ غَيْرِهِ لِمَكَانِ التَّفَاوُتِ .
قَالَ : ( نَهْرٌ بَيْنَ قَوْمٍ اخْتَصَمُوا فِي الشِّرْبِ فَهُوَ بَيْنُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمْ ) ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الشِّرْبِ سَقْيُ الْأَرْضِ فَيُقَدَّرُ بِقَدْرِهَا ، بِخِلَافِ الطَّرِيقِ لِأَنَّ التَّطَرُّقَ إِلَى الدَّارِ الْوَاسِعَةِ وَالضَّيِّقَةِ سَوَاءٌ ، وَلَوْ كَانَ لِبَعْضِ الْأَرَاضِي سَاقِيَةٌ وَلِلْبَعْضِ دَالِيَةٌ وَلَا شَيْءَ لِلْبَعْضِ وَلَيْسَ لَهَا شِرْبٌ مَعْلُومٌ 99 فَالشِّرْبُ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ أَرَاضِيهِمُ الَّتِي عَلَى حَافَّةِ النَّهْرِ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ النَّهْرِ سَقْيُ الْأَرْضِ لَا اتِّخَاذُ السَّوَاقِي وَالدَّوَالِي فَيَسْتَوِي حَالُهُمْ فِيمَا هُوَ الْمَقْصُودُ ، وَلِأَنَّ الْأَرَاضِيَ فِي الْأَصْلِ لَا بُدَّ لَهَا مَنْ شِرْبٍ ; وَإِنْ كَانَ لَهَا شِرْبٌ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا النَّهْرِ فَلَا حَقَّ لَهُ فِي هَذَا النَّهْرِ .
قَالَ : ( وَلَيْسَ لِلْأَعْلَى أَنْ يَسْكُرَ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ ) لِمَا فِيهِ مِنْ إِبْطَالِ حَقِّ الْبَاقِينَ وَهُوَ مَنْعُ الْمَاءِ عَنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمُدَّةِ ، وَلِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى إِحْدَاثِ شَيْءٍ فِي وَسَطِ النَّهْرِ وَرُبَّمَا يَنْكَبِسُ مَا يُحْدِثُ فِيهِ عِنْدَ السَّكْرِ ، وَرَقَبَتُهُ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَهُمْ فَلَا يَجُوزُ لَكِنْ يَشْرَبُ بِحِصَّتِهِ ، فَإِذَا رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمْ ، كَذَلِكَ لَوِ اصْطَلَحُوا عَلَى أَنْ يَسْكُرَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي نَوْبَتِهِ جَازَ لَمَا قُلْنَا . لَكِنْ لَا يَسْكُرُ إِلَّا بِلَوْحٍ أَوْ بَابٍ وَلَا يَسْكُرُ بِالطِّينِ وَالتُّرَابِ لِأَنَّهُ يَكْبِسُ النَّهْرَ وَفِيهِ ضَرَرٌ ، وَإِنْ لَمْ يَسْكُرْ بِاللَّوْحِ فَبِالتُّرَابِ .
قَالَ : ( وَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَشُقَّ مِنْهُ نَهْرًا ، أَوْ يَنْصِبَ عَلَيْهِ رَحًى ، أَوْ يَتَّخِذَ عَلَيْهِ جِسْرًا أَوْ يُوَسِّعَ فَمَهُ ، أَوْ يَسُوقَ شِرْبَهُ إِلَى أَرْضٍ لَيْسَ لَهَا شِرْبٌ إِلَّا بِتَرَاضِيهِمْ ) ، أَمَّا شَقُّ النَّهْرِ وَنَصْبُ الرَّحَى فَلِأَنَّ فِيهِ كَسْرَ ضَفَّةِ النَّهْرِ وَشَغْلَ مِلْكِ الْغَيْرِ بِبُنْيَانِهِ ، إِلَّا أَنْ لَا تَضُرَّ الرَّحَى بِالنَّهْرِ وَلَا بِالْمَاءِ وَيَكُونَ مَكَانُهَا لَهُ خَاصٌّ فَيَجُوزُ ; لِأَنَّهُ تَصَرَّفَ فِي مِلْكِهِ مِنْ غَيْرِ إِضْرَارٍ بِالْغَيْرِ .
وَأَمَّا اتِّخَاذُ الْجِسْرِ فَهُوَ كَطَرِيقٍ خَاصٍّ بَيْنَ قَوْمٍ ، وَالْقَنْطَرَةُ كَالْجِسْرِ . وَأَمَّا تَوْسِعَةُ فَمِهِ لِأَنَّهُ يَكْسِرُ ضَفَّةَ النَّهْرِ وَيَزِيدُ عَلَى مِقْدَارِ حَقِّهِ . وَأَمَّا سَوْقُ شِرْبِهِ إِلَى أَرْضٍ أُخْرَى فَلِأَنَّهُ رُبَّمَا تَقَادَمَ الْعَهْدُ فَيَدَّعِيهِ وَيَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَهُ ، فَإِذَا رَضُوا بِذَلِكَ جَازَ لِأَنَّهُ حَقُّهُمْ .
قَالَ : ( وَلَوْ كَانَتِ الْقِسْمَةُ بِالْكُوَى فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمْ أَنْ يَقْسِمَ بِالْأَيَّامِ ، وَلَا مُنَاصَفَةً ) ; لِأَنَّ الْحَقَّ ظَهَرَ بِذَلِكَ فَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ ، إِلَّا أَنْ يَتَرَاضَيَا لِأَنَّ الْحَقَّ لَهُمَا .
قَالَ : ( وَلَا يَزِيدُ كُوَّةً وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِالْبَاقِينَ ) لِمَا بَيَّنَّا ، بِخِلَافِ النَّهْرِ الْأَعْظَمِ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يَشُقَّ فِيهِ نَهْرًا مُبْتَدَأً فَزِيَادَةُ الْكُوَّةِ أَوْلَى .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث