الاختيار لتعليل المختار
الاختيار لتعليل المختار · الجزء الخامس
فَصْلٌ
فِي الْوَلَاءِ
وَهُوَ نَوْعَانِ : وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا صُورَتَهُمَا وَأَحْكَامَهُمَا فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ ، وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْثِ ، فَنَبْدَأُ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ فَنَقُولُ :
إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَلَا عَصَبَةَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ عَصَبَتُهُ ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ " ، وَمَاتَ مُعْتَقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْهَا وَعَنْ بِنْتٍ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ . وَأَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " إِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَكَ ، وَإِنْ كَفَرَكَ فَهُوَ شَرٌّ لَهُ وَخَيْرٌ لَكَ ، وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا كُنْتَ أَنْتَ عَصَبَتَهُ " . وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا أَلْحَقَ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ فِي حَقِّ الْأَعْلَى حَيْثُ أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ بِالْإِعْتَاقِ وَتَسَبَّبَ إِلَى حَيَاتِهِ مَعْنًى ، فَجُوزِيَ بِاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ صِلَةً لَهُ وَكَرَامَةً ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ مِنَ الْعَبْدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتَقُ عَنْ صَاحِبِ فَرْضٍ وَالْمُعَتِقِ ، أَخَذَ صَاحِبُ الْفَرْضِ فَرْضَهُ وَالْبَاقِي لِلْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُ لِمَا رُوِّينَا ، وَالْوَلَاءُ يُوَرَّثُ بِهِ وَلَا يُوَرَّثُ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلًا يُوَرَّثُ " ، وَيُسْتَحَقُّ بِالْعُصُوبَةِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " كُنْتَ أَنْتَ عَصَبَةً " ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ شَيْءٌ بِالْإِرْثِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ " ، وَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ الْمُعْتَقِ ، فَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنِ الْمُعْتِقِ وَأَبِيهِ فَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلِابْنِ .
613 وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لِلْأَبِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ ; لِأَنَّ الْأَبَ يَكُونُ عَصَبَةً حَتَّى يُحْرِزَ جَمِيعَ الْمَالِ لَوِ انْفَرَدَ . وَلَهُمَا أَنَّهُ صَاحِبُ فَرْضٍ مَعَ الِابْنِ فَصَارَ كَالزَّوْجِ فَلَا يُزَاحِمُ الِابْنَ الْعَصَبَةَ ، وَلَوْ مَاتَ عَنْ جَدِّ مَوْلَاهُ وَأَخِيهِ فَالْكُلُّ لِلْجَدِّ .
وَقَالَا : بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَقَدْ عُرِفَ .
وَعَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا : الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ أَيْ لِلْأَقْرَبِ إِلَى الْمَيِّتِ نَسَبًا ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا سَمَاعًا فَصَارَ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَصُورَتُهُ : إِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنِ ابْنَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَوَلَاؤُهُ لِابْنِ مَوْلَاهُ دُونَ ابْنِ ابْنِهِ لِمَا رُوِّينَا وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ نَسَبًا وَعُصُوبَةً ، وَلَوْ مَاتَ الِابْنَانِ وَتَرَكَ أَحَدُهُمَا ابْنًا وَالْآخَرُ ابْنَيْنِ فَالْوَلَاءُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْعُصُوبَةِ وَالْقُرْبِ ، وَلِأَنَّ الْجَدَّ لَوْ مَاتَ قُسِّمَتْ تَرِكَتُهُ عَلَى حَفَدَتِهِ كَذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ مَا وَرِثُوهُ بِسَبَبِهِ .
وَأَمَّا مَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَإِنَّ الْأَعْلَى يَرِثُ الْأَسْفَلَ وَيَعْقِلُ عَنْهُ إِذَا جَنَى مُقَابَلَةً لِلْغُنْمِ بِالْغُرْمِ ، وَهُوَ مُؤَخَّرٌ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لِأَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَرِثُونَ بِالْقَرَابَةِ وَهِيَ أَقْوَى وَآكَدُ مِنَ الْوَلَاءِ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ النَّقْضَ وَالْوَلَاءُ يَقْبَلُهُ ، بِخِلَافِ الزَّوْجَيْنِ حَيْثُ يَرِثُ مَعَهُمَا لِأَنَّهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْأَجَانِبِ ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا ، فَإِذَا أَخَذَا حَقَّهُمَا صَارَ الْبَاقِي خَالِيًا عَنِ الْوَارِثِ فَيَكُونُ لِمَوْلَى الْمُوَالَاةِ . وَلَوِ اتَّفَقَا فِي عَقْدِ الْمُوَالَاةِ عَلَى أَنْ يَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ صَحَّ ، وَوَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً وَلَا ذُو سَهْمٍ وَلَا ذُو رَحِمٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ أَنَّ السَّبَبَ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ إِحْيَاءُ مَعْنَى عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَأَنَّهُ مِنَ الْأَعْلَى خَاصَّةً ، وَالسَّبَبُ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ ، فَيَثْبُتُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي عَقَدَا وَشَرَطَا . وَالْأَصْلُ فِي الْإِرْثِ بِوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْعَقْدِ وَالْحِلْفِ دُونَ النَّسَبِ وَالرَّحِمِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) فَنُسِخَ تَقْدِيمُهُ وَصَارَ مُؤَخَّرًا عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ 614 وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الْآيَةِ فَلَا نُوَرِّثُهُ مَعَ وُجُودِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَإِنَّمَا نُوَرِّثُهُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ نَاسِخَةً وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ مَالَهُ لَهُ بِعَقْدِهِ ، وَلَا تَعَلُّقَ لِلْوَارِثِ بِهِ فَصَارَ كَالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَلَا وَارِثَ لَهُ ، أَوْ كَانَ لَكِنَّهُ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَذَا هَذَا ، فَصَارَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَالِ فَلَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْتَحِقِّ لَا أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ " وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ فَقَالَ : هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتُهُ " يُشِيرُ إِلَى الْعَقْلِ وَالْإِرْثِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ .
فِي الْوَلَاءِ
وَهُوَ نَوْعَانِ : وَلَاءُ عَتَاقَةٍ وَوَلَاءُ مُوَالَاةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا صُورَتَهُمَا وَأَحْكَامَهُمَا فِي كِتَابِ الْوَلَاءِ ، وَنَذْكُرُ فِي هَذَا الْفَصْلِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِرْثِ ، فَنَبْدَأُ بِوَلَاءِ الْعَتَاقَةِ فَنَقُولُ :
إِذَا مَاتَ الْمُعْتَقُ وَلَا عَصَبَةَ لَهُ مِنْ جِهَةِ النَّسَبِ فَالْمَوْلَى الْمُعْتِقُ عَصَبَتُهُ ، لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " ، وَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ " ، وَمَاتَ مُعْتَقٌ لِابْنَةِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - عَنْهَا وَعَنْ بِنْتٍ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَالَ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ . وَأَعْتَقَ رَجُلٌ عَبْدًا لَهُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَقَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " إِنْ شَكَرَكَ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَشَرٌّ لَكَ ، وَإِنْ كَفَرَكَ فَهُوَ شَرٌّ لَهُ وَخَيْرٌ لَكَ ، وَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَدَعْ وَارِثًا كُنْتَ أَنْتَ عَصَبَتَهُ " . وَلَا يَرِثُ الْأَسْفَلُ مِنَ الْأَعْلَى لِأَنَّهُ لَا قَرَابَةَ بَيْنَهُمَا وَإِنَّمَا أَلْحَقَ الْوَلَاءَ بِالنَّسَبِ فِي حَقِّ الْأَعْلَى حَيْثُ أَنْعَمَ عَلَى عَبْدِهِ بِالْإِعْتَاقِ وَتَسَبَّبَ إِلَى حَيَاتِهِ مَعْنًى ، فَجُوزِيَ بِاسْتِحْقَاقِ الْإِرْثِ صِلَةً لَهُ وَكَرَامَةً ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ مِنَ الْعَبْدِ فَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ ، فَلَوْ مَاتَ الْمُعْتَقُ عَنْ صَاحِبِ فَرْضٍ وَالْمُعَتِقِ ، أَخَذَ صَاحِبُ الْفَرْضِ فَرْضَهُ وَالْبَاقِي لِلْمُعْتِقِ لِأَنَّهُ عَصَبَتُهُ لِمَا رُوِّينَا ، وَالْوَلَاءُ يُوَرَّثُ بِهِ وَلَا يُوَرَّثُ ، قَالَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلًا يُوَرَّثُ " ، وَيُسْتَحَقُّ بِالْعُصُوبَةِ ، وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " كُنْتَ أَنْتَ عَصَبَةً " ، وَلَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ شَيْءٌ بِالْإِرْثِ لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - : " لَيْسَ لِلنِّسَاءِ مِنَ الْوَلَاءِ إِلَّا مَا أَعْتَقْنَ أَوْ أَعْتَقَ مَنْ أَعْتَقْنَ أَوْ كَاتَبْنَ أَوْ كَاتَبَ مَنْ كَاتَبْنَ " ، وَهُوَ لِأَقْرَبِ عَصَبَةِ الْمُعْتَقِ ، فَلَوْ مَاتَ عَنِ ابْنِ الْمُعْتِقِ وَأَبِيهِ فَالْوَلَاءُ كُلُّهُ لِلِابْنِ .
613 وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ : لِلْأَبِ السُّدُسُ وَالْبَاقِي لِلِابْنِ ; لِأَنَّ الْأَبَ يَكُونُ عَصَبَةً حَتَّى يُحْرِزَ جَمِيعَ الْمَالِ لَوِ انْفَرَدَ . وَلَهُمَا أَنَّهُ صَاحِبُ فَرْضٍ مَعَ الِابْنِ فَصَارَ كَالزَّوْجِ فَلَا يُزَاحِمُ الِابْنَ الْعَصَبَةَ ، وَلَوْ مَاتَ عَنْ جَدِّ مَوْلَاهُ وَأَخِيهِ فَالْكُلُّ لِلْجَدِّ .
وَقَالَا : بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ وَقَدْ عُرِفَ .
وَعَنْ عِدَّةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - أَنَّهُمْ قَالُوا : الْوَلَاءُ لِلْكُبْرِ أَيْ لِلْأَقْرَبِ إِلَى الْمَيِّتِ نَسَبًا ، وَهَذَا لَا يُعْرَفُ إِلَّا سَمَاعًا فَصَارَ كَالْمَرْوِيِّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَصُورَتُهُ : إِذَا مَاتَ الْمُعْتِقُ عَنِ ابْنَيْنِ ، ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا عَنِ ابْنٍ ، ثُمَّ مَاتَ الْمُعْتَقُ فَوَلَاؤُهُ لِابْنِ مَوْلَاهُ دُونَ ابْنِ ابْنِهِ لِمَا رُوِّينَا وَلِأَنَّهُ أَقْرَبُ نَسَبًا وَعُصُوبَةً ، وَلَوْ مَاتَ الِابْنَانِ وَتَرَكَ أَحَدُهُمَا ابْنًا وَالْآخَرُ ابْنَيْنِ فَالْوَلَاءُ عَلَى عَدَدِ رُءُوسِهِمْ لِاسْتِوَائِهِمْ فِي الْعُصُوبَةِ وَالْقُرْبِ ، وَلِأَنَّ الْجَدَّ لَوْ مَاتَ قُسِّمَتْ تَرِكَتُهُ عَلَى حَفَدَتِهِ كَذَلِكَ ، فَكَذَلِكَ مَا وَرِثُوهُ بِسَبَبِهِ .
وَأَمَّا مَوْلَى الْمُوَالَاةِ فَإِنَّ الْأَعْلَى يَرِثُ الْأَسْفَلَ وَيَعْقِلُ عَنْهُ إِذَا جَنَى مُقَابَلَةً لِلْغُنْمِ بِالْغُرْمِ ، وَهُوَ مُؤَخَّرٌ عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ لِأَنَّ ذَوِي الْأَرْحَامِ يَرِثُونَ بِالْقَرَابَةِ وَهِيَ أَقْوَى وَآكَدُ مِنَ الْوَلَاءِ لِأَنَّهَا لَا تَقْبَلُ النَّقْضَ وَالْوَلَاءُ يَقْبَلُهُ ، بِخِلَافِ الزَّوْجَيْنِ حَيْثُ يَرِثُ مَعَهُمَا لِأَنَّهُمَا بَعْدَ الْمَوْتِ كَالْأَجَانِبِ ، وَلِهَذَا لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمَا ، فَإِذَا أَخَذَا حَقَّهُمَا صَارَ الْبَاقِي خَالِيًا عَنِ الْوَارِثِ فَيَكُونُ لِمَوْلَى الْمُوَالَاةِ . وَلَوِ اتَّفَقَا فِي عَقْدِ الْمُوَالَاةِ عَلَى أَنْ يَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْآخَرِ صَحَّ ، وَوَرِثَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَصَبَةً وَلَا ذُو سَهْمٍ وَلَا ذُو رَحِمٍ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ وَوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ أَنَّ السَّبَبَ فِي وَلَاءِ الْعَتَاقَةِ الْعِتْقُ الَّذِي هُوَ إِحْيَاءُ مَعْنَى عَلَى مَا بَيَّنَّا ، وَأَنَّهُ مِنَ الْأَعْلَى خَاصَّةً ، وَالسَّبَبُ فِي وَلَاءِ الْمُوَالَاةِ الْعَقْدُ وَالشَّرْطُ ، فَيَثْبُتُ عَلَى الْوَصْفِ الَّذِي عَقَدَا وَشَرَطَا . وَالْأَصْلُ فِي الْإِرْثِ بِوَلَاءِ الْمُوَالَاةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : ( وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ ) وَكَانَ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ يَتَوَارَثُونَ بِالْعَقْدِ وَالْحِلْفِ دُونَ النَّسَبِ وَالرَّحِمِ حَتَّى نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعَالَى - ( وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ) فَنُسِخَ تَقْدِيمُهُ وَصَارَ مُؤَخَّرًا عَنْ ذَوِي الْأَرْحَامِ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ 614 وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ - رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ - عَلَى أَنَّا نَقُولُ بِمُوجَبِ الْآيَةِ فَلَا نُوَرِّثُهُ مَعَ وُجُودِ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَإِنَّمَا نُوَرِّثُهُ عِنْدَ عَدَمِهِمْ فَلَا تَكُونُ الْآيَةُ نَاسِخَةً وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا ، وَلِأَنَّهُ جَعَلَ مَالَهُ لَهُ بِعَقْدِهِ ، وَلَا تَعَلُّقَ لِلْوَارِثِ بِهِ فَصَارَ كَالْوَصِيَّةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ وَلَا وَارِثَ لَهُ ، أَوْ كَانَ لَكِنَّهُ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ كَذَا هَذَا ، فَصَارَ مُسْتَحِقًّا لِلْمَالِ فَلَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُوضَعُ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْتَحِقِّ لَا أَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ " وَسُئِلَ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - عَنْ رَجُلٍ أَسْلَمَ عَلَى يَدِ رَجُلٍ وَوَالَاهُ فَقَالَ : هُوَ أَحَقُّ النَّاسِ بِهِ مَحْيَاهُ وَمَمَاتُهُ " يُشِيرُ إِلَى الْعَقْلِ وَالْإِرْثِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث