الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثامن
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ عِنْدَهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَبَقِيَ وَلَدُهَا ، ثُمَّ فُلِّسَ فَلِلْبَائِعِ الْمُحَاصَّةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ أَخْذُ الْوَلَدِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ مَالِهِ ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَتَقَسَّطَ الثَّمَنُ بِإِعْسَارِهِ ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ جَمِيعَ الثَّمَنِ فَيَأْخُذُوا الْوَلَدَ لِانْدِفَاعِ الضَّرَرِ . وَلَوْ وَجَدَ الْأَمَةَ أَوِ الْغَنَمَ تَنَاسَلَتْ فَلَهُ أَخْذُ الْأَوْلَادِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ كَصُوفٍ جَزَّهُ وَلَبَنٍ حَلَبَهُ وَثَمَرَةٍ جَنَاهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصُّوفُ يَوْمَ الشِّرَاءِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ قَدْ تَمَّ ، وَفِي النَّخْلِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ فَهُوَ كَالْمَبِيعِ لَهُ أَخْذُهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ جَذَّ تِلْكَ الثَّمَرَةَ وَجَزَّ ذَلِكَ الصُّوفَ فَهُمَا كَالْغَلَّةِ ; لِأَنَّ أَصْلَهُمَا غَلَّةٌ . وَفِي النُّكَتِ : يَسْتَوِي بَيْعُ الْوَلَدِ وَمَوْتُهُ بِخِلَافِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ بَيْعٌ . قَالَ التُّونُسِيُّ : لَمْ يَذْكُرْ إِذَا أَخَذَ الصُّوفَ هَلْ يَغْرَمُ الْجَزَّازُ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا أَخَذَ الثَّمَرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ دَفَعَ السَّقْيَ وَالْعِلَاجَ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ . وَإِذَا بِيعَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ أَصْلٍ بَعْدَ زَهْوِهَا ، ثُمَّ فُلِّسَ بَعْدَ يُبْسِهَا ، فَقِيلَ : يَأْخُذُهَا لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ .
قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : سَوَاءٌ مَاتَتِ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ أَوْ مَاتَ الْوَلَدُ 185 وَبَقِيَتِ الْأُمُّ ، لَا يَأْخُذُ الْبَاقِيَ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ وَيُحَاصُّ . وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي وَلَدَ الْأَمَةِ أَوِ الْفَرَسَ أَوْ غَيْرَهُمَا ، يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يُحَاصُّ ; لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْمَبِيعَةُ ، وَالْوَلَدَ كَالْغَلَّةِ ، وَإِنْ بَاعَ الْأُمَّ قُسِّمَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا وَأَخَذَ الْوَلَدَ بِحِصَّتِهِ وَيُحَاصُّ بِحِصَّةِ الْأُمِّ ؛ قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : يُقَوَّمُ الْوَلَدُ الْيَوْمَ أَنْ لَوْ كَانَ يَوْمَ الْعَقْدِ فَتُصْرَفُ حِصَّتُهُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ قُتِلَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَ لَهُ عَقَلٌ فَهُوَ كَالْمَوْتِ ، وَلَوْ بَاعَهَا بِوَلَدِهَا كَانَا كَسِلْعَتَيْنِ بِيعَتَا فِي صَفْقَةٍ لِي مَا وَجَدَ مِنْهُمَا ، قَالَهُ مَالِكٌ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِ الْفَلَسِ ، وَلَوْ بَاعَ الْوَلَدَ الْمُتَوَلِّدَ عِنْدَهُ وَرَدَّ الْأُمَّ بِعَيْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا أَثْمَانَهُمَا ، وَلَوْ بَاعَ الْأَمَةَ ، وَبَقِيَ الْوَلَدُ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ أَوْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ .
وَقَالَ يَحْيَى فِي التَّفْلِيسِ : إِنْ جَذَّ الْمُشْتَرِي تَمْرًا رَدَّ مَكِيلَتَهُ ، أَوْ رُطَبًا رَدَّ قِيمَتَهُ ؛ يُرِيدُ إِذَا فَاتَ ، وَلَهُ أُجْرَةُ سَقْيِهِ وَعِلَاجِهِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا نَفَقَةَ لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى مَالِهِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْهُ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَإِنَّمَا يَصِحُّ قَوْلُ يَحْيَى : هَذَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَأَمَّا فِي التَّفْلِيسِ فَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ مِثْلُهَا وَلَا قِيمَتُهَا ; لِأَنَّ عَيْنَ شَيْئِهِ قَدْ ذَهَبَ فَيَتَعَيَّنُ الثَّمَنُ وَيُحَاصُّ بِمَا يَنُوبُ الثَّمَرَةُ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوِ اشْتَرَى غَنَمًا عَلَيْهَا صُوفٌ ثَائِرَةٌ فَجَزَّهُ وَبَاعَهُ ، فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الْغَنَمَ ، وَيُقَوَّمُ الصُّوفُ بِقَدْرِهِ مِنَ الرِّقَابِ يَوْمَ الْبَيْعِ لَا بِمَا بِيعَ فَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِذَلِكَ . وَلَوْ بَاعَ شَجَرًا بِلَا ثَمَرٍ أَوْ فِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يُوَبَّرْ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، أَوْ أُبِّرَ فَلِلْمُبْتَاعِ ، وَإِذَا جَذَّ الثَّمَرَةَ افْتَرَقَ الْمَابُورُ عَنْ غَيْرِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، الْمَابُورُ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ ، وَغَيْرُهُ كَالْغَلَّةِ لَا تُرَدُّ . وَإِنِ ابْتَاعَ دَارًا فَدَخَلَتْ غَلَّتُهَا لَمْ تَكُنْ غَلَّتُهَا لَهُ . وَفِي الْعُتْبِيَّةِ : مَا اكْتَسَبَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَلَمْ يَنْتَزِعْهُ حَتَّى فُلِّسَ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ . وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا ابْتَاعَ عَبْدًا بِمَالِهِ إِلَى أَجَلٍ فَذَهَبَ مَالُهُ بِانْتِزَاعٍ مِنَ السَّيِّدِ أَوِ اسْتِهْلَاكٍ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَخَذَ الْعَبْدَ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ يَتْرُكُهُ وَيُحَاصُّ . وَإِنْ هَلَكَ الْعَبْدُ وَبَقِيَ الْمَالُ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ ، وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ لِضِعْفِ مَالِ الْعَبْدِ .
186 وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَهَبَ مَالُ الْعَبْدِ فِي الثَّلَاثِ لَا يُرَدُّ بِذَلِكَ ، وَيُرَدُّ بِالْعَيْبِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ انْتَزَعَهُ مِنْهُ .
وَعَنْ مَالِكٍ : إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ [ بِرُطَبٍ ] فَيَبِسَ فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، لَا يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ ; لِأَنَّهُ أَعْطَى رُطَبًا وَأَخَذَ تَمْرًا ، يُحَرَّمُ يَدًا بِيَدٍ ، فَكَيْفَ إِلَى أَجَلٍ ؟ ! وَقَالَ أَشْهَبُ : لَهُ أُخْذُهُ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ عَلَى الْقَاعِدَةِ ; لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ أَدَّتْ إِلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَهُوَ عَيْنُ شَيْئِهِ ، كَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْآبِقِ ، وَيَأْخُذُ الْعَبْدَ إِذَا أَبَقَ . قَالَ : وَكَذَلِكَ الْقَمْحُ يُطْحَنُ ، وَالشَّاةُ تُذْبَحُ ، وَالزُّبْدُ يُعْمَلُ سَمْنًا وَنَحْوُهُ يُمْنَعُ أَخْذُهُ كَالرُّطَبِ بِتَمْرٍ ; لِأَنَّهُ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ ، وَزُبْدٌ بِسَمْنٍ . وَفِي الْجَوَاهِرِ : عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ : إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي مِنْهُمَا بِحِسَابِهِ .
نَظَائِرُ : قَالَ الْعَبْدِيُّ : تُؤْخَذُ الثَّمَرَةُ فِي خَمْسِ مَوَاطِنَ : فِي الْفَلَسِ مَا لَمْ تُزَايِلِ الْأُصُولَ ، وَالشُّفْعَةِ ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَإِنْ يَبِسَتْ فَلَا تُؤْخَذُ فِيهِمَا ، وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مَا لَمْ تُطْلَبْ فَلِلْمُبْتَاعِ .
نَظَائِرُ : الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ : فِي الْفَلَسِ ، وَالشُّفْعَةِ ، وَالِاسْتِحْقَاقِ ، وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
فَرْعٌ
فِي النَّوَادِرِ : إِذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْغُرَمَاءِ : إِمَّا أَنْ تَضْمَنُوا السِّلْعَةَ أَوْ دَعُوا الْبَائِعَ يَأْخُذُهَا - لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ ضَمَانُهُ مِنْهُ ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ : إِذَا قَالَ ذَلِكَ ، ثُمَّ حَبَسُوهَا وَدَفَعُوا الثَّمَنَ ضَمِنُوهَا ، وَيُحَاسِبُهُمْ بِهَا الْمُفَلَّسُ فِيمَا دَفَعُوا عَنْهَا ، وَإِنْ بِيعَتْ فَفَضْلُهَا لَهُ .
فَرْعٌ
قَالَ أَصْبَغُ : إِذَا اشْتَرَى مِنَ الْغَنَمِ رَقِيقًا بِأَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ ، ثُمَّ فُلِّسَ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فَلِلْغَانِمِينَ الَّذِينَ بَاعُوهُ مِنَ الرَّقِيقِ مِقْدَارُ مَا يَفْضُلُ عَنْ سَهْمِهِ أَحَقُّ مِنَ الْغُرَمَاءِ إِنْ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُمْ مِقْدَارَ مَا صَارَ لَهُمْ . أَمَّا لَوْ أُحِيلَ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا زَادَ 187 عِنْدَهُ ، فَالْمُحَالُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِذَا اشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ مِمَّا صَارَ لَهُمْ خَاصَّةً بِالْقَسْمِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَلَفًا بِعَيْنِهَا ، إِنَّمَا هِيَ غَنَائِمُ يَبِيعُهَا السُّلْطَانُ .
فَرْعٌ
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا عَلَى الْكَيْلِ أَمْ لَا ، ثُمَّ فُلِّسَ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : الْأَجِيرُ عَلَى سَقْيِ زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ إِنْ سَقَاهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ، وَفِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . وَالْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ ، أَوْ حِلَابِهَا ، أَوْ عَلْفِ الدَّوَابِّ ، هُوَ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ أَثَرًا ظَاهِرًا بِخِلَافِ الثَّانِي ، وَرَبَّ الْحَانُوتِ وَالدَّارِ كَغُرَمَاءِ مُكْتَرِيهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ; لِأَنَّ أُجْرَتَهُ فِي الذِّمَّةِ ، وَجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ; لِأَنَّ أَعْيَانَ صَنَائِعِهِمْ فِي الْمَتَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْمُكْتَرِي عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ إِلَى بَلَدٍ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ لِلْمُكْتَرِي ، أَوْ مَعَهَا وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ أَوْ لَا . وَكَذَلِكَ الْمُكْتَرِي عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ وَهُوَ رَهْنٌ كَالرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ عَلَى دَوَابِّهِ لِلْبَلَدِ .
وَفِي التَّنْبِيهَاتِ : قَوْلُهُ : الصُّنَّاعُ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ : مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَوْ دَفَعُوهُ لِأَرْبَابِهِ لَمْ يَكُونُوا أَحَقَّ ، هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ ، وَعَنْهُ أَنَّهُمْ أَحَقُّ وَإِنْ أَسْلَمُوهُ ; لِأَنَّ فِيهِ أَعْيَانَ أَعْمَالِهِمْ . وَقَوْلُهُ : لِأَنَّهُ وَصَلَ عَلَى دَوَابِّهِ إِلَى الْبَلَدِ . يَقْتَضِي أَنَّ السَّفِينِيَّ كَذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهُوَ أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ، وَالنَّخْلُ مِمَّا يَبْقَى لِلْمَسَاقِي فَهُوَ أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ .
قَالَ التُّونُسِيُّ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ : مَا وَضَعَهُ الصَّانِعُ مِنَ الرِّقَاعِ فِي الثَّوْبِ أَوْ خِيَاطَةِ فَتْقٍ إِنْ كَانَتِ الرِّقَاعُ الْجُلُّ فَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّوْبِ يُقَوَّمُ مَرْقُوعًا وَغَيْرَ مَرْقُوعٍ وَيَكُونُ شَرِيكًا . وَكَذَلِكَ إِنْ تَنَصَّفَتِ الْخِيَاطَةُ وَالرِّقَاعُ وَإِلَّا فَهُوَ أُسْوَةٌ ; لِأَنَّ الْأَقَلَّ تَبَعٌ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : هُوَ أَحَقُّ بِمَا زَادَ مُطْلَقًا ، وَيَضْرِبُ بِبَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ . وَكُلُّ صِنَاعَةٍ لَيْسَ عَلَيْهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالْخِيَاطَةِ بِغَيْرِ رِقَاعٍ وَالْقِصَارَةِ ، فَهُوَ كَالْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَالْأَجِيرُ يَدْرُسُ الزَّرْعَ بِبَقَرَةٍ أَحَقُّ بِالْأَنْدَرِ ; لِأَنَّ الْأَنْدَرَ لَا 188 يَنْقَلِبُ بِهِ صَاحِبُهُ ، وَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَنِ اسْتَعْمَلْتَهُ فِي حَانُوتِكَ وَيَنْصَرِفُ بِاللَّيْلِ ، لَيْسَ أَحَقَّ فِي الْمَوْتِ وَلَا فَلَسٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي مُكْرِي الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ : فَفِي الْمُدَوَّنَةِ : أَحَقُّ فِي الْفَلَسِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ الْأَرْضَ هِيَ الْمُنَمِّيَةُ لِلزَّرْعِ ; فَأَشْبَهَ بَائِعَ الزَّرْعِ ، وَقِيلَ : أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ كَبَائِعِ سِلْعَةٍ لَمْ يُسَلِّمْهَا ، فَكَأَنَّ يَدَهُ مَا زَالَتْ عَنِ الْمَبِيعِ ، وَكَذَلِكَ أَجِيرُ الزَّرْعِ اخْتُلِفَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْمُدْرَكِ الْمُتَقَدِّمِ ; لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى مَا أَخْرَجَ لَمْ يُسَلِّمْهُ ، أَوْ يُقَالُ : سَلَّمَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ ، فَرَبُّ الْأَرْضِ أَوْلَى فِيهِمَا ، وَالْأَجِيرُ فِي الْفَلَسِ خَاصَّةً لِقُوَّةِ اسْتِيلَاءِ الْأَرْضِ ، وَهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الْفَلَسِ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكْتِرِي قُدِّمَ عَلَيْهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا أُسْوَةٌ فِي الْمَوْتِ .
وَانْظُرْ لَوِ اكْتَرَى الْأَرْضَ فَزَرَعَهَا بِنَفْسِهِ ، وَسَقَى ثُمَّ فُلِّسَ ، بِمَاذَا يَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ أَوْلَى بِجَمِيعِ الزَّرْعِ مَعَ الْمُكْتَرِي نَمَّاهُ أَمْ لَا ؟ ! وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ أَجِيرًا لَشَارَكَ رَبَّ الْأَرْضِ ; لِأَنَّ بِالْقَدْرِ الَّذِي لَوْ كَانَ مَعَهُ أَجِيرًا كَانَ لَهُ قَدْرُ تَنْمِيَةِ أَرْضِهِ ، وَيَأْخُذُ غُرَمَاءُ الْمُكْتَرِي مَا نَمَّاهُ . وَظُهُورُ الْإِبِلِ حَائِزَةٌ لِمَا عَلَيْهَا فِي فَلَسِ أَصْحَابِ الْمَتَاعِ ، كَانَ أَصْحَابُهَا مَعَهَا أَوْ لَا ، بِخِلَافِ الدُّورِ إِلَّا عِنْدَ عَبْدِ الْمَالِكِ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ سَيْرُهَا بِالْمَتَاعِ إِلَى الْبِلَادِ تَنْمِيَةٌ .
قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا اسْتَأْجَرَ لِزَرْعِهِ لِلسَّقْيِ فَعَجَزَ فَأَجَّرَ آخَرَ ، فَرَبُّ الزَّرْعِ وَالْأَجِيرُ الثَّانِي أَوْلَى بِالزَّرْعِ يَتَحَاصَّانِ ، وَمَا فَضَلَ فَلِلْأَجِيرِ الْأَوَّلِ دُونَ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ بِالثَّانِي تَمَّ الزَّرْعُ ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ فَأَحْيَاهُ الرَّاهِنُ بِمَالِهِ ، ثُمَّ عَجَزَ ، ثُمَّ اسْتَدَانَ ، ثُمَّ فُلِّسَ ، يَبْدَأُ الْأَخِيرُ فَالْأَخِيرُ . وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا حَصَدَ الْوَارِثُ ، وَدَرَسَ وَزَرَعَ فَعَجَزَ فَقَامَ الْغُرَمَاءُ فَلَهُ أُجْرَتُهُ .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : إِنِ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا فَلَهُ قَبْضُهَا بَعْدَ الْفَلَسِ كَعَبْدٍ اشْتَرَاهُ ، وَفِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَوْلَى ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ الظَّهْرِ ، وَيَضْمَنُونَ كِرَاءَهُ فِي ثِقَةٍ فَذَلِكَ لَهُمْ . وَعَنْهُ كَذَلِكَ إِذَا تَكَارَوُا الْجِمَالَ وَهُوَ يُدِيرُهَا تَحْتَهُمْ أَمْ لَا ، هُمْ أَحَقُّ لِأَنَّهُ كَالتَّعْيِينِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجِيرِ عُلُوفَةِ الدَّوَابِّ : أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي عَيْنِ الدَّوَابِّ حَقٌّ ، بَلْ فِي الذِّمَّةِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَجِيرِ الْعُلُوفَةِ وَأَجِيرِ السَّقْيِ : أَنَّ الدَّوَابَّ قَدْ تَرْعَى وَتَرْتَحِلُ بِأَنْفُسِهَا وَالْأُصُولُ لَا تَشْرَبُ بِنَفْسِهَا .
189 وَكُلُّ صَانِعٍ يُخْرِجُ عَيْنَ الْعَمَلِ كَالصَّبَّاغِ يُخْرِجُ الصَّبْغَ ، وَالصَّقِيلِ يُخْرِجُ حَوَائِجَ السَّيْفِ ، وَالْفَرَّاءُ يُرَقِّعُ الْفَرْوَ بِرِقَاعِهِ ، ثُمَّ يَقْبِضُ ذَلِكَ رَبُّهُ ، ثُمَّ يُفْلِسُ ، فَيَنْظُرُ إِلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ يَوْمَ الْحُكْمِ هَلْ نَقَصَ ذَلِكَ الثَّوْبُ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَيُشَارِكُ بِذَلِكَ الصَّانِعُ الْغُرَمَاءَ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ ، إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْغُرَمَاءُ مَا شَرَطَ لَهُ الْمُفَلَّسُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ عَمَلِهِ وَسَلَّمَهُ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، وَإِذَا سَلَّمَ الصَّانِعُ أَحَدَ السُّوَارَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا حَبْسُ الْبَاقِي عَلَى أُجْرَةِ الْبَاقِي ، وَأُجْرَةُ الْآخَرِ بَقِيَتْ فِي الذِّمَّةِ .
قَالَ اللَّخْمِيُّ : فَإِنْ فُلِّسَ الصَّانِعُ وَالصَّبَّاغُ ، أَوِ الْحَائِكُ ، أَوِ الْخَيَّاطُ ، فَلِمُسْتَأْجِرِهِ الْمُحَاصَّةُ بِقِيمَةِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ ، فَمَا صَارَ لَهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ بِهِ ، وَيَتِمَّ مِنْ عِنْدِهِ وَيَتْبَعَ الصَّانِعَ بِالْبَاقِي ، أَوْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنَ الْأُجْرَةِ الَّتِي أَسْلَمَهَا وَيَتْبَعَ بِالْبَاقِي ، وَتَنْفَسِخَ بِالْبَاقِي الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ تَبْعِيضَ الْخِيَاطَةِ وَالصَّبْغِ عَيْبٌ ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ فَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ أَحَقُّ بِمَالِهِ ، وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِصَنْعَتِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ يَعْمَلُ لِمُسْتَأْجِرِيهِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عَادَةٌ بِتَأْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِدُخُولِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ لِجَهْلِ حَالِهِمْ فَيَقْتَرِعُونَ . فَإِنْ فُلِّسَ الْمُسْتَأْجِرُ فَالْأَجِيرُ أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ; لِأَنَّهَا الْعَادَةُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ فَيُخْتَلَفُ : هَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِصَنْعَتِهِ لِأَنَّهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا ، أَوْ كَالْغُرَمَاءِ أَنَّهُ سَلَّمَهَا فِي الثَّوْبِ وَفَاتَتْ فِيهِ ؟ وَيُخْتَلَفُ إِذَا مَاتَ وَلَا عَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِذَا كَانَ الْفَلَسُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ خُيِّرَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْعَمَلِ ، وَيَكُونُ كَالْغُرَمَاءِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَمَلُ لِيَكُونَ شَرِيكًا بِعَمَلِهِ ، فَإِنْ عَمِلَ وَسَلَّمَ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نَحْوِ الْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ وَالصَّبْغِ : هُوَ كَالْغُرَمَاءِ لِتَسْلِيمِهِ ، وَعَنْهُ : هُوَ أَحَقُّ بِصَنْعَتِهِ شَرِيكٌ بِهَا لِوُجُودِهِ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ قَائِمَةً . وَهَلْ يُشَارِكُ بِقِيمَةِ الصَّنْعَةِ ، وَبِمَا زَادَتْ فَإِنْ لَمْ تُرَ فَهُوَ كَالْغُرَمَاءِ قَوْلَانِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَلَوْ وَجَدَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ فِي يَدِ الصَّانِعِ فَلَهُ دَفْعُ الْأُجْرَةِ وَأَخْذُ الثَّوْبِ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَيُحَاصُّ بِالْأُجْرَةِ وَيَكُونُ شَرِيكًا بِالصَّنْعَةِ ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَالِكِ : الْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ يَخْلُفُ الْأَجِيرَ بِهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ ، وَكَذَلِكَ الْمُجَاعِلُ فِي الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ ، أَوْ مَنْ تَوَكَّلَ لِيَأْتِيَ بِمَالٍ مِنَ الْعِرَاقِ ، وَإِذَا فُلِّسَ الْمُكْتَرِي وَالْكِرَاءُ عَلَى رُكُوبِهِ فَالْمُكْرِي أَحَقُّ بِإِبِلِهِ فِي 190 الْفَلَسِ ، كَانَ الْكِرَاءُ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ . وَيَخْتَلِفُ إِذَا كَانَ الْكِرَاءُ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ ، وَقَدْ أَبْرَزَهُ لَهُ وَلَمْ يَحْمِلْهُ ، فَفِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ : الْمُكْرِي أَحَقُّ بِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِي الْإِبِلِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ هُوَ كَالْغُرَمَاءِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالْمَتَاعِ ; لِأَنَّ الْمَتَاعَ لَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ . فَإِنْ فُلِّسَ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَتَاعِ ، وَكَانَ صَاحِبُ الْإِبِلِ يَخْلُو بِالْمَتَاعِ وَيَحُوزُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَحُوزُهُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ : هُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْإِبِلِ أَسْلَمَ إِبِلَهُ إِلَى الْمُكْتَرِي ; لِأَنَّهُ بَلَغَ عَلَى إِبِلِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَالِكِ : كَالْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُزْهُ وَلَمْ يَخْلُ بِهِ ، وَهُوَ أَبْيَنُ . وَقَدْ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى زِيَادَةِ السَّوْقِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي بَلَغَتْ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الْكِرَاءِ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ إِلَّا بِتَلَفِ الزِّيَادَةِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ . وَقَالَ ( ش ) : الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِالدَّابَّةِ فِي الْفَلَسِ كَمَا قُلْنَاهُ .
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا دَفَعَ غُلَامَهُ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَفُلِّسَ السَّيِّدُ فَالْمُعَلِّمُ أَحَقُّ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ مَا شَرَطَهُ لَهُ السَّيِّدُ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ قَبْلَ الْفَلَسِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ شَيْئًا يُبَدَّأُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَنْقَلِبُ بِاللَّيْلِ إِلَى سَيِّدِهِ . وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى بِنَاءِ عَرْصَتِكَ مِنْ عِنْدِهِ مُقَاطَعَةً ; لِأَنَّ مَا وَضَعَهُ فِي الْعَرْصَةِ كَسِلْعَةٍ بِعَيْنِهِ . وَقَالَ سُحْنُونُ : أُجْرَةُ الْأَجِيرِ تُقَدَّمُ فِي الْفَلَسِ عَلَى الدُّيُونِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ( أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ) . وَإِذَا اكْتَرَى دَارًا بِدِينَارَيْنِ فَنَقَدَ دِينَارًا ، ثُمَّ فُلِّسَ السَّاكِنُ بَعْدَ سُكْنَى نِصْفِ سَنَةٍ ، إِنْ شَاءَ رَبُّ الدَّارِ تَرَكَهَا وَحَاصَّ بِدِينَارِهِ الْبَاقِيَ ، أَوْ يَأْخُذُ دَارَهُ وَيَرُدُّ نِصْفَ مَا انْتَقَدَ حِصَّةَ النِّصْفِ الْبَاقِي عَنِ السَّنَةِ وَيَأْخُذُ بَاقِيَ السُّكْنَى وَيُحَاصُّ بِنِصْفِ دِينَارٍ بِقِيمَةِ حِصَّةِ مَا مَضَى ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ نِصْفَ دِينَارٍ حِصَّةَ بَاقِي السُّكْنَى وَيُحَاصُّ بِنِصْفِ دِينَارٍ بَاقِيَ كِرَاءٍ مَا مَضَى .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الصُّنَّاعِ بَعْدَ فَلَسِهِمْ هَذِهِ السِّلْعَةَ لِفُلَانٍ 191 أَوْ هَذَا الْغَزْلَ ، أَوْ هَذِهِ السَّبِيكَةَ لِإِخْلَالِهِ بِحَجْرِ الْفَلَسِ . وَعَنْهُ يُقْبَلُ لِأَنَّهَا أَمَانَاتٌ فَلَا تُهْمَةَ كَمَالِ أَنْفُسِهِمْ . وَإِذَا اسْتَدَانَ فَزَرَعَ ، ثُمَّ اسْتَدَانَ وَقَدِمَ الْآخَرُ ، فَالْآخَرُ قِدَمَ الْآخَرُ عَلَى الْجَمِيعِ كَانَ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا ; لِأَنَّ بِهِ حَصَلَتْ مَصْلَحَةُ الْمَالِ ، وَيُقَدَّمُ الْأَجِيرُ الْأَخِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ بِعَمَلِهِ وُجِدَ الزَّرْعُ ، فَهُوَ كَوَاجِدِ عَيْنِ مَالِهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، فَلَوْ تَكَارَاهَا فَزَرَعَ وَاسْتَأْجَرَ ، ثُمَّ رَهَنَ الزَّرْعَ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ بُدِئَ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْأَجِيرِ يَتَحَاصَّانِ لِوِجْدَانِهِمَا عَيْنَ مَالِهِمَا ، وَالْفَضْلَةُ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِدِ الزَّرْعَ بِأَرْضِهِ وَلَا بِعَمَلِهِ ، ثُمَّ لِلْغُرَمَاءِ مَا فَضَلَ عَنِ الْمُرْتَهِنِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا فُلِّسَ عَامِلُ الْقِرَاضِ وَفِي يَدِهِ أَمْتِعَةٌ حَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءُ ، إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ هَذَا عَيْنُ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ حَقٌّ مِنَ الْحُقُوقِ فِي يَدِ الْعَامِلِ كَحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ . قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : الْأَجِيرُ أَحَقُّ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا ، وَانْتَقَضَتِ الْإِجَارَةُ كَالسِّلْعَةِ بِيَدِ الْبَائِعِ .
فِي الْكِتَابِ : إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ عِنْدَهُ ، ثُمَّ مَاتَ وَبَقِيَ وَلَدُهَا ، ثُمَّ فُلِّسَ فَلِلْبَائِعِ الْمُحَاصَّةُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ أَخْذُ الْوَلَدِ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ ; لِأَنَّهُ نَشَأَ عَنْ مَالِهِ ، وَلَيْسَ بَعْضُ الْمَبِيعِ حَتَّى يَتَقَسَّطَ الثَّمَنُ بِإِعْسَارِهِ ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ جَمِيعَ الثَّمَنِ فَيَأْخُذُوا الْوَلَدَ لِانْدِفَاعِ الضَّرَرِ . وَلَوْ وَجَدَ الْأَمَةَ أَوِ الْغَنَمَ تَنَاسَلَتْ فَلَهُ أَخْذُ الْأَوْلَادِ كَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالْغَلَّةُ لِلْمُبْتَاعِ كَصُوفٍ جَزَّهُ وَلَبَنٍ حَلَبَهُ وَثَمَرَةٍ جَنَاهَا ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الصُّوفُ يَوْمَ الشِّرَاءِ عَلَى ظُهُورِ الْغَنَمِ قَدْ تَمَّ ، وَفِي النَّخْلِ ثَمَرٌ مُؤَبَّرٌ فَهُوَ كَالْمَبِيعِ لَهُ أَخْذُهُ . وَقَالَ غَيْرُهُ : إِنْ جَذَّ تِلْكَ الثَّمَرَةَ وَجَزَّ ذَلِكَ الصُّوفَ فَهُمَا كَالْغَلَّةِ ; لِأَنَّ أَصْلَهُمَا غَلَّةٌ . وَفِي النُّكَتِ : يَسْتَوِي بَيْعُ الْوَلَدِ وَمَوْتُهُ بِخِلَافِ الْأُمِّ لِأَنَّهُ بَيْعٌ . قَالَ التُّونُسِيُّ : لَمْ يَذْكُرْ إِذَا أَخَذَ الصُّوفَ هَلْ يَغْرَمُ الْجَزَّازُ أَمْ لَا ؟ وَإِذَا أَخَذَ الثَّمَرَ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ دَفَعَ السَّقْيَ وَالْعِلَاجَ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ . وَإِذَا بِيعَتْ وَحْدَهَا بِغَيْرِ أَصْلٍ بَعْدَ زَهْوِهَا ، ثُمَّ فُلِّسَ بَعْدَ يُبْسِهَا ، فَقِيلَ : يَأْخُذُهَا لِأَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ .
قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ فِي الْعُتْبِيَّةِ : سَوَاءٌ مَاتَتِ الْأُمُّ وَبَقِيَ الْوَلَدُ أَوْ مَاتَ الْوَلَدُ 185 وَبَقِيَتِ الْأُمُّ ، لَا يَأْخُذُ الْبَاقِيَ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَتْرُكُ وَيُحَاصُّ . وَإِنْ بَاعَ الْمُشْتَرِي وَلَدَ الْأَمَةِ أَوِ الْفَرَسَ أَوْ غَيْرَهُمَا ، يَأْخُذُ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يُحَاصُّ ; لِأَنَّ الْأُمَّ هِيَ الْمَبِيعَةُ ، وَالْوَلَدَ كَالْغَلَّةِ ، وَإِنْ بَاعَ الْأُمَّ قُسِّمَ الثَّمَنُ عَلَيْهِمَا وَأَخَذَ الْوَلَدَ بِحِصَّتِهِ وَيُحَاصُّ بِحِصَّةِ الْأُمِّ ؛ قَالَهُ كُلَّهُ ابْنُ الْقَاسِمِ . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ : يُقَوَّمُ الْوَلَدُ الْيَوْمَ أَنْ لَوْ كَانَ يَوْمَ الْعَقْدِ فَتُصْرَفُ حِصَّتُهُ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَوْ قُتِلَ أَحَدُهُمَا فَأَخَذَ لَهُ عَقَلٌ فَهُوَ كَالْمَوْتِ ، وَلَوْ بَاعَهَا بِوَلَدِهَا كَانَا كَسِلْعَتَيْنِ بِيعَتَا فِي صَفْقَةٍ لِي مَا وَجَدَ مِنْهُمَا ، قَالَهُ مَالِكٌ . قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالرَّدُّ بِالْعَيْبِ بِخِلَافِ الْفَلَسِ ، وَلَوْ بَاعَ الْوَلَدَ الْمُتَوَلِّدَ عِنْدَهُ وَرَدَّ الْأُمَّ بِعَيْبٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَرُدَّ مَعَهَا أَثْمَانَهُمَا ، وَلَوْ بَاعَ الْأَمَةَ ، وَبَقِيَ الْوَلَدُ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ كَانَ بِهَا لَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ أَوْ يَرْجِعَ إِلَيْهِ .
وَقَالَ يَحْيَى فِي التَّفْلِيسِ : إِنْ جَذَّ الْمُشْتَرِي تَمْرًا رَدَّ مَكِيلَتَهُ ، أَوْ رُطَبًا رَدَّ قِيمَتَهُ ؛ يُرِيدُ إِذَا فَاتَ ، وَلَهُ أُجْرَةُ سَقْيِهِ وَعِلَاجِهِ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا نَفَقَةَ لَهُ لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَنْفَقَ عَلَى مَالِهِ وَمَا أَصَابَهُ مِنْهُ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَإِنَّمَا يَصِحُّ قَوْلُ يَحْيَى : هَذَا فِي الرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَأَمَّا فِي التَّفْلِيسِ فَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ مِثْلُهَا وَلَا قِيمَتُهَا ; لِأَنَّ عَيْنَ شَيْئِهِ قَدْ ذَهَبَ فَيَتَعَيَّنُ الثَّمَنُ وَيُحَاصُّ بِمَا يَنُوبُ الثَّمَرَةُ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَوِ اشْتَرَى غَنَمًا عَلَيْهَا صُوفٌ ثَائِرَةٌ فَجَزَّهُ وَبَاعَهُ ، فَيَأْخُذُ الْبَائِعُ الْغَنَمَ ، وَيُقَوَّمُ الصُّوفُ بِقَدْرِهِ مِنَ الرِّقَابِ يَوْمَ الْبَيْعِ لَا بِمَا بِيعَ فَيُحَاصُّ الْغُرَمَاءَ بِذَلِكَ . وَلَوْ بَاعَ شَجَرًا بِلَا ثَمَرٍ أَوْ فِيهَا ثَمَرٌ لَمْ يُوَبَّرْ فَهُوَ لِلْبَائِعِ ، أَوْ أُبِّرَ فَلِلْمُبْتَاعِ ، وَإِذَا جَذَّ الثَّمَرَةَ افْتَرَقَ الْمَابُورُ عَنْ غَيْرِهِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، الْمَابُورُ لِلْبَائِعِ أَخْذُهُ ، وَغَيْرُهُ كَالْغَلَّةِ لَا تُرَدُّ . وَإِنِ ابْتَاعَ دَارًا فَدَخَلَتْ غَلَّتُهَا لَمْ تَكُنْ غَلَّتُهَا لَهُ . وَفِي الْعُتْبِيَّةِ : مَا اكْتَسَبَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُبْتَاعِ فَلَمْ يَنْتَزِعْهُ حَتَّى فُلِّسَ فَلِلْبَائِعِ أَخْذُهُ . وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا ابْتَاعَ عَبْدًا بِمَالِهِ إِلَى أَجَلٍ فَذَهَبَ مَالُهُ بِانْتِزَاعٍ مِنَ السَّيِّدِ أَوِ اسْتِهْلَاكٍ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ غَيْرِهِ ، فَإِنْ أَخَذَ الْعَبْدَ فَلَا شَيْءَ لَهُ غَيْرُهُ ، أَوْ يَتْرُكُهُ وَيُحَاصُّ . وَإِنْ هَلَكَ الْعَبْدُ وَبَقِيَ الْمَالُ فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُ الْمَالِ ، وَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ لِضِعْفِ مَالِ الْعَبْدِ .
186 وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنْ ذَهَبَ مَالُ الْعَبْدِ فِي الثَّلَاثِ لَا يُرَدُّ بِذَلِكَ ، وَيُرَدُّ بِالْعَيْبِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنَ الْمَالِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ انْتَزَعَهُ مِنْهُ .
وَعَنْ مَالِكٍ : إِذَا بَاعَ ثَمَرَ حَائِطٍ [ بِرُطَبٍ ] فَيَبِسَ فِي النَّخْلِ عِنْدَ الْمُشْتَرِي ، لَا يَأْخُذُهُ الْبَائِعُ ; لِأَنَّهُ أَعْطَى رُطَبًا وَأَخَذَ تَمْرًا ، يُحَرَّمُ يَدًا بِيَدٍ ، فَكَيْفَ إِلَى أَجَلٍ ؟ ! وَقَالَ أَشْهَبُ : لَهُ أُخْذُهُ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ عَلَى الْقَاعِدَةِ ; لِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ أَدَّتْ إِلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَهُوَ عَيْنُ شَيْئِهِ ، كَمَا يَمْتَنِعُ بَيْعُ الْآبِقِ ، وَيَأْخُذُ الْعَبْدَ إِذَا أَبَقَ . قَالَ : وَكَذَلِكَ الْقَمْحُ يُطْحَنُ ، وَالشَّاةُ تُذْبَحُ ، وَالزُّبْدُ يُعْمَلُ سَمْنًا وَنَحْوُهُ يُمْنَعُ أَخْذُهُ كَالرُّطَبِ بِتَمْرٍ ; لِأَنَّهُ قَمْحٌ بِدَقِيقٍ ، وَزُبْدٌ بِسَمْنٍ . وَفِي الْجَوَاهِرِ : عَنِ الشَّيْخِ أَبِي الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ : إِذَا وَلَدَتِ الْأَمَةُ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي مِنْهُمَا بِحِسَابِهِ .
نَظَائِرُ : قَالَ الْعَبْدِيُّ : تُؤْخَذُ الثَّمَرَةُ فِي خَمْسِ مَوَاطِنَ : فِي الْفَلَسِ مَا لَمْ تُزَايِلِ الْأُصُولَ ، وَالشُّفْعَةِ ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ ، فَإِنْ يَبِسَتْ فَلَا تُؤْخَذُ فِيهِمَا ، وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ مَا لَمْ تُطْلَبْ فَلِلْمُبْتَاعِ .
نَظَائِرُ : الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ : فِي الْفَلَسِ ، وَالشُّفْعَةِ ، وَالِاسْتِحْقَاقِ ، وَالْبَيْعِ الْفَاسِدِ ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ .
فَرْعٌ
فِي النَّوَادِرِ : إِذَا قَالَ الْمُشْتَرِي لِلْغُرَمَاءِ : إِمَّا أَنْ تَضْمَنُوا السِّلْعَةَ أَوْ دَعُوا الْبَائِعَ يَأْخُذُهَا - لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ ضَمَانُهُ مِنْهُ ، وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ : إِذَا قَالَ ذَلِكَ ، ثُمَّ حَبَسُوهَا وَدَفَعُوا الثَّمَنَ ضَمِنُوهَا ، وَيُحَاسِبُهُمْ بِهَا الْمُفَلَّسُ فِيمَا دَفَعُوا عَنْهَا ، وَإِنْ بِيعَتْ فَفَضْلُهَا لَهُ .
فَرْعٌ
قَالَ أَصْبَغُ : إِذَا اشْتَرَى مِنَ الْغَنَمِ رَقِيقًا بِأَكْثَرَ مِنْ دَيْنِهِ ، ثُمَّ فُلِّسَ وَلَيْسَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ الرَّقِيقِ فَلِلْغَانِمِينَ الَّذِينَ بَاعُوهُ مِنَ الرَّقِيقِ مِقْدَارُ مَا يَفْضُلُ عَنْ سَهْمِهِ أَحَقُّ مِنَ الْغُرَمَاءِ إِنْ كَانَ اشْتَرَى مِنْهُمْ مِقْدَارَ مَا صَارَ لَهُمْ . أَمَّا لَوْ أُحِيلَ عَلَيْهِ بِمِقْدَارِ مَا زَادَ 187 عِنْدَهُ ، فَالْمُحَالُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِذَا اشْتَرَى مِنْ قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ مِمَّا صَارَ لَهُمْ خَاصَّةً بِالْقَسْمِ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ سَلَفًا بِعَيْنِهَا ، إِنَّمَا هِيَ غَنَائِمُ يَبِيعُهَا السُّلْطَانُ .
فَرْعٌ
قَالَ : قَالَ مَالِكٌ : إِذَا اشْتَرَى طَعَامًا عَلَى الْكَيْلِ أَمْ لَا ، ثُمَّ فُلِّسَ الْبَائِعُ قَبْلَ قَبْضِهِ ، فَالْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالطَّعَامِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الذِّمَّةِ .
فَرْعٌ
فِي الْكِتَابِ : الْأَجِيرُ عَلَى سَقْيِ زَرْعٍ أَوْ نَخْلٍ أَوْ أَصْلٍ إِنْ سَقَاهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ ، وَفِي الْمَوْتِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ . وَالْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ ، أَوْ حِلَابِهَا ، أَوْ عَلْفِ الدَّوَابِّ ، هُوَ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ لِلْأَوَّلِ أَثَرًا ظَاهِرًا بِخِلَافِ الثَّانِي ، وَرَبَّ الْحَانُوتِ وَالدَّارِ كَغُرَمَاءِ مُكْتَرِيهَا فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ; لِأَنَّ أُجْرَتَهُ فِي الذِّمَّةِ ، وَجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ; لِأَنَّ أَعْيَانَ صَنَائِعِهِمْ فِي الْمَتَاعِ ، وَكَذَلِكَ الْمُكْتَرِي عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ إِلَى بَلَدٍ أَسْلَمَ دَابَّتَهُ لِلْمُكْتَرِي ، أَوْ مَعَهَا وَرَبُّ الْمَتَاعِ مَعَهُ أَوْ لَا . وَكَذَلِكَ الْمُكْتَرِي عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ وَهُوَ رَهْنٌ كَالرَّهْنِ ، وَلِأَنَّهُ وَصَلَ عَلَى دَوَابِّهِ لِلْبَلَدِ .
وَفِي التَّنْبِيهَاتِ : قَوْلُهُ : الصُّنَّاعُ أَحَقُّ بِمَا فِي أَيْدِيهِمْ : مَفْهُومُهُ أَنَّهُمْ لَوْ دَفَعُوهُ لِأَرْبَابِهِ لَمْ يَكُونُوا أَحَقَّ ، هُوَ مَرْوِيٌّ عَنْهُ ، وَعَنْهُ أَنَّهُمْ أَحَقُّ وَإِنْ أَسْلَمُوهُ ; لِأَنَّ فِيهِ أَعْيَانَ أَعْمَالِهِمْ . وَقَوْلُهُ : لِأَنَّهُ وَصَلَ عَلَى دَوَابِّهِ إِلَى الْبَلَدِ . يَقْتَضِي أَنَّ السَّفِينِيَّ كَذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَهُوَ أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ، وَالنَّخْلُ مِمَّا يَبْقَى لِلْمَسَاقِي فَهُوَ أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ .
قَالَ التُّونُسِيُّ فِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ : مَا وَضَعَهُ الصَّانِعُ مِنَ الرِّقَاعِ فِي الثَّوْبِ أَوْ خِيَاطَةِ فَتْقٍ إِنْ كَانَتِ الرِّقَاعُ الْجُلُّ فَهُوَ أَحَقُّ بِالثَّوْبِ يُقَوَّمُ مَرْقُوعًا وَغَيْرَ مَرْقُوعٍ وَيَكُونُ شَرِيكًا . وَكَذَلِكَ إِنْ تَنَصَّفَتِ الْخِيَاطَةُ وَالرِّقَاعُ وَإِلَّا فَهُوَ أُسْوَةٌ ; لِأَنَّ الْأَقَلَّ تَبَعٌ . وَقَالَ مُحَمَّدٌ : هُوَ أَحَقُّ بِمَا زَادَ مُطْلَقًا ، وَيَضْرِبُ بِبَقِيَّةِ الْأُجْرَةِ . وَكُلُّ صِنَاعَةٍ لَيْسَ عَلَيْهَا عَيْنٌ قَائِمَةٌ كَالْخِيَاطَةِ بِغَيْرِ رِقَاعٍ وَالْقِصَارَةِ ، فَهُوَ كَالْغُرَمَاءِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ . قَالَ مُحَمَّدٌ : وَالْأَجِيرُ يَدْرُسُ الزَّرْعَ بِبَقَرَةٍ أَحَقُّ بِالْأَنْدَرِ ; لِأَنَّ الْأَنْدَرَ لَا 188 يَنْقَلِبُ بِهِ صَاحِبُهُ ، وَلَا يَحْتَوِي عَلَيْهِ ، بِخِلَافِ مَنِ اسْتَعْمَلْتَهُ فِي حَانُوتِكَ وَيَنْصَرِفُ بِاللَّيْلِ ، لَيْسَ أَحَقَّ فِي الْمَوْتِ وَلَا فَلَسٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي مُكْرِي الْأَرْضِ لِلزَّرْعِ : فَفِي الْمُدَوَّنَةِ : أَحَقُّ فِي الْفَلَسِ خَاصَّةً ; لِأَنَّ الْأَرْضَ هِيَ الْمُنَمِّيَةُ لِلزَّرْعِ ; فَأَشْبَهَ بَائِعَ الزَّرْعِ ، وَقِيلَ : أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ كَبَائِعِ سِلْعَةٍ لَمْ يُسَلِّمْهَا ، فَكَأَنَّ يَدَهُ مَا زَالَتْ عَنِ الْمَبِيعِ ، وَكَذَلِكَ أَجِيرُ الزَّرْعِ اخْتُلِفَ فِيهِ بِنَاءً عَلَى الْمُدْرَكِ الْمُتَقَدِّمِ ; لِأَنَّ يَدَهُ عَلَى مَا أَخْرَجَ لَمْ يُسَلِّمْهُ ، أَوْ يُقَالُ : سَلَّمَهُ فِي الْأَرْضِ ، وَقِيلَ بِالْفَرْقِ ، فَرَبُّ الْأَرْضِ أَوْلَى فِيهِمَا ، وَالْأَجِيرُ فِي الْفَلَسِ خَاصَّةً لِقُوَّةِ اسْتِيلَاءِ الْأَرْضِ ، وَهُمَا يُقَدَّمَانِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي الْفَلَسِ ، وَإِنْ مَاتَ الْمُكْتِرِي قُدِّمَ عَلَيْهِمَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمَا أُسْوَةٌ فِي الْمَوْتِ .
وَانْظُرْ لَوِ اكْتَرَى الْأَرْضَ فَزَرَعَهَا بِنَفْسِهِ ، وَسَقَى ثُمَّ فُلِّسَ ، بِمَاذَا يَكُونُ رَبُّ الْأَرْضِ أَوْلَى بِجَمِيعِ الزَّرْعِ مَعَ الْمُكْتَرِي نَمَّاهُ أَمْ لَا ؟ ! وَلَوْ كَانَ مَوْضِعُهُ أَجِيرًا لَشَارَكَ رَبَّ الْأَرْضِ ; لِأَنَّ بِالْقَدْرِ الَّذِي لَوْ كَانَ مَعَهُ أَجِيرًا كَانَ لَهُ قَدْرُ تَنْمِيَةِ أَرْضِهِ ، وَيَأْخُذُ غُرَمَاءُ الْمُكْتَرِي مَا نَمَّاهُ . وَظُهُورُ الْإِبِلِ حَائِزَةٌ لِمَا عَلَيْهَا فِي فَلَسِ أَصْحَابِ الْمَتَاعِ ، كَانَ أَصْحَابُهَا مَعَهَا أَوْ لَا ، بِخِلَافِ الدُّورِ إِلَّا عِنْدَ عَبْدِ الْمَالِكِ ; لِأَنَّ الْإِبِلَ سَيْرُهَا بِالْمَتَاعِ إِلَى الْبِلَادِ تَنْمِيَةٌ .
قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا اسْتَأْجَرَ لِزَرْعِهِ لِلسَّقْيِ فَعَجَزَ فَأَجَّرَ آخَرَ ، فَرَبُّ الزَّرْعِ وَالْأَجِيرُ الثَّانِي أَوْلَى بِالزَّرْعِ يَتَحَاصَّانِ ، وَمَا فَضَلَ فَلِلْأَجِيرِ الْأَوَّلِ دُونَ الْغُرَمَاءِ ; لِأَنَّ بِالثَّانِي تَمَّ الزَّرْعُ ، كَمَا لَوْ رَهَنَهُ فَأَحْيَاهُ الرَّاهِنُ بِمَالِهِ ، ثُمَّ عَجَزَ ، ثُمَّ اسْتَدَانَ ، ثُمَّ فُلِّسَ ، يَبْدَأُ الْأَخِيرُ فَالْأَخِيرُ . وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : إِذَا حَصَدَ الْوَارِثُ ، وَدَرَسَ وَزَرَعَ فَعَجَزَ فَقَامَ الْغُرَمَاءُ فَلَهُ أُجْرَتُهُ .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : إِنِ اكْتَرَى دَابَّةً بِعَيْنِهَا فَلَهُ قَبْضُهَا بَعْدَ الْفَلَسِ كَعَبْدٍ اشْتَرَاهُ ، وَفِي الْكِرَاءِ الْمَضْمُونِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ إِلَّا أَنْ يَقْبِضَهَا وَيَحْمِلَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَوْلَى ، إِلَّا أَنْ يُرِيدَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ الظَّهْرِ ، وَيَضْمَنُونَ كِرَاءَهُ فِي ثِقَةٍ فَذَلِكَ لَهُمْ . وَعَنْهُ كَذَلِكَ إِذَا تَكَارَوُا الْجِمَالَ وَهُوَ يُدِيرُهَا تَحْتَهُمْ أَمْ لَا ، هُمْ أَحَقُّ لِأَنَّهُ كَالتَّعْيِينِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَجِيرِ عُلُوفَةِ الدَّوَابِّ : أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِي عَيْنِ الدَّوَابِّ حَقٌّ ، بَلْ فِي الذِّمَّةِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَجِيرِ الْعُلُوفَةِ وَأَجِيرِ السَّقْيِ : أَنَّ الدَّوَابَّ قَدْ تَرْعَى وَتَرْتَحِلُ بِأَنْفُسِهَا وَالْأُصُولُ لَا تَشْرَبُ بِنَفْسِهَا .
189 وَكُلُّ صَانِعٍ يُخْرِجُ عَيْنَ الْعَمَلِ كَالصَّبَّاغِ يُخْرِجُ الصَّبْغَ ، وَالصَّقِيلِ يُخْرِجُ حَوَائِجَ السَّيْفِ ، وَالْفَرَّاءُ يُرَقِّعُ الْفَرْوَ بِرِقَاعِهِ ، ثُمَّ يَقْبِضُ ذَلِكَ رَبُّهُ ، ثُمَّ يُفْلِسُ ، فَيَنْظُرُ إِلَى قِيمَةِ الصَّبْغِ يَوْمَ الْحُكْمِ هَلْ نَقَصَ ذَلِكَ الثَّوْبُ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَيُشَارِكُ بِذَلِكَ الصَّانِعُ الْغُرَمَاءَ أَنَّهَا سِلْعَتُهُ ، إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ لَهُ الْغُرَمَاءُ مَا شَرَطَ لَهُ الْمُفَلَّسُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَيْرُ عَمَلِهِ وَسَلَّمَهُ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، وَإِذَا سَلَّمَ الصَّانِعُ أَحَدَ السُّوَارَيْنِ فَلَيْسَ لَهُ إِلَّا حَبْسُ الْبَاقِي عَلَى أُجْرَةِ الْبَاقِي ، وَأُجْرَةُ الْآخَرِ بَقِيَتْ فِي الذِّمَّةِ .
قَالَ اللَّخْمِيُّ : فَإِنْ فُلِّسَ الصَّانِعُ وَالصَّبَّاغُ ، أَوِ الْحَائِكُ ، أَوِ الْخَيَّاطُ ، فَلِمُسْتَأْجِرِهِ الْمُحَاصَّةُ بِقِيمَةِ تِلْكَ الصَّنْعَةِ ، فَمَا صَارَ لَهُ خُيِّرَ بَيْنَ أَنْ يَعْمَلَ لَهُ بِهِ ، وَيَتِمَّ مِنْ عِنْدِهِ وَيَتْبَعَ الصَّانِعَ بِالْبَاقِي ، أَوْ يَأْخُذَ ذَلِكَ مِنَ الْأُجْرَةِ الَّتِي أَسْلَمَهَا وَيَتْبَعَ بِالْبَاقِي ، وَتَنْفَسِخَ بِالْبَاقِي الْإِجَارَةُ ; لِأَنَّ تَبْعِيضَ الْخِيَاطَةِ وَالصَّبْغِ عَيْبٌ ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ فِي عَيْنِ الْأَجِيرِ فَمَنْ لَهُ عَلَيْهِ مَالٌ أَحَقُّ بِمَالِهِ ، وَالْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِصَنْعَتِهِ ، وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ ، ثُمَّ يَعْمَلُ لِمُسْتَأْجِرِيهِ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ ثَمَّ عَادَةٌ بِتَأْخِيرِ بَعْضِهِمْ لِدُخُولِهِمْ عَلَى ذَلِكَ ، أَوْ لِجَهْلِ حَالِهِمْ فَيَقْتَرِعُونَ . فَإِنْ فُلِّسَ الْمُسْتَأْجِرُ فَالْأَجِيرُ أَحَقُّ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ ; لِأَنَّهَا الْعَادَةُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادَةٌ فَيُخْتَلَفُ : هَلْ يَكُونُ أَحَقَّ بِصَنْعَتِهِ لِأَنَّهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يُسَلِّمْهَا ، أَوْ كَالْغُرَمَاءِ أَنَّهُ سَلَّمَهَا فِي الثَّوْبِ وَفَاتَتْ فِيهِ ؟ وَيُخْتَلَفُ إِذَا مَاتَ وَلَا عَادَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِذَا كَانَ الْفَلَسُ قَبْلَ أَنْ يَعْمَلَ خُيِّرَ بَيْنَ الْفَسْخِ وَالْعَمَلِ ، وَيَكُونُ كَالْغُرَمَاءِ ، وَلَيْسَ لَهُ الْعَمَلُ لِيَكُونَ شَرِيكًا بِعَمَلِهِ ، فَإِنْ عَمِلَ وَسَلَّمَ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي نَحْوِ الْخِيَاطَةِ وَالْقِصَارَةِ وَالصَّبْغِ : هُوَ كَالْغُرَمَاءِ لِتَسْلِيمِهِ ، وَعَنْهُ : هُوَ أَحَقُّ بِصَنْعَتِهِ شَرِيكٌ بِهَا لِوُجُودِهِ فِي عَيْنِ السِّلْعَةِ قَائِمَةً . وَهَلْ يُشَارِكُ بِقِيمَةِ الصَّنْعَةِ ، وَبِمَا زَادَتْ فَإِنْ لَمْ تُرَ فَهُوَ كَالْغُرَمَاءِ قَوْلَانِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .
وَلَوْ وَجَدَ الْبَائِعُ السِّلْعَةَ فِي يَدِ الصَّانِعِ فَلَهُ دَفْعُ الْأُجْرَةِ وَأَخْذُ الثَّوْبِ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَيُحَاصُّ بِالْأُجْرَةِ وَيَكُونُ شَرِيكًا بِالصَّنْعَةِ ، وَعَنْ عَبْدِ الْمَالِكِ : الْأَجِيرُ عَلَى رِعَايَةِ الْإِبِلِ ، وَفِي كُلِّ شَيْءٍ يَخْلُفُ الْأَجِيرَ بِهِ دُونَ صَاحِبِهِ ، وَيَقُومُ مَقَامَهُ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ ، وَكَذَلِكَ الْمُجَاعِلُ فِي الْآبِقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ ، أَوْ مَنْ تَوَكَّلَ لِيَأْتِيَ بِمَالٍ مِنَ الْعِرَاقِ ، وَإِذَا فُلِّسَ الْمُكْتَرِي وَالْكِرَاءُ عَلَى رُكُوبِهِ فَالْمُكْرِي أَحَقُّ بِإِبِلِهِ فِي 190 الْفَلَسِ ، كَانَ الْكِرَاءُ بَعِيرًا بِعَيْنِهِ أَوْ بِغَيْرِ عَيْنِهِ . وَيَخْتَلِفُ إِذَا كَانَ الْكِرَاءُ عَلَى حَمْلِ مَتَاعٍ ، وَقَدْ أَبْرَزَهُ لَهُ وَلَمْ يَحْمِلْهُ ، فَفِي كِتَابِ الرَّوَاحِلِ : الْمُكْرِي أَحَقُّ بِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِ فِي الْإِبِلِ إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ هُوَ كَالْغُرَمَاءِ لَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالْمَتَاعِ ; لِأَنَّ الْمَتَاعَ لَا يَتَعَيَّنُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ . فَإِنْ فُلِّسَ بَعْدَ بُلُوغِ الْمَتَاعِ ، وَكَانَ صَاحِبُ الْإِبِلِ يَخْلُو بِالْمَتَاعِ وَيَحُوزُهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَحُوزُهُ فَعِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ : هُوَ أَحَقُّ بِهِ فِي الْفَلَسِ وَالْمَوْتِ إِنْ كَانَ صَاحِبُ الْإِبِلِ أَسْلَمَ إِبِلَهُ إِلَى الْمُكْتَرِي ; لِأَنَّهُ بَلَغَ عَلَى إِبِلِهِ ، وَعَلَى قَوْلِ عَبْدِ الْمَالِكِ : كَالْغُرَمَاءِ لِأَنَّهُ لَمْ يَحُزْهُ وَلَمْ يَخْلُ بِهِ ، وَهُوَ أَبْيَنُ . وَقَدْ يُحْمَلُ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَلَى زِيَادَةِ السَّوْقِ فِي الْبَلَدِ الَّذِي بَلَغَتْ إِلَيْهِ أَكْثَرُ مِنَ الْكِرَاءِ ، فَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ أَحَقَّ إِلَّا بِتَلَفِ الزِّيَادَةِ فِي الْفَلَسِ دُونَ الْمَوْتِ . وَقَالَ ( ش ) : الْمُسْتَأْجِرُ أَحَقُّ بِالدَّابَّةِ فِي الْفَلَسِ كَمَا قُلْنَاهُ .
وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إِذَا دَفَعَ غُلَامَهُ لِمَنْ يُعَلِّمُهُ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ فَفُلِّسَ السَّيِّدُ فَالْمُعَلِّمُ أَحَقُّ إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ مَا شَرَطَهُ لَهُ السَّيِّدُ لِتَقَدُّمِ حَقِّهِ قَبْلَ الْفَلَسِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يُعَلِّمْهُ شَيْئًا يُبَدَّأُ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَنْقَلِبُ بِاللَّيْلِ إِلَى سَيِّدِهِ . وَكَذَلِكَ الْمُسْتَأْجِرُ عَلَى بِنَاءِ عَرْصَتِكَ مِنْ عِنْدِهِ مُقَاطَعَةً ; لِأَنَّ مَا وَضَعَهُ فِي الْعَرْصَةِ كَسِلْعَةٍ بِعَيْنِهِ . وَقَالَ سُحْنُونُ : أُجْرَةُ الْأَجِيرِ تُقَدَّمُ فِي الْفَلَسِ عَلَى الدُّيُونِ ; لِقَوْلِهِ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - : ( أَعْطُوا الْأَجِيرَ حَقَّهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ ) . وَإِذَا اكْتَرَى دَارًا بِدِينَارَيْنِ فَنَقَدَ دِينَارًا ، ثُمَّ فُلِّسَ السَّاكِنُ بَعْدَ سُكْنَى نِصْفِ سَنَةٍ ، إِنْ شَاءَ رَبُّ الدَّارِ تَرَكَهَا وَحَاصَّ بِدِينَارِهِ الْبَاقِيَ ، أَوْ يَأْخُذُ دَارَهُ وَيَرُدُّ نِصْفَ مَا انْتَقَدَ حِصَّةَ النِّصْفِ الْبَاقِي عَنِ السَّنَةِ وَيَأْخُذُ بَاقِيَ السُّكْنَى وَيُحَاصُّ بِنِصْفِ دِينَارٍ بِقِيمَةِ حِصَّةِ مَا مَضَى ، إِلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الْغُرَمَاءُ نِصْفَ دِينَارٍ حِصَّةَ بَاقِي السُّكْنَى وَيُحَاصُّ بِنِصْفِ دِينَارٍ بَاقِيَ كِرَاءٍ مَا مَضَى .
قَالَ الْأَبْهَرِيُّ قَالَ مَالِكٌ : لَا يُقْبَلُ إِقْرَارُ الصُّنَّاعِ بَعْدَ فَلَسِهِمْ هَذِهِ السِّلْعَةَ لِفُلَانٍ 191 أَوْ هَذَا الْغَزْلَ ، أَوْ هَذِهِ السَّبِيكَةَ لِإِخْلَالِهِ بِحَجْرِ الْفَلَسِ . وَعَنْهُ يُقْبَلُ لِأَنَّهَا أَمَانَاتٌ فَلَا تُهْمَةَ كَمَالِ أَنْفُسِهِمْ . وَإِذَا اسْتَدَانَ فَزَرَعَ ، ثُمَّ اسْتَدَانَ وَقَدِمَ الْآخَرُ ، فَالْآخَرُ قِدَمَ الْآخَرُ عَلَى الْجَمِيعِ كَانَ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا ; لِأَنَّ بِهِ حَصَلَتْ مَصْلَحَةُ الْمَالِ ، وَيُقَدَّمُ الْأَجِيرُ الْأَخِيرُ عَلَى الْأَوَّلِ ; لِأَنَّ بِعَمَلِهِ وُجِدَ الزَّرْعُ ، فَهُوَ كَوَاجِدِ عَيْنِ مَالِهِ ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ ، فَلَوْ تَكَارَاهَا فَزَرَعَ وَاسْتَأْجَرَ ، ثُمَّ رَهَنَ الزَّرْعَ وَقَبَضَهُ الْمُرْتَهِنُ بُدِئَ بِصَاحِبِ الْأَرْضِ وَالْأَجِيرِ يَتَحَاصَّانِ لِوِجْدَانِهِمَا عَيْنَ مَالِهِمَا ، وَالْفَضْلَةُ لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِدِ الزَّرْعَ بِأَرْضِهِ وَلَا بِعَمَلِهِ ، ثُمَّ لِلْغُرَمَاءِ مَا فَضَلَ عَنِ الْمُرْتَهِنِ .
قَالَ مَالِكٌ : وَإِذَا فُلِّسَ عَامِلُ الْقِرَاضِ وَفِي يَدِهِ أَمْتِعَةٌ حَاصَّ بِهَا الْغُرَمَاءُ ، إِلَّا أَنْ يُثْبِتَ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّ هَذَا عَيْنُ مَالِهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ; لِأَنَّ الْقِرَاضَ حَقٌّ مِنَ الْحُقُوقِ فِي يَدِ الْعَامِلِ كَحُقُوقِ الْغُرَمَاءِ . قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : الْأَجِيرُ أَحَقُّ بِمَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِي الْمَوْتِ وَالْفَلَسِ جَمِيعًا ، وَانْتَقَضَتِ الْإِجَارَةُ كَالسِّلْعَةِ بِيَدِ الْبَائِعِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث