الذخيرة
الذخيرة · الجزء التاسع
( الْفَصْلُ الثَّانِي )
( فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ )
وَفِي الْجَوَاهِرِ : هِيَ مَالٌ مَعْصُومٌ ( . . . ) مِنْ كُلِّ حِمَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ صَغِيرٍ . فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنَ الْحَرْبِيِّ . وَالثَّانِي مِمَّا مَعَهُ مَالِكُهُ ، وَالْحَيَوَانُ الصَّغِيرُ احْتِرَازًا مِنَ الْآبِقِ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لِلْإِمَامِ ، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ ، وَلَا يُسَمَّى لُقَطَةً .
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ ثَمَانِيَةُ فُرُوعٍ .
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ
فِي الْكِتَابِ : مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَفِيهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ ، وَكَذَلِكَ تَصَاوِيرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تُوجَدُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ . وَأَمَّا تُرَابُ سَاحِلِ الْبَحْرِ يُغْسَلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَالزَّكَاةُ كَالْمَعْدِنِ . قَالَ التُّونِسِيُّ : فِي الْكِتَابِ : فِي مَرَاكِبِ الرُّومِ تَكَسَّرَتْ وَأُخِذَ مَا فِيهَا : لَيْسَ لِمَنْ وَجَدَهُ ، وَيَرَى فِيهِ الْإِمَامُ رَأْيَهُ ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِذَا أَخَذُوا ، فَمَا وُجِدَ فَهُوَ لِلْإِمَامِ 92 يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ ، وَلَا شَيْءَ لِوَاجِدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْإِمَامُ فِي الْمَرَاكِبِ : فَأَمْرُ الْعُرُوضِ لِلْإِمَامِ ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لِمَنْ وَجَدَهُ وَعَلَيْهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ ، وَفِي غَيْرِ الْمَوَّازِيَّةِ : مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ لِمُسْلِمٍ عُرِّفَ كَاللُّقَطَةِ ، أَوِ الْمُشْرِكُ فَأَمْرُهُ إِلَى الْإِمَامِ ، وَإِنْ شُكَّ لِمَنْ هُوَ عُرِّفَ ثُمَّ تُصُدِّقَ بِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ ، وَفِي الْكِتَابِ : مَا عَطِبَ ( . . . ) فَلِرَبِّهِ دُونَ وَاجِدِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : بَقَاءُ مِلْكِهِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : ( . . . ) عَنْ مَعْدِنٍ صَحَّ أَنْ يُقَالَ : فِيهِ الزَّكَاةُ وَأَنْ يُقَالَ : هُوَ فَائِدَةٌ . بِخِلَافِ مَا أَخَذَ مِنْ مَعْدِنٍ تَكَلَّفَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي زَيْتُونِ الْجَبَلَ : يَرْفَعُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَهُوَ فَائِدَةٌ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَّرَهُ بِالْحَرْثِ وَمَلَكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمُزَكَّى نَشَأَ عَنِ الْمِلْكِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَاتَتْ رَاحِلَتُكَ فِي الْفَلَاةِ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ وَحَمَلَهَا لِمَنْزِلِهِ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ الْحَمْلِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : بَقَاءُ مِلْكِكَ ، وَإِذَا طَرَحَ قَوْمٌ أَمْتِعَتَهُمْ خَوْفَ الْغَرَقِ فَيَأْخُذُهَا قَوْمٌ مِنَ الْبَحْرِ ، قَالَ مَالِكٌ : هِيَ لِأَصْحَابِهَا ، وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ : إِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَهِيَ لَهُ ، أَوْ قَذَفَهَا الْبَحْرُ فَلِصَاحِبِهَا لِعَدَمِ الْكُلْفَةِ ، وَعَنْهُ هِيَ لِوَاجِدِهَا وَإِنْ قَذَفَهَا الْبَحْرُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ صَاحِبُهَا : كُنْتُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهَا فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُهَا . مَنْشَأُ الْخِلَافِ : هَلْ يُلَاحَظُ أَنَّ الْبَحْرَ كَالْمُكْرِهِ لِعِلَّتِهِ ، فَلَا يُسْقِطُ الْمِلْكَ كَالْغَصْبِ ، أَوِ الْغَارِقُ فِي الْبَحْرِ يُعْرِضُ صَاحِبُهُ عَنْهُ إِيَاسًا مِنْهُ ، فَهُوَ كَالْبُرَّةِ السَّاقِطَةِ لَا يُعَرِّجُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا وَهِيَ مُبَاحَةٌ إِجْمَاعًا . وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ طَرْحِ الْبَحْرِ وَضَالِّ الْفَلَاةِ : أَنَّ الْبُرَّةَ وَنَحْوَهَا لِمَا ظُفِرَ بِهَا فِي يَدِ الْوَاجِدِ لَمْ تَتَوَفَّرِ الرَّغْبَةُ عَلَى أَخْذِهَا ، وَهُوَ دَلِيلُ تَحْقِيقِ إِسْقَاطِ الْمِلْكِ وَلَوْ ظُفِرَ بِهَذِهِ الْهَوَالِكِ فِي الْبَحْرِ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى الْمِيلِ إِلَيْهِ ، وَانْتِزَاعِهِ ، وَالْقُلُوبُ مَعْمُورَةٌ بِهِ قَبْلَ وِجْدَانِهِ ، وَهُوَ دَلِيلُ قُوَّةِ شِبْهِ الْغَصْبِ ، قَالَ : وَرَأَى إِنْ أَرْسَلَ الدَّابَّةَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا وَأَحْيَاهَا وَأَخَذَهَا وَقَامَ عَلَيْهَا فَهِيَ لَهُ ، بِخِلَافِ الشَّاةِ فَوَصَلَهَا حَيَّةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِيَعُودَ لَهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ 93 إِلَيْهَا إِلَّا وَقَدْ هَلَكَتْ فَهِيَ لِصَاحِبِهَا كَالشَّاةِ . قَوْلُهُ : وَتَرْكُهُ صَاحِبُهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ فَهُوَ لِمَنْ نَقَلَهُ ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ ، لِمَا عَلِمَ الْعَدُوُّ أَنَّ تَرْكَهُ لِيَعُودَ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهُ بَدْوًا بِهِ لِيَحْمِلَهُ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْغَرَقُ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّ ( . . . ) كَانَ فِي مَرْسَى وَمَضَى صَاحِبُهُ لِيَعُودَ لِإِخْرَاجِهِ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ تَرَكَهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فَلِآخِذِهِ ، وَهُوَ أَدْخُلُ فِي هَذَا مِمَّا تَرَكَ فِي الْبَرِّ هَلَاكَهُ إِذَا تَرَكَ ، فَهُوَ كَالشَّاةِ فِي الْمَضْيَعَةِ ، وَالْبَحْرُ كَالذِّئْبِ مَعَ مَا يَتَكَلَّفُ مِنْ مَشَقَّةِ الْعَطَشِ عَلَيْهِ ، وَالْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ ، وَإِنْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ فَنَقَلْتَهُ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ ، لِأَنَّهُ إِنْ أَمِنَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ لَوْ بَقِيَ لَمْ يَكُنْ لَكَ التَّعَرُّضُ لَهُ ، أَوْ يُخْشَى فَسَادُهُ كَالْمَتَاعِ فَعَلَيْكَ نَشْرُهُ وَإِيدَاعُهُ ، وَلَوْ مَرَرْتَ فِي سَفِينَةٍ بِمَتَاعٍ لِقَوْمٍ غَرِقُوا وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ كَانَ عَلَيْكَ دَفْعُهُ كَاللُّقَطَةِ ، إِنْ كَانَتْ مَارًّا بِرِيحٍ لَا يَضُرُّكَ الْإِمْسَاكُ لِأَخْذِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَرَرْتَ بِآدَمِيٍّ حَيٍّ .
قَاعِدَةٌ : إِذَا تَلِفَ الْمِلْكُ فِي عَيْنٍ اسْتُصْحِبَ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا : الْمُضْطَرُّ يَأْكُلُ طَعَامَ الْغَيْرِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ اقْتَضَتْ إِبَاحَةُ الْأَكْلِ دُونَ سُقُوطِ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْمُهْجَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا . فَأَلْغَيْنَا الْمِلْكَ فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْعَيْنِ ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَاطُ مَالِكَ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ لِغَيْرٍ . كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ لِغَيْرِكَ يُسْقَطُ مِلْكُكَ عَنِ التَّعْيِينِ ، فَتَبْقَى شَرِيكًا بِمَا يُسَمَّى زَيْتًا فِي الْمُخْتَلَطِ ، وَلَيْسَ لَهُ نَقْلُكَ لِغَيْرِ الْمُخْتَلَطِ اسْتِصْحَابًا لِلْمِلْكِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ ، وَقَالَ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ( ش ) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ اسْتَصْحَبْنَا الْمِلْكَ فِي مَتَاعِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ .
قَاعِدَةٌ مَذْهَبِيَّةٌ : مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ مَالًا شَأْنُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا شَأْنُهُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ الْمَالِ وَبِأُجْرَةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، كَانَ دَفْعُ ذَلِكَ الْمَالِ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ ، نَقَلَهَا صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْإِجَارَةِ تَنْزِيلًا لِلِسَانِ الْحَالِ مَنْزِلَةَ لِسَانِ الْمَقَالِ ، فَإِذَا 94 كَانَ شَأْنُكَ مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ بِنَفْسِكَ أَوْ بِنَائِبِكَ ، وَتَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْكَ بِأُجْرَةٍ ، لِأَنَّ حَالَكَ لَمْ يَقْتَضِ إِذْنًا فِي دَفْعِ أُجْرَةٍ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَئِمَّةُ جَعَلُوا الدَّافِعَ مُتَبَرِّعًا حَتَّى يُوجَدَ إِذَنٌ بِلِسَانِ الْمَقَالِ . وَوَافَقُونَا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِلِسَانِ الْحَالِ فِي تَعْيِينِ النُّقُودِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ النَّقْدِ إِذَا غَلَبَ فِي الْبَلَدِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَتَعْيِينِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَتُحْمَلُ إِجَارَةُ الْقُدُومِ عَلَى النَّجْرِ دُونَ الْحَفْرِ ، وَالثَّوْرِ عَلَى الْحَرْثِ دُونَ الرُّكُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَيُفَرِّقُ بِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ الْعُرْفُ الْعَامُّ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْعُرْفِ الْخَاصِّ لِعُمُومِهِ . وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْعُرْفَ الْعَامَّ إِنَّمَا قُضِيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الظُّهُورِ فِي الدَّلَالَةِ ، وَالظُّهُورِ فِي الْعُرْفِ الْخَاصِّ ، بَلْ قَدْ يَقْوَى ظَاهِرُ حَالِ زَيْتٍ فِي مَقْصُودٍ أَكْثَرَ مِنْ قُوَّةِ الْعَامِ ، وَرُبَّمَا انْتَهَى إِلَى الْقَطْعِ ، وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، فَلَا أَثَرَ لِلْعُمُومِ فِي إِثَارَةِ الظَّنِّ بِسَقْطِ اعْتِبَارِ الْفَرْقِ ، وَسَقْطِ مَا قُلْنَاهُ . وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ التَّعْيِينُ بِبِسَاطِ التَّحَسُّنِ لِأَنَّهُ عُرْفٌ خَاصٌّ بِحَقٍّ نَعْتَبِرُهُ دُونَ ( ش ) . وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ ، فَلِأَجْلِهَا قُلْنَا : عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ أُجْرَةُ الْحَمْلِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ بَدْوًا بِهِ لِحَمْلِهِ ، وَقَالَ ( ش ) : الْعَنْبَرُ حَيْثُ يُوجَدُ الْعَنْبَرُ لِوَاجِدِهِ كَالصَّيْدِ ، وَإِنْ بَعُدَ عَنِ السَّاحِلِ فَهُوَ لُقَطَةٌ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ سُقُوطُهُ عَنْ مَالِكَ ، وَتَحَاشِي الْغَرَقِ عَلَى السَّاحِلِ لُقَطَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا وَجَدَ الصَّيَّادُ دُرَّةً فِي سَمَكَةٍ فَهِيَ لَهُ ، لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ ، وَإِنْ بَاعَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ ، رَدَّهَا لِلصَّيَّادِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا عَقْدُ الْبَيْعِ ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهَا دَنَانِيرُ فَهِيَ لُقَطَةٌ ، وَالْعَنْبَرُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَهُ ، وَالدَّابَّةُ فَالْمُهْلَكَةُ لِمُحْيِيهَا دُونَ مَالِكِهَا خِلَافًا لِـ ( ش ) وَوِفَاقًا لَنَا ، وَاحْتَجَّ لِتَأْوِيلِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ ) وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ عَلَى الْمَالِكِ الْأَوَّلِ تَضْيِيعٌ لَهَا وَإِهْلَاكٌ لِلْحَيَوَانِ ، لِأَنَّ لِوَاجِدِهِ تَضْعُفُ دَاعِيَتُهُ لِأَخْذِهِ ، وَقَالَ فِي الْمُنَاخِ : لَا 95 يَمْلِكُ ، لِأَنَّ ( . . . ) نَفْسَهُ بِخِلَافِ الْجَوَازِ ، وَرُويَ فِي الْعَنْبَرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ بَحْرَ عَدَنٍ أَلْقَى عَنْبَرَةً مِثْلَ الْبَعِيرِ فَأَخَذَهَا نَاسٌ فَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا الْخُمُسُ وَيُدْفَعَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّتُهَا ، وَإِنْ بَاعُوهَا اشْتَرَوْهَا مِنْهُمْ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَزِنَهَا فَلَمْ نَجِدْ مِيزَانًا نُخْرِجُهَا فَبَطَّنَّاهَا اثْنَتَيْنِ فَوَجَدْنَاهَا سِتَّمِائَةِ رَطْلٍ ، فَأَخَذْنَا خُمُسَهَا ، وَدَفَعْنَا إِلَيْهِمْ سَائِرَهَا ، ثُمَّ اشْتَرَيْنَاهَا بِخَمْسَةِ آلَفِ دِينَارٍ ، وَبَعَثْنَاهَا إِلَيْهِ ، فَلَمْ نَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى بَاعَهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : فِي الْخَشَبَةِ يَطْرَحُهَا الْبَحْرُ قَوْلَانِ : تَرْكُهَا أَفْضَلُ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : يَأْخُذُهَا وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا ، وَإِذَا وَقَعَتْ سَمَكَةٌ فِي السَّفِينَةِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ فَهِيَ لِلَّذِي سَقَطَتْ إِلَيْهِ ، كَانَ رَبُّ السَّفِينَةِ أَمْ لَا .
( فِي ذَاتِ اللُّقَطَةِ )
وَفِي الْجَوَاهِرِ : هِيَ مَالٌ مَعْصُومٌ ( . . . ) مِنْ كُلِّ حِمَارٍ أَوْ حَيَوَانٍ صَغِيرٍ . فَالْأَوَّلُ احْتِرَازٌ مِنَ الْحَرْبِيِّ . وَالثَّانِي مِمَّا مَعَهُ مَالِكُهُ ، وَالْحَيَوَانُ الصَّغِيرُ احْتِرَازًا مِنَ الْآبِقِ ، فَإِنَّهُ يُسَلَّمُ لِلْإِمَامِ ، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ اللُّقَطَةِ ، وَلَا يُسَمَّى لُقَطَةً .
وَفِي هَذَا الْفَصْلِ ثَمَانِيَةُ فُرُوعٍ .
الْفَرْعُ الْأَوَّلُ
فِي الْكِتَابِ : مَا وُجِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِمَّا يُعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ مَالِ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَفِيهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ ، وَكَذَلِكَ تَصَاوِيرُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ تُوجَدُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ . وَأَمَّا تُرَابُ سَاحِلِ الْبَحْرِ يُغْسَلُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ فَالزَّكَاةُ كَالْمَعْدِنِ . قَالَ التُّونِسِيُّ : فِي الْكِتَابِ : فِي مَرَاكِبِ الرُّومِ تَكَسَّرَتْ وَأُخِذَ مَا فِيهَا : لَيْسَ لِمَنْ وَجَدَهُ ، وَيَرَى فِيهِ الْإِمَامُ رَأْيَهُ ، وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِذَا أَخَذُوا ، فَمَا وُجِدَ فَهُوَ لِلْإِمَامِ 92 يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ ، وَلَا شَيْءَ لِوَاجِدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدِ الْإِمَامُ فِي الْمَرَاكِبِ : فَأَمْرُ الْعُرُوضِ لِلْإِمَامِ ، وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ لِمَنْ وَجَدَهُ وَعَلَيْهِ الْخُمُسُ كَالرِّكَازِ ، وَفِي غَيْرِ الْمَوَّازِيَّةِ : مَا لَفَظَهُ الْبَحْرُ لِمُسْلِمٍ عُرِّفَ كَاللُّقَطَةِ ، أَوِ الْمُشْرِكُ فَأَمْرُهُ إِلَى الْإِمَامِ ، وَإِنْ شُكَّ لِمَنْ هُوَ عُرِّفَ ثُمَّ تُصُدِّقَ بِهِ تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ ، وَفِي الْكِتَابِ : مَا عَطِبَ ( . . . ) فَلِرَبِّهِ دُونَ وَاجِدِهِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : بَقَاءُ مِلْكِهِ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : ( . . . ) عَنْ مَعْدِنٍ صَحَّ أَنْ يُقَالَ : فِيهِ الزَّكَاةُ وَأَنْ يُقَالَ : هُوَ فَائِدَةٌ . بِخِلَافِ مَا أَخَذَ مِنْ مَعْدِنٍ تَكَلَّفَهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي زَيْتُونِ الْجَبَلَ : يَرْفَعُ مِنْهُ خَمْسَةَ أَوْسُقٍ ، وَهُوَ فَائِدَةٌ لَا زَكَاةَ فِيهِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَمَّرَهُ بِالْحَرْثِ وَمَلَكَهُ قَبْلَ ذَلِكَ ، لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الزَّكَاةِ أَنْ يَكُونَ الْمُزَكَّى نَشَأَ عَنِ الْمِلْكِ ، قَالَ مَالِكٌ : إِنْ مَاتَتْ رَاحِلَتُكَ فِي الْفَلَاةِ فَأَخَذَهَا رَجُلٌ وَحَمَلَهَا لِمَنْزِلِهِ فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهَا وَعَلَيْهِ مُؤْنَةُ الْحَمْلِ ، لِأَنَّ الْأَصْلَ : بَقَاءُ مِلْكِكَ ، وَإِذَا طَرَحَ قَوْمٌ أَمْتِعَتَهُمْ خَوْفَ الْغَرَقِ فَيَأْخُذُهَا قَوْمٌ مِنَ الْبَحْرِ ، قَالَ مَالِكٌ : هِيَ لِأَصْحَابِهَا ، وَعَنِ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ : إِنْ أَخْرَجَهَا مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ فَهِيَ لَهُ ، أَوْ قَذَفَهَا الْبَحْرُ فَلِصَاحِبِهَا لِعَدَمِ الْكُلْفَةِ ، وَعَنْهُ هِيَ لِوَاجِدِهَا وَإِنْ قَذَفَهَا الْبَحْرُ إِلَّا أَنْ يَقُولَ صَاحِبُهَا : كُنْتُ عَلَى الرُّجُوعِ إِلَيْهَا فَيَحْلِفُ وَيَأْخُذُهَا . مَنْشَأُ الْخِلَافِ : هَلْ يُلَاحَظُ أَنَّ الْبَحْرَ كَالْمُكْرِهِ لِعِلَّتِهِ ، فَلَا يُسْقِطُ الْمِلْكَ كَالْغَصْبِ ، أَوِ الْغَارِقُ فِي الْبَحْرِ يُعْرِضُ صَاحِبُهُ عَنْهُ إِيَاسًا مِنْهُ ، فَهُوَ كَالْبُرَّةِ السَّاقِطَةِ لَا يُعَرِّجُ عَلَيْهَا صَاحِبُهَا وَهِيَ مُبَاحَةٌ إِجْمَاعًا . وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ طَرْحِ الْبَحْرِ وَضَالِّ الْفَلَاةِ : أَنَّ الْبُرَّةَ وَنَحْوَهَا لِمَا ظُفِرَ بِهَا فِي يَدِ الْوَاجِدِ لَمْ تَتَوَفَّرِ الرَّغْبَةُ عَلَى أَخْذِهَا ، وَهُوَ دَلِيلُ تَحْقِيقِ إِسْقَاطِ الْمِلْكِ وَلَوْ ظُفِرَ بِهَذِهِ الْهَوَالِكِ فِي الْبَحْرِ لَتَوَفَّرَتِ الدَّوَاعِي عَلَى الْمِيلِ إِلَيْهِ ، وَانْتِزَاعِهِ ، وَالْقُلُوبُ مَعْمُورَةٌ بِهِ قَبْلَ وِجْدَانِهِ ، وَهُوَ دَلِيلُ قُوَّةِ شِبْهِ الْغَصْبِ ، قَالَ : وَرَأَى إِنْ أَرْسَلَ الدَّابَّةَ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهَا وَأَحْيَاهَا وَأَخَذَهَا وَقَامَ عَلَيْهَا فَهِيَ لَهُ ، بِخِلَافِ الشَّاةِ فَوَصَلَهَا حَيَّةً ، لِأَنَّهُ لَمْ يُعْرِضْ عَنْهَا ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِيَعُودَ لَهَا وَعَلِمَ أَنَّهُ لَا يَعُودُ 93 إِلَيْهَا إِلَّا وَقَدْ هَلَكَتْ فَهِيَ لِصَاحِبِهَا كَالشَّاةِ . قَوْلُهُ : وَتَرْكُهُ صَاحِبُهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إِلَيْهِ فَهُوَ لِمَنْ نَقَلَهُ ، لِأَنَّ صَاحِبَهُ أَبَاحَهُ لِلنَّاسِ ، لِمَا عَلِمَ الْعَدُوُّ أَنَّ تَرْكَهُ لِيَعُودَ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ ، وَعَلَيْهِ أُجْرَةُ حَمْلِهِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ صَاحِبُهُ بَدْوًا بِهِ لِيَحْمِلَهُ فَلَا أُجْرَةَ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا الْغَرَقُ فِي الْبَحْرِ فَإِنَّ ( . . . ) كَانَ فِي مَرْسَى وَمَضَى صَاحِبُهُ لِيَعُودَ لِإِخْرَاجِهِ ، فَهُوَ لَهُ ، وَإِنْ تَرَكَهُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فَلِآخِذِهِ ، وَهُوَ أَدْخُلُ فِي هَذَا مِمَّا تَرَكَ فِي الْبَرِّ هَلَاكَهُ إِذَا تَرَكَ ، فَهُوَ كَالشَّاةِ فِي الْمَضْيَعَةِ ، وَالْبَحْرُ كَالذِّئْبِ مَعَ مَا يَتَكَلَّفُ مِنْ مَشَقَّةِ الْعَطَشِ عَلَيْهِ ، وَالْخَوْفُ عَلَى النَّفْسِ ، وَإِنْ قَذَفَهُ الْبَحْرُ فَنَقَلْتَهُ فَهُوَ لِصَاحِبِهِ ، لِأَنَّهُ إِنْ أَمِنَ عَلَيْهِ الْفَسَادَ لَوْ بَقِيَ لَمْ يَكُنْ لَكَ التَّعَرُّضُ لَهُ ، أَوْ يُخْشَى فَسَادُهُ كَالْمَتَاعِ فَعَلَيْكَ نَشْرُهُ وَإِيدَاعُهُ ، وَلَوْ مَرَرْتَ فِي سَفِينَةٍ بِمَتَاعٍ لِقَوْمٍ غَرِقُوا وَهُمْ عَلَى الْمَاءِ كَانَ عَلَيْكَ دَفْعُهُ كَاللُّقَطَةِ ، إِنْ كَانَتْ مَارًّا بِرِيحٍ لَا يَضُرُّكَ الْإِمْسَاكُ لِأَخْذِهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ مَرَرْتَ بِآدَمِيٍّ حَيٍّ .
قَاعِدَةٌ : إِذَا تَلِفَ الْمِلْكُ فِي عَيْنٍ اسْتُصْحِبَ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا : الْمُضْطَرُّ يَأْكُلُ طَعَامَ الْغَيْرِ وَيَضْمَنُ قِيمَتَهُ ؛ لِأَنَّ الضَّرُورَةَ اقْتَضَتْ إِبَاحَةُ الْأَكْلِ دُونَ سُقُوطِ الْقِيمَةِ ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْمُهْجَةِ لَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهَا . فَأَلْغَيْنَا الْمِلْكَ فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْعَيْنِ ، وَكَذَلِكَ اخْتِلَاطُ مَالِكَ الْمِثْلِيِّ بِمِثْلِهِ لِغَيْرٍ . كَزَيْتٍ بِزَيْتٍ لِغَيْرِكَ يُسْقَطُ مِلْكُكَ عَنِ التَّعْيِينِ ، فَتَبْقَى شَرِيكًا بِمَا يُسَمَّى زَيْتًا فِي الْمُخْتَلَطِ ، وَلَيْسَ لَهُ نَقْلُكَ لِغَيْرِ الْمُخْتَلَطِ اسْتِصْحَابًا لِلْمِلْكِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ ، وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ ، وَقَالَ بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ ( ش ) وَجَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، فَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ اسْتَصْحَبْنَا الْمِلْكَ فِي مَتَاعِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ .
قَاعِدَةٌ مَذْهَبِيَّةٌ : مَنْ أَدَّى عَنْ غَيْرِهِ مَالًا شَأْنُهُ أَنْ يُعْطِيَهُ ، أَوْ عَمِلَ لِغَيْرِهِ عَمَلًا شَأْنُهُ أَنْ يُسْتَأْجَرَ عَلَيْهِ رَجَعَ بِذَلِكَ الْمَالِ وَبِأُجْرَةِ ذَلِكَ الْعَمَلِ ، كَانَ دَفْعُ ذَلِكَ الْمَالِ وَاجِبًا عَلَيْهِ كَالدَّيْنِ أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ كَخِيَاطَةِ الثَّوْبِ وَحَلْقِ الرَّأْسِ ، نَقَلَهَا صَاحِبُ النَّوَادِرِ وَصَاحِبُ الْجَوَاهِرِ فِي الْإِجَارَةِ تَنْزِيلًا لِلِسَانِ الْحَالِ مَنْزِلَةَ لِسَانِ الْمَقَالِ ، فَإِذَا 94 كَانَ شَأْنُكَ مُبَاشَرَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ بِنَفْسِكَ أَوْ بِنَائِبِكَ ، وَتَسْتَأْجِرُ عَلَيْهِ لَمْ يَرْجِعْ عَلَيْكَ بِأُجْرَةٍ ، لِأَنَّ حَالَكَ لَمْ يَقْتَضِ إِذْنًا فِي دَفْعِ أُجْرَةٍ فِي ذَلِكَ ، وَالْأَئِمَّةُ جَعَلُوا الدَّافِعَ مُتَبَرِّعًا حَتَّى يُوجَدَ إِذَنٌ بِلِسَانِ الْمَقَالِ . وَوَافَقُونَا عَلَى الِاكْتِفَاءِ بِلِسَانِ الْحَالِ فِي تَعْيِينِ النُّقُودِ ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَعْيِينِ النَّقْدِ إِذَا غَلَبَ فِي الْبَلَدِ عَلَى غَيْرِهِ ، وَتَعْيِينِ الْمَنَافِعِ فِي الْإِجَارَةِ ، فَتُحْمَلُ إِجَارَةُ الْقُدُومِ عَلَى النَّجْرِ دُونَ الْحَفْرِ ، وَالثَّوْرِ عَلَى الْحَرْثِ دُونَ الرُّكُوبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَيُفَرِّقُ بِأَنَّ الْمُوجِبَ فِي مَوْضِعِ الْوِفَاقِ الْعُرْفُ الْعَامُّ ، وَهُوَ أَقْوَى مِنَ الْعُرْفِ الْخَاصِّ لِعُمُومِهِ . وَجَوَابُهُ : أَنَّ الْعُرْفَ الْعَامَّ إِنَّمَا قُضِيَ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الظُّهُورِ فِي الدَّلَالَةِ ، وَالظُّهُورِ فِي الْعُرْفِ الْخَاصِّ ، بَلْ قَدْ يَقْوَى ظَاهِرُ حَالِ زَيْتٍ فِي مَقْصُودٍ أَكْثَرَ مِنْ قُوَّةِ الْعَامِ ، وَرُبَّمَا انْتَهَى إِلَى الْقَطْعِ ، وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ لِذَلِكَ ، فَلَا أَثَرَ لِلْعُمُومِ فِي إِثَارَةِ الظَّنِّ بِسَقْطِ اعْتِبَارِ الْفَرْقِ ، وَسَقْطِ مَا قُلْنَاهُ . وَمِنْ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ التَّعْيِينُ بِبِسَاطِ التَّحَسُّنِ لِأَنَّهُ عُرْفٌ خَاصٌّ بِحَقٍّ نَعْتَبِرُهُ دُونَ ( ش ) . وَلِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ فُرُوعٌ كَثِيرَةٌ ، فَلِأَجْلِهَا قُلْنَا : عَلَى رَبِّ الْمَتَاعِ أُجْرَةُ الْحَمْلِ إِلَّا أَنْ يَرْجِعَ بَدْوًا بِهِ لِحَمْلِهِ ، وَقَالَ ( ش ) : الْعَنْبَرُ حَيْثُ يُوجَدُ الْعَنْبَرُ لِوَاجِدِهِ كَالصَّيْدِ ، وَإِنْ بَعُدَ عَنِ السَّاحِلِ فَهُوَ لُقَطَةٌ ، لِأَنَّ الظَّاهِرَ سُقُوطُهُ عَنْ مَالِكَ ، وَتَحَاشِي الْغَرَقِ عَلَى السَّاحِلِ لُقَطَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : إِذَا وَجَدَ الصَّيَّادُ دُرَّةً فِي سَمَكَةٍ فَهِيَ لَهُ ، لِأَنَّ الدُّرَّ يَكُونُ فِي الْبَحْرِ ، وَإِنْ بَاعَهَا وَلَمْ يَعْلَمْ ، رَدَّهَا لِلصَّيَّادِ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا ، فَلَا يَتَنَاوَلُهَا عَقْدُ الْبَيْعِ ، وَإِنْ وُجِدَ فِيهَا دَنَانِيرُ فَهِيَ لُقَطَةٌ ، وَالْعَنْبَرُ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ لَهُ ، وَالدَّابَّةُ فَالْمُهْلَكَةُ لِمُحْيِيهَا دُونَ مَالِكِهَا خِلَافًا لِـ ( ش ) وَوِفَاقًا لَنَا ، وَاحْتَجَّ لِتَأْوِيلِهِ بِمَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ وَجَدَ دَابَّةً قَدْ عَجَزَ عَنْهَا أَهْلُهَا فَسَيَّبُوهَا فَأَخَذَهَا فَأَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ ) وَلِأَنَّ الْقَوْلَ بِأَنَّهَا لَا تُمْلَكُ عَلَى الْمَالِكِ الْأَوَّلِ تَضْيِيعٌ لَهَا وَإِهْلَاكٌ لِلْحَيَوَانِ ، لِأَنَّ لِوَاجِدِهِ تَضْعُفُ دَاعِيَتُهُ لِأَخْذِهِ ، وَقَالَ فِي الْمُنَاخِ : لَا 95 يَمْلِكُ ، لِأَنَّ ( . . . ) نَفْسَهُ بِخِلَافِ الْجَوَازِ ، وَرُويَ فِي الْعَنْبَرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ بَحْرَ عَدَنٍ أَلْقَى عَنْبَرَةً مِثْلَ الْبَعِيرِ فَأَخَذَهَا نَاسٌ فَكُتِبَ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَأَمَرَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهَا الْخُمُسُ وَيُدْفَعَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّتُهَا ، وَإِنْ بَاعُوهَا اشْتَرَوْهَا مِنْهُمْ ، فَأَرَدْنَا أَنْ نَزِنَهَا فَلَمْ نَجِدْ مِيزَانًا نُخْرِجُهَا فَبَطَّنَّاهَا اثْنَتَيْنِ فَوَجَدْنَاهَا سِتَّمِائَةِ رَطْلٍ ، فَأَخَذْنَا خُمُسَهَا ، وَدَفَعْنَا إِلَيْهِمْ سَائِرَهَا ، ثُمَّ اشْتَرَيْنَاهَا بِخَمْسَةِ آلَفِ دِينَارٍ ، وَبَعَثْنَاهَا إِلَيْهِ ، فَلَمْ نَلْبَثْ إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى بَاعَهَا بِثَلَاثِينَ أَلْفِ دِينَارٍ ، وَفِي الْجَوَاهِرِ : فِي الْخَشَبَةِ يَطْرَحُهَا الْبَحْرُ قَوْلَانِ : تَرْكُهَا أَفْضَلُ ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : يَأْخُذُهَا وَيَغْرَمُ قِيمَتَهَا لِرَبِّهَا ، وَإِذَا وَقَعَتْ سَمَكَةٌ فِي السَّفِينَةِ وَفِيهَا جَمَاعَةٌ فَهِيَ لِلَّذِي سَقَطَتْ إِلَيْهِ ، كَانَ رَبُّ السَّفِينَةِ أَمْ لَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث