الذخيرة
الذخيرة · الجزء العاشر
الصفحة 1435 · ص. المطبوع 202
وَفِي التَّفْرِيعِ : ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَــى : عَدَمُ قَبُولِ ظَاهِرِ عَدَالَتِهِمْ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ . وَيُكْتَفَى بِتَزْكِيَةِ السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ ، وَلَا تُقْبَلُ التَّزْكِيَةُ إِلَّا مِنْ مَقْبُولِ الشَّهَادَةِ ، وَيُزَكَّى الشَّاهِدُ وَهُوَ غَائِبٌ ; لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِطْلَاعُ عَلَى حَالِهِ [ . . . ] مِنَ النَّاسِ مَنْ لَا يُسْأَلُ عَنْهُ لِشُهْرَةِ عَدَالَتِهِ عِنْدَ الْقَاضِي وَالنَّاسِ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : يُشْتَرَطُ فِي قَبُولِ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَوْصَافٍ : الْبُلُوغُ ، الْوَازِعُ ، التَّكْلِيفُ ، وَالْعَقْلُ ; لِأَنَّ عَدَمَهُ يُنَافِي التَّكْلِيفَ ، وَالْحُرِّيَّةُ ; لِأَنَّ شَرَفَ الرُّتْبَةِ تَمْنَعُ أَنْ يُخِلَّ فِيهِ نَاقِصٌ بِالْعُبُودِيَّةِ ، وَالْإِسْلَامُ لِأَنَّ نَقْصَهُ بِالْكُفْرِ يَشُرُّ ، وَالْعَدَالَةُ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الشَّاهِدُ يَجْتَنِبُ الْكَبَائِرَ وَيَتَوَقَّى الصَّغَائِرَ ، قَالَ : وَمَنْ شَرْطِهِ أَيْضًا الْيَقَظَةُ وَالتَّحَرُّزُ ; لِأَنَّ الْمُغْفِلَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ مِنْ أَهْلِ التَّحَيُّلِ ، وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِهِ عَدَمَ الْحَجْرِ : فَعَنْ مَالِكٍ : عَدَمُ الِاشْتِرَاطِ ; لِأَنَّ السَّفَهَ اسْتِهْزَاءٌ بِالْمَالِ ، وَالشَّهَادَةُ مُعْتَمَدُهَا : ضَبْطُ الدِّينِ فَلَا يُنَافِي ، وَاشْتَرَطَهُ أَشْهَبُ ; لِأَنَّ السَّفَهَ إِضَاعَةُ الْمَالِ ، وَهِيَ حَرَامٌ ، فَهُوَ يُخِلُّ بِدِينِهِ ، وَبَالَغَ أَشْهَبُ فَقَالَ : وَلَوْ كَانَ لَوْ طَلَبَ مَالَهُ أُعْطِيَهُ ، وَمَنَعَ مُحَمَّدٌ شَهَادَةَ الْبِكْرِ حَتَّى تُعَنَّسَ . وَفِي الْجَوَاهِرِ : الَّذِي تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ : الْمُجْتَنِبُ لِلْكَبَائِرِ ، الْمُتَّقِي لِلصَّغَائِرِ ، ذُو مُرُوءَةٍ وَتَمْيِيزٍ ، مُسْتَيْقِظٌ مُتَوَسِّطُ الْحَالِ بَيْنَ الْبُغْضِ وَالْمَحَبَّةِ ، وَالِاعْتِدَالُ فِي الْأَحْوَالِ الدِّينِيَّةِ هُوَ الْعَدَالَةُ ، بِأَنْ يَكُونَ ظَاهِرَ الْأَمَانَةِ ، بَعِيدًا مِنَ الرَّيْبِ ، مَأْمُونًا فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ ، قَالَ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : وَلَيْسَتِ الْعَدَالَةُ أَنْ يُمَحِّضَ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا تَشُوبَهَا مَعْصِيَةٌ لِتَعَذُّرِهِ ، لَكِنْ مَنْ كَانَتِ الطَّاعَةُ أَكْثَرَ حَالِهِ وَهُوَ مُجْتَنِبٌ الْكَبَائِرَ ، يُحَافِظُ عَلَى تَرْكِ الصَّغَائِرِ ، يَسْتَعْمِلُ الْمُرُوءَةَ الَّتِي تَلِيقُ بِمِثْلِهِ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ ، فَكُلُّ مَنْ صَدَرَ مِنْهُ تَعَدٍّ أَدَّى لِسُقُوطِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ فَهُوَ قَادِحٌ فِي 202 شَهَادَتِهِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : ضَابِطُ الْمُرُوءَةِ : أَنْ لَا يَأْتِيَ بِمَا يَعْتَذِرُ مِنْهُ مِمَّا لَا يُنَحِّيهِ عَنْ مَرْتَبَتِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْفَضْلِ ، قَالَ ابْنُ مُحْرِزٍ : وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمُرُوءَةِ نَظَافَةَ الثَّوْبِ ، وَفَرَاهَةَ الْمَرْكُوبِ ، وَجَوْدَةَ الْآلَةِ وَالشَّارَةِ ، وَلَكِنِ التَّصَوُّنُ وَالسَّمْتُ الْحَسَنُ وَحِفْظُ اللِّسَانِ ، وَتَجَنُّبُ السُّخْفِ وَالْمُجُونِ ، وَالِارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ خُلُقٍ رَدِيءٍ يُرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لَا يُحَافِظُ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي نَفْسِهِ جُرْحَةٌ ، وَرَأَى بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ شَهَادَةَ الْبَخِيلِ لَا تُقْبَلُ ; لِأَنَّ احْتِيَاطَ الْبُخْلِ يُؤَدِّيهِ إِلَى مَنْعِ الْحُقُوقِ ، وَأَخْذِ مَا لَيْسَ بِحَقٍّ ، وَلَا تُرَدُّ شَهَادَةُ أَرْبَابِ الْحِرَفِ الدَّنِيَّةِ ، كَالْكَنَّاسِ ، وَالدَّبَّاغِ ، وَالْحَجَّامِ ، وَالْحَائِكِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ يَفْعَلُ ذَلِكَ اخْتِيَارًا مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى خَبَلٍ فِي الْعَقْلِ ، وَقِلَّةِ الْمُرُوءَةِ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ : وَيُشْتَرَطُ فِيمَنِ اجْتَمَعَ فِيهِ هَذَانِ الْوَصْفَانِ : الْعِلْمُ بِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ، إِذْ لَا يُؤْمَنُ الْغَلَطُ عَلَى الْجَاهِلِ بِشَرْطِ ذَلِكَ ، وَالتَّحَرِّي لِيُؤْمَنَ عَلَيْهِ التَّحَيُّلُ مِنْ أَهْلِ التَّحَيُّلِ ، فَإِنَّ الْفَاضِلَ الْخَيِّرَ الضَّعِيفَ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ التَّلَبُّسُ ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِلْإِمَامِ خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ ، قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : أَجَازَ ابْنُ حَبِيبٍ شَهَادَةَ الْمَجْهُولِ عَلَى الْمَوْسِمِ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ فِي السَّفَرِ ، قِيَاسًا عَلَى الصِّبْيَانِ فِي الْجِرَاحِ ، وَقِيلَ : تَجُوزُ فِي الْيَسِيرِ اسْتِحْسَانًا .
تَنْبِيهٌ : قَالَ صَاحِبُ الْمُقَدِّمَاتِ : مَرَاتِبُ الشُّهُودِ : إِحْدَى عَشْرَةَ ، كُلُّ مَرْتَبَةٍ لَهَا حُكْمٌ يَخُصُّهَا : الشَّاهِدُ الْمُبْرِزُ فِي الْعَدَالَةِ ، الْقَائِمُ بِمَا تَصِحُّ بِهِ الشَّهَادَةُ ، يُقْبَلُ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَيُزَكَّى وَيُجَرَّحُ إِنْ سُئِلَ عَنْ كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ إِذَا أَبْهَمَ ، وَلَا يُقْبَلُ فِيهِ التَّجْرِيحُ إِلَّا بِالْعَدَاوَةِ ، وَقِيلَ : وَلَا بِالْعَدَاوَةِ لِتَمَكُّنِ [ . . . ] وَكَذَلِكَ الْمُبْرِزُ غَيْرُ الْعَالِمِ بِمَا 203 تَصِحُّ الشَّهَادَةُ ، غَيْرَ أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ بِمَا شَهِدَ بِهِ إِذَا [ . . . ] ، وَغَيْرُ الْمُبْرِزِ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ ، الْعَالِمُ بِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّهَادَةُ ، تَجُوزُ إِلَّا فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ عَلَى اخْتِلَافِ التَّزْكِيَةِ ، وَلِأَخِيهِ وَلِمَوْلَاهُ وَلِصَدِيقِهِ الْمُلَاطِفِ وَشَرِيكِهِ فِي غَيْرِ التِّجَارَةِ ، وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ ، وَيُقْبَلُ فِيهِ الْجَرْحُ بِالْعَدَاوَةِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ إِذَا أَبْهَمَ ، وَكَذَلِكَ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ غَيْرُ الْعَالِمِ بِمَا تَصِحُّ فِيهِ الشَّهَادَةُ ، إِلَّا أَنَّهُ يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ عِلْمِهِ إِذَا أَبْهَمَ ، وَالشَّاهِدُ الْمَعْرُوفُ بِالْعَدَالَةِ إِذَا قَذَفَ قَبْلَ أَنْ يُحَدَّ مَنَعَ مَالِكٌ وَ ( ش ) شَهَـادَتَهُ لِتَحَقُّقِ الْجَرِيمَةِ ، وَأَجَازَهَا ابْنُ الْقَاسِمِ - وَهُوَ مَشْهُورٌ - لِاحْتِمَالِ بُطْلَانِ الْجَرِيمَةِ قَبْلَ الْحَدِّ . وَمَنْ تُتَوَسَّمُ فِيهِ الْعَدَالَةُ تَجُوزُ بِغَيْرِ تَزْكِيَةٍ فِيمَا يَقَعُ بَيْنَ الْمُسَافِرِينَ فِي السَّفَرِ مِنَ الْمُعَامَلَاتِ فَقَطْ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ ، وَمَنْ لَا تُتَوَسَّمُ فِيهِ الْعَدَالَةُ وَلَا الْجُرْحَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ تَزْكِيَتِهِ ، وَشَهَادَتُهُ شُبْهَةٌ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ، فَتُوجِبُ الْيَمِينَ وَالْقَسَامَةَ وَالْحَمِيلَ وَتَوْقِيفَ الْمُدَّعِي بِهِ ، وَمَنْ تُتَوَسَّمُ فِيهِ الْجُرْحَةُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ تَزْكِيَتِهِ ، وَلَيْسَتْ شَهَادَتُهُ شُبْهَةً تُوجِبُ حُكْمًا ، وَمَنْ ثَبَتَتْ جُرْحَتُهُ قَدِيمَةً أَوْ يَعْلَمُهَا الْحَاكِمُ بِهِ ، لَا يُقْبَلُ إِلَّا بِتَزْكِيَتِهِ مِمَّنْ عَلِمَ جُرْحَتَهُ تِلْكَ ; لِأَنَّ الْجَاهِلَ بِهَا قَدْ يُزَكِّيهِ مَعَهَا فَيُشْهَدُ عَلَى تَوْبَةِ وَصَلَاحِ حَالِهِ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ الْمَحْدُودُ فِي الْقَذْفِ عِنْدَ مَالِكٍ ، وَمَنْ هُوَ مُقِيمٌ عَلَى الْجُـرْحَةِ مَشْهُورٌ بِهَا ، لَا تُقْبَلُ تَزْكِيَتُهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ حَتَّى يَتُوبَ وَتَحْسُنَ حَالُهُ ; لِأَنَّ تَزْكِيَتَهُ حِينَئِذٍ كَذِبٌ ، وَشَاهِدُ الزُّورِ لَا يُقْبَلُ أَبَدًا وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ : الْجَوَازُ إِذَا عُرِفَتْ تَوْبَتُهُ بِتَمَكُّنِ حَـالِهِ فِي الصَّـلَاحِ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَلَا أَعْلَمُهُ إِلَّا قَوْلَ مَالِكٍ ، فَقِيلَ : اخْتِلَافٌ ، وَقِيلَ : مَعْنَى الثَّانِي : إِذَا جَاءَ تَائِبًا مُقِرًّا عَلَى نَفْسِهِ بِشَهَادَةِ الزُّورِ قَبْلَ أَنْ يَظْهَرَ عَلَيْهِ ، قَالَ وَهُوَ الْأَظْهَرُ .
نَظَــائِرُ : قَالَ ابْنُ بَشِيرٍ فِي نَظَـائِرِهِ : سِتَّةٌ لَا يُقْبَلُ فِيهَا إِلَّا الْعَدْلُ الْمُبْرَزُ : التَّعْدِيلُ ، 204 وَالشَّهَادَةُ لِلْأَخِ وَلِلْمَـوْلَى وَلِلصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ ، وَالتَّزْكِيَةُ فِي غَيْرِ الزِّيَادَةِ ، وَإِذَا زَادَ فِي شَهَادَتِهِ أَوْ نَقَصَ .
فَــائِدَةٌ : فِي التَّنْبِيهَاتِ : الْمُبَرِّزُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَأْخُوذٌ مِنَ السَّابِقِ فِي حَلَبَةِ خَيْلِ السِّبَاقِ ، أَيْ بَرَّزَ وَسَبَقَ أَمْثَالَهُ فِي الْعَدَالَةِ .
فَـرَعٌ
قَالَ ابْنُ يُونُسَ : إِنِ ارْتَضَى الْقَاضِي رَجُلًا لِلْكَشْفِ قَبِلَ مِنْهُ ، يَنْقُلُ إِلَيْهِ عَنْ رَجُلَيْنِ لِلْأَقَلِّ مِنْ ذَلِكَ ، فَإِنْ جَاءَهُ تَزْكِيَةُ رَجُلٍ مِنْ رَجُلٍ ثِقَةٍ عِنْدَهُ ، وَأَتَاهُ آخَرُ ثِقَةٌ عِنْدَهُ أَنَّهُ غَيْرُ عَدْلٍ أَعَادَ الْمَسْأَلَةَ ، قَالَ سَحْنُونٌ : وَلَا يَأْخُذُ بِقَوْلٍ وَاحِدٍ فِي الْفَسَادِ ، قَالَ أَشْهَبُ : وَلَا يَنْبَغِي لِلْكَاشِفِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى اثْنَيْنِ بَلْ ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ ، خِيفَةَ أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ وِدِّهِ ، أَوْ أَهْلَ عَدَاوَتِهِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْأَلَ فِي مَسَاكِنِ النَّاسِ وَأَعْمَالِهِمْ ، وَلَا يَعْرِفَ الْمَسْئُولَ ، وَلَا يَصْغَ الْقَاضِي أُذُنَهُ لِلِنَّـاسِ ، وَلَكِـنْ يَكْشِفُ عَنِ الْمَقُولِ فِيهِ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَكُلُّ مَا يَبْتَدِئُ الْقَاضِي السُّؤَالَ عَنْهُ قَبِلَ فِيهِ الْوَاحِدَ لِأَنَّهُ رِوَايَةٌ ، وَمَا ابْتَدَأَ بِهِ غَيْرُهُ فَلَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الشَّهَادَةِ .
فَـرْعٌ
قَالَ ابْنُ يُونُسُ : وَلَا يُجْزِئُ فِي التَّعْدِيلِ إِلَّا قَوْلُ مُعَدَّلٍ عَدْلًا مُرْضِيًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى ( ذَوِي عَدْلٍ ) وَقَوْلِهِ تَعَالَى ( مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ ) فَنَصَّ عَلَى الْوَصْفَيْنِ ، قَالَ مَالِكٌ : وَيُقْبَلُ فِي التَّجْرِيحِ : لَا أَرَاهُ عَدْلًا وَلَا أَصْحَابَهُ عَدَلًا ، قَالَ سَحْنُونٌ ، يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ : هُوَ عِنْدِي مِنْ أَهْلِ الْعَدَالَةِ ، جَائِزُ الشَّهَادَةِ ، أَوْ 205 عَدْلٌ ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ وَلَا التَّجْرِيحِ : سَمِعْنَا فُلَانًا وَفُلَانًا يَقُولُ : إِنَّ فُلَانًا عَدْلٌ ، أَوْ غَيْرُ عَدْلٍ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ عَلَى السَّمَاعِ ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ أَشْهَدَهُمْ عَلَى التَّزْكِيَةِ ، وَفِي النَّوَادِرِ : قَالَ سَحْنُونٌ : إِذَا قَالَ : الْبَيِّنَةُ الْمُجَرِّحَةُ تَشْهَدُ أَنَّ هَذِهِ الْبَيِّنَةَ شَهِدَتْ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ بِزُورٍ ، لَيْسَتْ جُرْحَةً لِأَنَّ حَاصِلَهُ أَنَّهَا تُعَارِضُهَا فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ ، قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : يُقْبَلُ التَّجْرِيحُ الْمُجْمَلُ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ فِي ظَاهِرِ الْعَدَالَةِ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا يُقْبَلُ فِي شُهُودِ الْعَدَالَةِ إِلَّا التَّجْرِيحُ الْمُفَصَّلُ ، وَإِذَا جَرَّحَهُ رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ بِكَبِيرَةٍ ضُمَّتِ الشَّهَادَتَانِ لِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى أَنَّهُ رَجُلُ سُوءٍ ، قَالَهُ ابْنُ سَحْنُونٍ ، وَعَنْهُ : لَا بُدَّ مِنَ الِاجْتِمَاعِ عَلَى مَعْنًى وَاحِدٍ ، أَوْ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ ، نَحْوَ : جَائِرٌ ، وَآكِلُ مَالِ الْيَتَامَى ، وَقَالَ ابْنُ حَنْبَلٍ : يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ : عَدْلٌ ; لِأَنَّ كُلَّ عَدْلٍ مَرْضِيُّ الشَّهَادَةِ ، وَقَالَ ( ش ) : لَا بُدَّ أَنْ يَقُولَ : عَدَلَ عَلَيَّ وَلِيَ ، وَلَا يُشْتَرَطُ : رِضًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ : عَدْلٌ ، قَدْ يَكُونُ عَدْلًا فِي بَعْضِ الْأَشْيَاءِ أَوْ عِنْدَ بَعْضِ النَّـاسِ ، فَقَـوْلُهُ : عَلَيَّ وَلِيَ ، يَقْتَضِي نَفْيَ الْعَدَاوَةِ ، وَلِيَ ، يَقْتَضِي نَفْيَ الصَّدَاقَةِ الْمَانِعَةِ مِنَ الشَّهَادَةِ لَهُنَّ ، فَثَبَتَتِ الْعَدَالَةُ سَالِمَةً عَنِ الْمَانِعِ .
وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ أَحْمَدُ : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَدْلَ مَرْضِيُّ الشَّهَادَةِ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا فِي دِينِهِ دُونَ مُرُوءَتِهِ وَتَعَلُّقِهِ وَفَرْطِ حَمِيَّتِهِ ، فَإِذَا قَالَ : رِضًى ، حَصَلَ الْجَمِيعُ ، وَعَنْ كَلَامِ ( ش ) : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ : عَلَيَّ وَلِيَ ، يَقْتَضِي الْعَدَالَةَ عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : عَدَلَ عَلَيَّ وَلِيَ فِي الْأَمْوَالِ ، أَوْ فِي الْأَشْيَاءِ الْمُحْتَقَرَةِ ، لَمْ يَكُنْ مُنَاقِضًا لِقَوْلِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ : عَلَيَّ وَلِيَ ، فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَلَا عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ . بَلْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ تَقْتَضِي عَدَمَ التَّعْمِيمِ ; لِأَنَّ مَفْهُومَهَا أَنَّهُ لَيْسَ عَدْلًا عَلَى غَيْرِهِ ، وَلَا لِغَيْرِهِ ; لِأَنَّهُ خَصَّصَ بِنَفْسِهِ ، وَالتَّخْصِيصُ يَقْتَضِي سَبَبَ الْحُكْمِ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ ، ثُمَّ فِي هَذَا الشَّرْطِ مَفْسَدَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْعَدْلَ الْمُتَّفَقَ عَلَى عَدَالَتِهِ ذُكِرَ ( كَذَا ) يُقْبَلُ لِهَذَا لِفَرْطِ الْقَرَابَةِ أَوِ الْمَحَبَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتُّهْمَةِ وَالرِّيبَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَقْبُولًا لِغَيْرِهِ اتِّفَاقًا ، وَلَا 206 يُقْبَلُ عَلَيْهِ لِفَرْطِ عَدَاوَةٍ ، وَيُقْبَلُ عَلَى غَيْرِهِ ، فَإِذَا لَمْ يُقْبَلْ مِنَ الْمُزَكِّي إِلَّا هَذِهِ الْعِبَارَةُ امْتُنِعَ تَزْكِيَةُ الْعَدُوِّ لِعَدُّوِهِ ، وَفِي ذَلِكَ سَدُّ بَابِ الْمَعْرُوفِ وَالْإِعَانَةِ عَلَى تَخْلِيصِ الْحُقُوقِ ، أَوْ يُزَكِّيهِ فَيَكْذِبُ فِي قَوْلِهِ : عَدَلَ عَلَيَّ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ ، إِنَّهُ عِبَارَةُ الْمِلْكِيَّةِ فَتَقْتَضِي أَنَّهُ عَدْلٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، وَهَذَا صَادِقٌ وَإِنْ كَانَ عَدُوَّهُ وَهُوَ مَقْصُودُ الْحَاكِمِ ، وَلَيْسَ مَقْصُودُ الْحَاكِمِ أَنَّهُ يَقْبَلُهُ عَلَى الْمُزَكِّي أَوَّلَهُ ، بَلْ ثُبُوتُ الْعَدَالَةِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بِمَحَلِّ ( كَذَا ) الْمُزَكِّي فَيَقْبَلُهُ وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ حَتَّى يَقُومَ مَانِعٌ مِنْ عَدَاوَةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ : قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَا يُجْزِئُ تَعْدِيلُ الْعَلَانِيَةِ دُونَ تَعْدِيلِ السِّرِّ ; لِأَنَّ النَّاسَ قَدْ يَسْتَحْيُونَ أَوْ يَخَافُونَ ، وَيَجْتَزِئُ بِالسِّرِّ لِأَنَّهُ لَا رَيْبَ فِيهِ ، وَلَا يُزَكِّي إِلَّا الْمُبْرِزُ النَّافِذُ الْفَطِنُ الَّذِي لَا يُخْدَعُ فِي عَقْلِهِ ، وَلَا يُستَرْذَلُ فِي رَأْيِهِ . قَالَ سَحْنُونٌ : قَوْلُهُ : يُزَكَّى الْغَائِبُ ، مَعْنَاهُ : إِذَا كَانَ الشَّاهِدُ مَشْهُورًا مَعْرُوفًا وَإِلَّا فَلَا يُزَكَّى إِلَّا بِمَحْضَرِهِ ، وَقِيلَ : مَعْنَاهُ : غَـائِبٌ عَنْ مَجْلِسٍ ، حَـاضِرٌ فِي الْبَلَدِ ، أَوْ قَرِيبُ الْغَيْبَةِ ، وَأَمَّا بَعِيدُهَا فَيُزَكَّى كَمَا يُقْضَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : الْمَشْهُورُ بِالْعَدَالَةِ لَا يَحْتَاجُ لِتَزْكِيَةٍ ، وَقَدْ إِنَّكَ صَاحِبُ هَذَا الِاسْمِ ، يُرِيدُ أَنْ لَا يَحْتَاجَ إِلَى تَزْكِيَةٍ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا سَأَلَ الْقَاضِي مَنْ حَضَرَ ، أَوْ سَأَلَ مَنْ كَاشَفَهُ ، فَقِيلَ : لَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ ; لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ ، قَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ لِقِلَّةِ الْوُثُوقِ الْيَوْمَ بِالنَّاسِ ، وَقِيلَ : يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْخَبَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ضَابِطُ الشَّهَادَةِ وَالرِّوَايَةِ ، وَإِذَا ثَبَتَتِ الْعَدَالَةُ بِاثْنَيْنِ فَحَسَّنَ أَنْ يُزِيدَ الْكَشْفَ فَلَا يُزِيدُهُ إِلَّا خَيْرًا ، فَإِنِ ارْتَابَ وَقَفَ وَكَشَفَ ، وَلَا يَقْبَلُ التَّعْدِيلَ بِيَسِيرِ الْمُخَالَطَةِ بِخِلَافِ الْجَرْحِ ; لِأَنَّهُ يَقِينٌ ، وَالْأَوَّلَ ظَنٌّ ، قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُزَّكَّى إِلَّا الْمُخَالِطُ فِي الْأَخْذِ وَالْعَطَاءِ ، الطَّوِيلُ الصُّحْبَةِ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ ، وَاخْتُلِفَ إِذَا اقْتُصِرَ عَلَى عَدْلٍ ، أَوْ رِضًى هَلْ يَكُونُ تَعْدِيلًا أَمْ لَا ؟ لِأَنَّ الْعَدْلَ رِضًى ، وَالْمَرْضِيَّ عَدْلٌ ، وَقَدْ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِقَبُولِ شَهَادَةِ مَنِ اتَّصَفَ بِإِحْدَاهُمَا ، فَلَوْ وَصَفَهُ بِإِحْدَاهُمَا فَسُئِلَ عَنِ الْأُخْرَى 207 فَوَقَفَ فَهُوَ رِيبَةٌ ، وَسُئِلَ عَنْ سَبَبِ وُقُوفِهِ فَقَدْ يُكْرَهُ مَا لَا يَقْدَحُ فِي الْعَدَالَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُسْئِلْ فَهُوَ عَدْلٌ . وُفِي الْمَوَّازِيَّةِ : إِذَا قَالَ : اخْتَبَرْتُهُ ، أَوْ عَامَلْتُهُ فَمَا عَلِمْتُ إِلَّا خَيْرًا ، أَوْ أَنَّهُ لَرَجُلٌ صَالِحٌ فَاضِلٌ ، فَهُوَ ثِقَةٌ ، لَا يَكُونُ ذَلِكَ تَزْكِيَةً حَتَّى يَقُولَ : عَدْلٌ ، أَوْ أَرَاهُ عَدْلًا ، قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا كَانَ يَعْلَمُ وَجْهَ الْعَدَالَةِ ، وَعَلِمَ أَنَّ السُّؤَالَ لِتُمْضَى شَهَادَتُهُ ، فَذَلِكَ تَعْدِيلٌ خِلَافًا لِـ ( ش ) ، وَقَدْ خَرَّجَ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْعَدَالَةِ قَوْلَ مَنْ يُرِيدُهُ أَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا ، غَيْرَ أَنَّ الْعُدُولَ الْيَوْمَ عَنْ عَدْلٍ رِضًى رِيبَةٌ ، وَيُزَكِّي أَهْلَ سُوقِهِ وَمَحَلَّتِهِ وَجِيرَانِهِ ، وَلَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ وُقُوفَهُمْ عَنْ تَعْدِيلِهِ مَعَ أَنَّهُمْ أَعْلَمُ بِهِ رِيبَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ عَدْلٌ قَبِلَ غَيْرَهُمْ مِنْ بَلَدِهِ ، قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ ، قَالَ سَحْنُونٌ : إِنْ عَدَّلَ الرَّجُلُ مَنْ لَا يَعْرِفُ اسْمَهُ قَبْلَ تَعْدِيلِهِ فَإِنَّ الصِّفَاتِ قَدْ تُعْلَمُ مَعَ الْجَهْلِ بِالِاسْمِ وَالتَّزْكِيَةِ عَلَى الْمَشْهُودِ لَهُ دُونَ الشَّاهِدِ ، وَإِنَّمَا عَلَى الشَّاهِدِ أَنْ يُخْبِرَ الْمَشْهُودَ لَهُ بِمَنْ يَعْرِفُهُ وَمَنْ يَعْدِلُهُ ، قَالَ مَالِكٌ : لَا يَقْـدَحُ فِي الْعَدَالَةِ الْأَمْرُ الْخَفِيفُ مِنَ الزَّلَّةِ وَالْغَيْبَةِ وَلَا يُسْلَمُ مِنْ ذَلِكَ .
فَـرْعٌ
قَالَ : قَالَ سَحْنُونٌ : إِذَا عَدَلَ ثُمَّ شَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ رَدَّهُ الْقَاضِي لِأَمْرٍ تَبَيَّنَ لَهُ ، وَالْقَاضِي لَا يَحْفَظُ ذَلِكَ ، قَبِلَ شَهَادَتَهُمَا .
فَـرْعٌ
فِي الْمُنْتَقَى : تَزْكِيَةُ اثْنَيْنِ فِي كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا فِي الزِّنَا ، فَنَصُّ مَالِكٍ : لَا يَعْدِلُ كُلَّ وَاحِدٍ إِلَّا أَرْبَعَةٌ قِيَاسًا عَلَى الْأَصْلِ ، وَجَوَّزَ عَبْدُ الْمَلِكِ اثْنَيْنِ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ ، وَأَرْبَعَةً لِجَمِيعِهِمْ قِيَاسًا عَلَى الْإِحْصَانِ ، وَاخْتُلِفَ فِي عَدَدِ تَزْكِيَةِ السِّرِّ : فَعَنْ مَالِكٍ : يَكْفِي الْوَاحِدُ لِأَنَّهُ فِي مَعَانِي أَصْحَابِ الْمَسَائِلِ ، وَعَنْهُ : لَا بُدَّ مِنِ اثْنَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْجَهْرِ .
208 فَـرْعٌ
قَالَ اللَّخْمِيُّ : إِذَا ثَبَتَتْ شَهَادَتُهُ ثُمَّ شَهِدَ مَرَّةً أُخْرَى ، فَإِنْ ظَهَرَ لِلْقَاضِي فَضْلُهُ وَبُرُوزُهُ لَمْ تُعَدَّ التَّزْكِيَةُ ، إِلَّا أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ فَيُسْأَلُ عَنْهُ لِإِمْكَانِ حُدُوثِ الْعَيْبِ ، وَإِلَّا كُلِّفَ التَّعْدِيلَ ثَانِيَةً ، قَالَهُ ابْنُ كِنَانَةَ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : يُكَلَّفُهُ كُلَّمَا شَهِدَ حَتَّى يَكْثُرَ تَعْدِيلُهُ وَتُشْهَرَ تَزْكِيَتُهُ ، فَلَا يُكَلَّفُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : لَيْسَ عَلَيْهِ إِذَا شَهِدَ بَعْدَ سَنَةٍ إِعَادَةُ التَّزْكِيَةِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ بَقَاؤُهَا إِلَّا أَنْ يَظُنَّ فِيهَا أَوْ يَرْتَابَ .
فَـرْعٌ
قَالَ : يُسْمَعُ الْجَرْحُ فِي الْمُتَوَسِّطِ مُطْلَقًا ، وَفِي الْمُبْرِزِ بِالْعَدَاوَةِ أَوِ الْهِجْرَةِ أَوِ الْقَرَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْإِسْفَاهِ وَمَنْ هُوَ الَّذِي يُجَرِّحُهُ ؟ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : قَالَ سَحْنُونٌ ، لَا يُقْبَلُ إِلَّا مِنَ الْمُبْرِزِ ، قَالَ مُطَرِّفٌ : يُجَرِّحُ الشَّاهِدَ مِثْلُهُ أَوْ أَعْلَى مِنْهُ دُونَ مَنْ هُوَ دُونَهُ إِلَّا بِالْعَدَاوَةِ وَالْهِجْرَةِ دُونَ الْإِسْفَاهِ ، وَقَالَ مِمَّا يَثْبُتُ بِالْكَشْفِ ، وَقَالَ : مُطَرِّفٌ : تُقْبَلُ جُرْحَتُهُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ بِالْإِسْفَاهِ وَالْعَدَوَاةِ ، قَالَ : وَهُوَ أَحْسَنُ ; لِأَنَّ الْجَرْحَ مِمَّا يُكْتَمُ ، فَقَدْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا مَنْ هُوَ دُونَهُ ، وَهِيَ شَهَادَةٌ ، فَقِيلَ : كَسَائِرِ الشَّهَادَاتِ ، وَسُئِلَ عَنِ الْجُرْحَةِ فَقِيلَ : ( كَذَا ) مَا لَا يَخْفَى عَنِ النَّاسِ لَمْ يُقْبَلْ فِيهِ مُنْفَرِدًا ، وَإِنْ كَانَ يَخْفَى مِثْلُهُ قُبِلَ ، قَالَ : وَالْأَحْسَنُ : التَّجْرِيحُ سِرًا لِيَسْلَمَ الشَّاهِدُ مِنَ الْأَذَى ، وَمِنْ حَقِّ الشَّاهِدِ وَالْمَشْهُودِ لَهُ أَنْ يَعْلَمَا بِالْمُجَرِّحِ ، فَقَدْ يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ ، أَوْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَشْهُودِ لَهُ قَرَابَةٌ أَوْ غَيْرُهَا مِمَّا يَمْنَعُ الشَّهَادَةَ بِالْجَرْحِ ، وَيَخْتَلِفُ إِذَا كَانَ الشَّاهِدُ أَوِ الْمَشْهُودُ مِمَّنْ يُخَافُ ، هَلْ يُسَمَّى الْمُجَرِّحُ أَمْ لَا ؟ قَالَ سَحْنُونٌ : يُسَمَّى ثُمَّ يُوقَفُ ، وَجَوَّزَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ ، وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ ، لِفَسَادِ الْقُضَاةِ الْيَوْمَ .
209 فَـرْعٌ
قَالَ فِي قَبُولِ الْجَرْحِ مُجْمَلًا مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ : أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : قَالَ مُطَرِّفٌ : يُكْتَفَى مِنَ الْعَالِمِ بِالْمُجْمَلِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا بُدَّ مِنَ التَّفْصِيلِ فِي الْمَجْرُوحِ الْمَشْهُورِ بِالْعَدَالَةِ ، وَإِلَّا قُبِلَ الْإِجْمَالُ ، وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ : لَا يُسْأَلُ الْمُجَرِّحُ الْمُبْرِزُ وَإِلَّا سُئِلَ ، وَقَالَ سَحْنُونٌ : يَكْفِي الْمُجْمَلَ مُطْلَقًا ، وَالْأَحْسَنُ : الْبَيَانُ إِذَا لَمْ يُفْهَمْ ; لِأَنَّ الْجَرْحَ قَدْ يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ هَلْ هُوَ جُرْحَةٌ أَمْ لَا ؟ كَتَرْكِ التَّدَلُّكِ فِي الْغُسْلِ وَنَحْوِهُ مِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا ، وَقَدْ يَكُونُ لِلْمَجْرُوحِ تَأْوِيلٌ قُبِلَ ، أَوْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ حَقٌّ لِلْمَجْرُوحِ كانِتهاكِ عِرْضِهِ ، فَلَا يُقْبَلُ .
فَـرْعٌ
قَالَ : فَإِنْ عَدَّلَهُ اثْنَانِ ، وَجَرَّحَهُ اثْنَانِ ، قِيلَ : يُقْضَى بِأَعْدَلِهِمَا لِأَنَّهُ شَأْنُ التَّعَارُضِ ، وَقِيلَ يُقَدَّمُ الْجَرْحُ ، وَقَالَ : وَلِلِاخْتِلَافِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ : إِنِ اخْتَلَفَا عَنْ مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَقَالَتْ إِحْدَاهُمَا : فَعَلَ كَذَا وَقْتَ كَذَا ، فِي مَوْضِعِ كَذَا ، وَقَالَتِ الْأُخْرَى : لَمْ يَفْعَلْهُ ، قُضِيَ بِالْأَعْدَلِ لِأَنَّهُ تَكَاذَبٌ ، أَوْ عَنْ مَجْلِسَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ ، قُدِّمَ الْجَرْحُ مِمَّا يُخْفِيهِ صَاحِبُهُ ، أَوْ مُتَبَاعِدَيْنِ قُدِّمَ الْأَخِيرُ لِأَنَّهُ نَاسِخٌ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ فِي وَقْتِ الْجَرْحِ كَانَ حَسَنَ الظَّاهِرِ كَمَا هُوَ الْآنَ فَيُقَدَّمُ الْجَرْحُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث