الذخيرة
الذخيرة · الجزء الثالث عشر
النَّوْعُ الثَّانِي : الطَّعَامُ وَالشَّرَابُ
فَفِي " الْجَوَاهِرِ " : يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَيَحْمَدُهُ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقَتْنَا ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ " ، وَلَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَأَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا ، قِيلَ : 257 مَعْنَاهُ عَلَى جَنْبِهِ ، وَقِيلَ يَتَهَيَّأُ لِلطَّعَامِ تَهَيُّؤًا كُلِّيًّا اهْتِمَامًا بِهِ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ ، وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا ; لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاتِّكَاءِ .
وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ وَيَشْرَبُ بِيَمِينِهِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ .
وَيَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُخْتَلِفًا أَلْوَانًا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مَعَ أَعْرَابِيٍّ ثَرِيدًا فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ يَتَعَدَّى جِهَتَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ، فَلَمَّا حَضَرَ التَّمْرُ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ ، فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّرِيدِ ، أَوْ نَحْوِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ سُوءُ أَدِبٍ مِنْ جِهَةِ وَضْعِهِ أَصَابِعَهُ الْوَاصِلَةَ إِلَى فَمِهِ وَرُبَّمَا اسْتَصْحَبَتْ رِيقَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَتِهِ لِذَلِكَ ، وَمَعَ الِاخْتِلَافِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ لِذَلِكَ ، وَرَخَّصَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنْ يَتَعَدَّى مَا يَلِيهِ مُطْلَقًا إِذَا أَكَلَ مَعَ أَهْلِهِ ، وَمَعَ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ مَعَهُ ، وَقَالَهُ مَالِكٌ ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوْلَ الْقَصْعَةِ ، وَإِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ فَأُدِيرَ عَلَيْهِمْ مَا يَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنٍ ، أَوْ مَاءٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، فَلْيَأْخُذْهُ بَعْدَ الْأَوَّلِ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ فَيُقَدَّمُ .
258 وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مَعَ الْقَوْمِ مِثْلَ مَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقَمِ ، وَإِطَالَةِ الْمَضْغِ ، وَالرِّسْلِ فِي الْأَكْلِ ، وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْهَمَ فِي الْأَكْلِ ، وَيُكْثِرَ مِنْهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ " ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ ، وَثُلُثَهُ لِلْمَاءِ ، وَثُلُثَهُ لِلنَّفَسِ ، كَذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ .
وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنَ الدَّسَمِ ، وَفَاهُ ، وَإِنْ كَانَ لَبَنًا ، وَأَمَّا تَعَمُّدُ الْغَسْلِ لِلْأَكْلِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَقَالَ : هُوَ زِيُّ الْأَعَاجِمِ ، وَفِي الصَّحِيحِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ أَمَانٌ مِنَ الْفَقْرِ ، وَبَعْدَهُ أَمَانٌ مِنَ اللَّمَمِ " . قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِيَ : إِنَّمَا أَمْنٌ مِنَ الْفَقْرِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ مَنِ اسْتَهَانَ بِالطَّعَامِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجُوعَ بِالْقَحْطِ وَغَيْرِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَغْسِلْ قَبْلَ الطَّعَامِ فَقَدْ أَهَانَهُ بِخَلْطِ الْوَسَخِ الَّذِي عَلَى الْيَدِ مَعَهُ فَيُخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرُ ، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ بَعْدَ الطَّعَامِ خُشِيَ عَلَيْهِ إِلْمَامُ الْجَانِّ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعِيشُونَ بِالرَّوَائِحِ ، فَإِذَا شَمُّوهُ رُبَّمَا عَبَثُوا بِهِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ وَسَخٌ لَا يَغْسِلُ ; لِأَنَّهُ إِفْسَادٌ لِلْمَاءِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ .
وَلَا يَنْفُخُ فِي طَعَامِهِ ، وَشَرَابِهِ لِمَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِ رِيقِهِ مَعَ النَّفْخِ فَهُوَ قَذَارَةٌ ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ، وَلَكِنْ يُنَحِّيهِ عَنْ فِيهِ ، وَفِي الْحَدِيثِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشْرَبُ ، وَيُنَحِّي عَنْ فِيهِ ثُمَّ يَشْرَبُ " ، وَلِأَنَّ النَّفَسَ تَنْبَعِثُ مَعَهُ الْفَضَلَاتُ فَيُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُنْتِنُ الْإِنَاءَ مَعَ الطُّولِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَشَرِبَ قَائِمًا لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا لَا تَرَى بِالشُّرْبِ قَائِمًا بَأْسًا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِمَا فِي مُسْلِمٍ : لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَبْصُقْ ، قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ 259 عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا ، وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ فِيهِ ، وَيَكُونُ آخِرَهُمْ شُرْبًا ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ قَائِمًا ، قَالَ النَّخَعِيُّ : إِنَّمَا كُرِهَ الشُّرْبُ قَائِمًا لِدَاءٍ يَحْصُلُ فِي الْجَوْفِ .
فَفِي " الْجَوَاهِرِ " : يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ عِنْدَ الِابْتِدَاءِ وَيَحْمَدُهُ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي ذَلِكَ ، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الطَّعَامِ قَالَ : بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيمَا رَزَقَتْنَا ، وَإِذَا فَرَغَ مِنْهُ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيهِ " ، وَلَا يَأْكُلُ مُتَّكِئًا ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : وَأَمَّا أَنَا فَلَا آكُلُ مُتَّكِئًا ، قِيلَ : 257 مَعْنَاهُ عَلَى جَنْبِهِ ، وَقِيلَ يَتَهَيَّأُ لِلطَّعَامِ تَهَيُّؤًا كُلِّيًّا اهْتِمَامًا بِهِ .
وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنِ الرَّجُلِ يَأْكُلُ وَاضِعًا يَدَهُ الْيُسْرَى عَلَى الْأَرْضِ ، فَقَالَ : إِنِّي لَأَتَّقِيهِ وَأَكْرَهُهُ ، وَمَا سَمِعْتُ فِيهِ شَيْئًا ; لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الِاتِّكَاءِ .
وَيَأْكُلُ بِيَمِينِهِ وَيَشْرَبُ بِيَمِينِهِ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : إِذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بِيَمِينِهِ ، وَلَا يَأْكُلْ بِشِمَالِهِ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ .
وَيَأْكُلُ مِمَّا يَلِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الطَّعَامُ مُخْتَلِفًا أَلْوَانًا ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكَلَ مَعَ أَعْرَابِيٍّ ثَرِيدًا فَجَعَلَ الْأَعْرَابِيُّ يَتَعَدَّى جِهَتَهُ ، فَقَالَ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ، فَلَمَّا حَضَرَ التَّمْرُ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ مِنْ جِهَاتٍ عَدِيدَةٍ ، فَقَالَ لَهُ الْأَعْرَابِيُّ : كُلْ مِمَّا يَلِيكَ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّمَا ذَلِكَ فِي الثَّرِيدِ ، أَوْ نَحْوِهِ ، وَلِأَنَّهُ مَعَ عَدَمِ الِاخْتِلَافِ سُوءُ أَدِبٍ مِنْ جِهَةِ وَضْعِهِ أَصَابِعَهُ الْوَاصِلَةَ إِلَى فَمِهِ وَرُبَّمَا اسْتَصْحَبَتْ رِيقَهُ بَيْنَ يَدَيْ جَلِيسِهِ مِنْ غَيْرِ حَاجَتِهِ لِذَلِكَ ، وَمَعَ الِاخْتِلَافِ الْحَاجَةُ دَاعِيَةٌ لِذَلِكَ ، وَرَخَّصَ الشَّيْخُ أَبُو الْوَلِيدِ أَنْ يَتَعَدَّى مَا يَلِيهِ مُطْلَقًا إِذَا أَكَلَ مَعَ أَهْلِهِ ، وَمَعَ مَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْأَدَبُ مَعَهُ ، وَقَالَهُ مَالِكٌ ، وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَكَلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ حَوْلَ الْقَصْعَةِ ، وَإِذَا كَانَ جَمَاعَةٌ فَأُدِيرَ عَلَيْهِمْ مَا يَشْرَبُونَ مِنْ لَبَنٍ ، أَوْ مَاءٍ ، أَوْ نَحْوِهِ ، فَلْيَأْخُذْهُ بَعْدَ الْأَوَّلِ الْأَيْمَنُ فَالْأَيْمَنُ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرِبَ وَعَنْ يَسَارِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَعَنْ يَمِينِهِ أَعْرَابِيٌّ ، فَاسْتَأْذَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ لِأَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَا أُوثِرُ بِنَصِيبِي مِنْكَ أَحَدًا ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ حَقٌّ لَهُ ، وَلِأَنَّ الْيَمِينَ أَفْضَلُ فَيُقَدَّمُ .
258 وَيَنْبَغِي أَنْ يَأْكُلَ الْإِنْسَانُ مَعَ الْقَوْمِ مِثْلَ مَا يَأْكُلُونَ مِنْ تَصْغِيرِ اللُّقَمِ ، وَإِطَالَةِ الْمَضْغِ ، وَالرِّسْلِ فِي الْأَكْلِ ، وَإِنْ خَالَفَ ذَلِكَ عَادَتَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْهَمَ فِي الْأَكْلِ ، وَيُكْثِرَ مِنْهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " مَا مَلَأَ ابْنُ آدَمَ وِعَاءً شَرًّا مِنْ بَطْنِهِ " ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْعَلَ ثُلُثَ بَطْنِهِ لِلطَّعَامِ ، وَثُلُثَهُ لِلْمَاءِ ، وَثُلُثَهُ لِلنَّفَسِ ، كَذَلِكَ وَرَدَ الْحَدِيثُ .
وَيَغْسِلُ يَدَيْهِ مِنَ الدَّسَمِ ، وَفَاهُ ، وَإِنْ كَانَ لَبَنًا ، وَأَمَّا تَعَمُّدُ الْغَسْلِ لِلْأَكْلِ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ ، وَقَالَ : هُوَ زِيُّ الْأَعَاجِمِ ، وَفِي الصَّحِيحِ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : " الْغَسْلُ قَبْلَ الطَّعَامِ أَمَانٌ مِنَ الْفَقْرِ ، وَبَعْدَهُ أَمَانٌ مِنَ اللَّمَمِ " . قَالَ أَرْبَابُ الْمَعَانِيَ : إِنَّمَا أَمْنٌ مِنَ الْفَقْرِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجْرَى عَادَتَهُ أَنَّ مَنِ اسْتَهَانَ بِالطَّعَامِ سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجُوعَ بِالْقَحْطِ وَغَيْرِهِ ، وَإِذَا لَمْ يَغْسِلْ قَبْلَ الطَّعَامِ فَقَدْ أَهَانَهُ بِخَلْطِ الْوَسَخِ الَّذِي عَلَى الْيَدِ مَعَهُ فَيُخْشَى عَلَيْهِ الْفَقْرُ ، وَإِنْ لَمْ يَغْسِلْ بَعْدَ الطَّعَامِ خُشِيَ عَلَيْهِ إِلْمَامُ الْجَانِّ بِهِ ; لِأَنَّهُمْ إِنَّمَا يَعِيشُونَ بِالرَّوَائِحِ ، فَإِذَا شَمُّوهُ رُبَّمَا عَبَثُوا بِهِ ، وَبِهَذَا يَظْهَرُ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى يَدِهِ وَسَخٌ لَا يَغْسِلُ ; لِأَنَّهُ إِفْسَادٌ لِلْمَاءِ بِغَيْرِ حِكْمَةٍ .
وَلَا يَنْفُخُ فِي طَعَامِهِ ، وَشَرَابِهِ لِمَا يُخْشَى مِنْ خُرُوجِ رِيقِهِ مَعَ النَّفْخِ فَهُوَ قَذَارَةٌ ، وَلَا يَتَنَفَّسُ فِي الْإِنَاءِ ، وَلَكِنْ يُنَحِّيهِ عَنْ فِيهِ ، وَفِي الْحَدِيثِ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشْرَبُ ، وَيُنَحِّي عَنْ فِيهِ ثُمَّ يَشْرَبُ " ، وَلِأَنَّ النَّفَسَ تَنْبَعِثُ مَعَهُ الْفَضَلَاتُ فَيُفْسِدُ الْمَاءَ وَيُنْتِنُ الْإِنَاءَ مَعَ الطُّولِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنِ الشُّرْبِ قَائِمًا ، وَشَرِبَ قَائِمًا لِيَدُلَّ عَلَى الْجَوَازِ ، وَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَعُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ، وَعَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا يَشْرَبُونَ قِيَامًا ، وَكَانَتْ عَائِشَةُ وَغَيْرُهَا لَا تَرَى بِالشُّرْبِ قَائِمًا بَأْسًا ، قَالَ الْبَاجِيُّ : عَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ ، وَكَرِهَهُ قَوْمٌ لِمَا فِي مُسْلِمٍ : لَا يَشْرَبُ أَحَدٌ مِنْكُمْ قَائِمًا فَمَنْ نَسِيَ فَلْيَبْصُقْ ، قَالَ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ 259 عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَوْ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ شَرِبَ قَائِمًا ، وَأَصْحَابُهُ جُلُوسٌ فَلَمْ يُوَافِقْهُمْ فِيهِ ، وَيَكُونُ آخِرَهُمْ شُرْبًا ، وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَكْلِ قَائِمًا ، قَالَ النَّخَعِيُّ : إِنَّمَا كُرِهَ الشُّرْبُ قَائِمًا لِدَاءٍ يَحْصُلُ فِي الْجَوْفِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث