الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الصفحة 2115
فَصْلٌ : فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْإِحْصَارُ خَاصًّا ، وَهُوَ أَنْ يَحْبِسَهُ سُلْطَانٌ أَوْ يُلَازِمَهُ غَرِيمٌ ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ حَبْسُ السُّلْطَانِ لَهُ بِحَقٍّ هُوَ قَادِرٌ عَلَى أَدَائِهِ ، وَمُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ لَهُ بِدَيْنٍ هُوَ قَادِرٌ عَلَى وَفَائِهِ ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ : لِأَنَّ الْإِحْصَارَ مِنْ قِبَلِهِ ، وَهُوَ حَابِسُ نَفْسِهِ ، إِذْ قَدْ يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَأَدَاءُ مَا عَلَيْهِ ، فَصَارَ كَمَنِ اخْتَارَ الْمَقَامَ فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ تَقَدُّمِ إِحْرَامِهِ ، فَعَلَى هَذَا إِنْ فَاتَهُ الْحَجُّ تَحَلَّلَ بِطَوَافٍ وَسَعْيٍ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَدَمُ الْفَوَاتِ . وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ حَبْسُ السُّلْطَانِ لَهُ بِظُلْمٍ ، وَمُلَازَمَةُ الْغَرِيمِ لَهُ مَعَ إِعْسَارٍ ، فَهَذَا يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ ، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ ، كَالْإِحْصَارِ الْعَامِّ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَلْزَمُهُ دَمُ الْإِحْصَارِ دُونَ الْقَضَاءِ ، كَالْإِحْصَارِ الْعَامِّ سَوَاءٌ ، إِذْ هُوَ بِهِمَا مَعْذُورٌ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : عَلَيْهِ الْقَضَاءُ مَعَ دَمِ الْإِحْصَارِ .
فَإِنْ قِيلَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الْإِحْصَارِ الْعَامِّ حَيْثُ لَمْ يَجِبُ فِيهِ الْقَضَاءُ ، وَبَيْنَ الْإِحْصَارِ الْخَاصِّ حَيْثُ وَجَبَ فِيهِ الْقَضَاءُ ؟ .
قِيلَ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْأَعْذَارَ الْعَامَّةَ أَدْخَلُ فِي سُقُوطِ الْقَضَاءِ مِنَ الْأَعْذَارِ الْخَاصَّةِ : لِمَا يَلْحَقُ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي إِيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَى الْكَافَّةِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحُجَّاجَ لَوْ أَخْطَأُوا جَمِيعُهُمُ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ فَوَقَفُوا فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ أَجْزَأَهُمْ وَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ لِمَا فِيهِ مِنْ عِظَمِ الْمَشَقَّةِ وَلَوْ أَخْطَأَ وَاحِدٌ فَوَقَفَ فِي الْيَوْمِ الْعَاشِرِ لَمْ يُجْزِهِ ؟ كَذَلِكَ الْإِحْصَارُ الْعَامُّ لَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ ، وَالْإِحْصَارُ الْخَاصُّ يُوجِبُ الْقَضَاءَ ، فَهَذَا حُكْمُ الْمُحْصَرِ فِي الْحِلِّ بِإِحْصَارٍ خَاصٍّ وَعَامٍّ ، وَمَا يَتَعَلَّقُ عَلَيْهِ مِنَ الْأَحْكَامِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث