الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الخامس
الصفحة 2467 · ص. المطبوع 373
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَلَوْ أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ مِنْ حِرْزِهَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهَا قَطَعْنَاهُ ، وَإِذَا صَارَ حُرًّا أَغْرَمْنَاهُ : لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِشَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا لِلَّهِ فِي يَدَيْهِ فَأَخَذْنَاهُ ، وَالْآخَرُ لِلْنَاسِ فِي مَالِهِ ، وَلَا مَالَ لَهُ فَأَخَّرْنَاهُ بِهِ كَالْمُعْسِرِ نُؤَخِّرُهُ بِمَا عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَفَادَ أَغْرَمْنَاهُ وَلَمْ يَجُزْ إِقْرَارُهُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ " .
قَالَ الْمُزَنِيُّ : هَذَا غَلَطٌ : لِأَنَّ هَذَا إِنْ كَانَ صَادِقًا فَإِنْ يَغْرَمْ عَلَى مَوْلَاهُ فَيَقْطَعْ وَيَغْرَمْ مَوْلَاهُ ، وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَذَلِكَ أَبْعَدُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ . إِذَا أَقَرَّ الْعَبْدُ بِسَرِقَةِ مَالٍ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ أَنْ يَلْزَمَهُ الْقَطْعُ فِيهَا أَوْ لَا يَلْزَمُهُ ، فَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ الْقَطْعُ لَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ عَلَى سَيِّدِهِ وَكَانَ كَالْمَالِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ عَنْ إِتْلَافٍ أَوْ جِنَايَةٍ ، وَيَكُونُ فِي ذِمَّةٍ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ وَيَسَارِهِ .
فَإِنْ لَزِمَهُ الْقَطْعُ قُطِعَ فِي الْحَالِ ، لَا يُخْتَلَفُ : لِأَنَّ الْقَطْعَ حَقٌّ فِي يَدِهِ يُنَفِّذُ إِقْرَارُهُ فِيهِ وَلَا يُعْتَبَرُ تَصْدِيقُ السَّيِّدِ لَهُ .
فَأَمَّا الْغُرْمَ فَلَا يَخْلُو حَالُ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُهْلِكَ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عَيْنًا فِي يَدِهِ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ عَيْنًا فِي يَدِ سَيِّدِهِ .
فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا فَفِيهِ قَوْلَانِ :
373 أَحَدُهُمَا : أَنَّ إِقْرَارَهُ يُنَفَّذُ فِيهِ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَيَتَعَلَّقُ الْغُرْمُ بِرَقَبَتِهِ يُبَاعُ بَعْدَ قَطْعِهِ فَيُؤَدِّي فِي سَرِقَتِهِ إِلَّا أَنْ يَخْتَارَ السَّيِّدُ أَنْ يَفْدِيَهُ .
وَوَجْهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ التُّهْمَةَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ تَنْتَفِي عَنْهُ بِوُجُوبِ الْقَطْعِ ، وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ إِذَا انْتَفَتْ عَنْهُ التُّهْمَةُ لَزِمَ وَإِنْ أَوْجَبَ مَالًا ، كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ يَنْفُذُ إِقْرَارُهُ فِيهَا لِاسْتِحْقَاقِ الْقَوَدِ بِهَا ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ إِلَى الْمَالِ بِعَفْوِ الْوَلِيِّ عَنِ الْقَوَدِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ إِقْرَارَهُ بِالْغُرْمِ لَا يُقْبَلُ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَيَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ : لِأَنَّهُ إِقْرَارٌ يَضْمَنُ شَيْئَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَطْعًا وَغُرْمًا ، وَقَدْ يَصِحُّ انْفِرَادُ الْغُرْمِ عَنِ الْقَطْعِ ، فَلَمَّا لَمْ يُتَّهَمْ فِي أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْقَطْعُ قَطَعْنَاهُ ، وَلَمَّا اتُّهِمَ فِي الْآخَرِ وَهُوَ الْغُرْمُ رَدَدْنَاهُ . وَلَيْسَ كَجِنَايَةِ الْعَبْدِ الَّتِي لَا يَنْفَكُّ أَحَدُ مُوجِبِهَا عَنْهَا .
فَأَمَّا إِنْ كَانَ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ عَيْنًا فِي يَدِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ بِإِقْرَارِهِ .
وَأَمَّا نُفُوذُ إِقْرَارِهِ فِي الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ : فَإِنْ قِيلَ إِنَّمَا أَقَرَّ بِاسْتِهْلَاكِهِ لَا يُنَفِّذُ إِقْرَارَهُ فِيهِ ؛ فَالْعَيْنُ الَّتِي بِيَدِهِ أَوْلَى أَنْ لَا يُنَفِّذَ إِقْرَارَهُ فِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ إِقْرَارَهُ فِي غُرْمِ الْمُسْتَهْلِكِ نَافِذٌ عَلَى سَيِّدِهِ ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ هَلْ يُنَفَّذُ إِقْرَارُهُ فِيهَا عَلَى سَيِّدِهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّ إِقْرَارَهُ فِيهَا نَافِذٌ ، وَقَوْلُهُ فِي سَرِقَتِهَا مَقْبُولٌ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ : لِأَنَّهُ لَمَّا قَبِلَ إِقْرَارَهُ فِي الْعُمُومِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ وَإِنْ كَانَتِ الرَّقَبَةُ مِلْكًا لِسَيِّدِهِ ، قَبِلَ إِقْرَارَهُ فِي الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ يَدُهُ يَدًا لِسَيِّدِهِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ إِقْرَارَهُ بِهَا غَيْرُ مَقْبُولٍ : لِأَنَّ يَدَهُ يَدٌ لِسَيِّدِهِ فَصَارَ إِقْرَارُهُ بِهَا كَإِقْرَارِهِ بِمَا فِي يَدِ سَيِّدِهِ .
وَالْفَرْقُ بَيْنَ نُفُوذِ إِقْرَارِهِ فِي الْغُرْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِرَقَبَتِهِ ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُنَفِّذَ فِي الْعَيْنِ الَّتِي بِيَدِهِ أَنَّ الْعَيْنَ رُبَّمَا زَادَتْ قِيمَتُهَا عَلَى قِيمَةِ الرَّقَبَةِ أَضْعَافًا فَيُفْضِي إِقْرَارُهُ إِلَى أَنْ يَسْتَوْعِبَ بِهِ مِلْكَ سَيِّدِهِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْغُرْمُ الْمُتَعَلِّقُ بِالرَّقَبَةِ : لِأَنَّهُ لَا يَتَجَاوَزُهَا وَهُوَ مَحْدُودٌ بِهَا .
وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ : أَنَّ الْعَيْنَ تُرَدُّ عَلَى السَّيِّدِ إِذَا ادَّعَاهَا وَيَتَعَلَّقُ غُرْمُ قِيمَتِهَا فِي رَقَبَتِهِ اسْتِدْرَارًا لِمَا يُخَافُ مِنْ وُفُورِ قِيمَةِ الْعَيْنِ وَاسْتِيعَابِ مَالِ السَّيِّدِ ، فَيَتَعَلَّقُ غُرْمُهَا بِرَقَبَتِهِ حَتَّى لَا يَتَجَاوَزَهَا .
وَأَمَّا إِنْ كَانَ مَا أَقَرَّ بِسَرِقَتِهِ عَيْنًا فِي يَدِ سَيِّدِهِ ؛ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَسَائِرِ أَصْحَابِهِ أَنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِيمَا بِيَدِ سَيِّدِهِ ، بَلْ يَجِبُ غُرْمُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ يُؤَدِّيهِ بَعْدَ عِتْقِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُسْتَرَدُّ الْعَيْنُ مِنْ يَدِ سَيِّدِهِ لِوُجُوبِ قَطْعِهِ وَأَنَّ الْقَطْعَ إِنَّمَا يَجِبُ لِثُبُوتِ سَرِقَتِهِ .
374 وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : أُسْقِطَ الْقَطْعُ عَنْهُ : لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ مِنْ يَدِ سَيِّدِهِ .
وَكِلَا الْمَذْهَبَيْنِ مَدْخُولٌ ، وَتَعْلِيلُ أَبِي حَنِيفَةَ لِرَدِّ الْعَيْنِ بِوُجُوبِ قَطْعِهِ لَا يَصِحُّ : لِأَنَّ الضَّمَانَ قَدْ وَجَبَ فِي ذِمَّتِهِ فَكَانَ وُجُوبُ الضَّمَانِ عَلَيْهِ فِي وُجُوبِ قَطْعِهِ .
وَتَعْلِيلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ لِإِسْقَاطِ قَطْعِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ يَجِبُ رَدُّ الْعَيْنِ مِنْ يَدِ سَيِّدِهِ لَا يَصِحُّ أَيْضًا : لِأَنَّ بَدَلَهُ مُسْتَحَقٌّ فِي ذِمَّتِهِ فَكَانَ الْبَدَلُ مُوجِبًا لِقَطْعِهِ .
فَصْلٌ : فَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ بِالسَّفَهِ ، إِذَا أَقَرَّ بِسَرِقَةٍ ، فَسَوَاءً كَانَ إِقْرَارُهُ بِسَرِقَةِ عَيْنٍ فِي يَدِهِ ، أَوْ بِمُسْتَهْلَكٍ قَدْ تَلِفَ فِي يَدِهِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ تَصْدِيقُ وَلَيِّهِ كَمَا يُعْتَبَرُ فِي الْعَبْدِ تَصْدِيقُ سَيِّدِهِ : لِأَنَّ السَّيِّدَ مَالِكٌ فَجَازَ أَنْ يُلْزَمَ تَصْدِيقُهُ ، وَالْوَلِيُّ غَيْرُ مَالِكٍ فَلَمْ يُلْزَمْ تَصْدِيقُهُ .
فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ، فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ إِقْرَارَ الْعَبْدِ مَقْبُولٌ عَلَى سَيِّدِهِ كَانَ إِقْرَارُ السَّفِيهِ مَقْبُولًا فِي مَالِهِ فَيُقْطَعُ وَيُغَرَّمُ ، وَإِنْ قِيلَ : إِنْ إِقْرَارَ الْعَبْدِ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَأَنَّهُ لَازِمٌ فِي ذِمَّتِهِ ، فَفِي إِقْرَارِ السَّفِيهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّ إِقْرَارَهُ مَقْبُولٌ بِخِلَافِ الْعَبْدِ : لِأَنَّ الْعَبْدَ مُقِرٌّ فِي غَيْرِ مِلْكٍ ، فَلَمْ يُقْبَلْ إِقْرَارُهُ مِنْهُ ، وَالسَّفِيهُ مُقْرِضُ مِلْكٍ ، فَيُنَفَّذُ إِقْرَارُهُ فِيهِ . فَعَلَى هَذَا يُقْطَعُ وَيُغَرَّمُ السَّرِقَةَ فِي مَالِهِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ إِقْرَارَهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ : لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَالِكًا فَالْحَجْرُ قَدْ مُنِعَ مِنْ نُفُوذِ إِقْرَارِهِ فِيهِ ، فَصَارَ أَسْوَأُ حَالًا مِنَ الْعَبْدِ : لِأَنَّ لِلْعَبْدِ ذِمَّةً يَثْبُتُ الْغُرْمُ فِيهَا إِذَا أُعْتِقَ ، وَلَيْسَ لِلسَّفِيهِ ذِمَّةٌ يَثْبُتُ فِيهَا الْغُرْمُ .
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ سَقَطَ الْغُرْمُ عَنْهُ فِي حَالِ الْحَجْرِ وَبَعْدَ فَكِّ الْحَجْرِ . وَفِي وُجُوبِ قَطْعِهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا قَطْعَ لِسُقُوطِ الْغُرْمِ .
وَالثَّانِي : يُقْطَعُ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ الْغُرْمَ بِالْإِبْرَاءِ بَعْدَ الْوُجُوبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث