الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء السابع
الصفحة 3376 · ص. المطبوع 196
فَصْلٌ : وَلَوْ غَصَبَ مِنْهُ تَمْرًا فَعَمِلَهُ دِبْسًا ، أَوْ سِمْسِمًا فَعَصَرَهُ شَيْرَجًا ، أَوْ زَيْتُونًا فَاعْتَصَرَهُ زَيْتًا ، فَلِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ وَيَرْجِعَ بِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِيهِ فَإِنْ تَرَكَ ذَلِكَ عَلَى الْغَاصِبِ وَطَالَبَهُ بِالْبَدَلِ عَنْ أَصْلِ مَا غَصَبَهُ فَلَا يَخْلُو حَالُ الشَّيْءِ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : إِمَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلٌ ، أَوْ مَا لَا مِثْلَ لَهُ . فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا مِثْلَ لَهُ كَالتَّمْرِ اللَّصِيقِ الْمَكْنُوزِ بِالْبَصْرَةِ رَجَعَ عَلَى الْغَاصِبِ بِمَا اسْتَخْرَجَهُ مِنْ دِبْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مَالِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُطَالَبَةُ بِقِيمَةِ تَمْرِهِ ؛ لِأَنَّ أَجْزَاءَ الْمَغْصُوبِ أَخَصُّ مِنْ قِيمَتِهِ وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالسِّمْسِمِ ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ بِمَثَابَةِ مَا لَا مِثْلَ لَهُ فِي اسْتِرْجَاعِ مَا اسْتَخْرَجَ مِنْهُ تَعْلِيلًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الْمَغْصُوبَ مِنْهُ يَسْتَحِقُّ الْمُطَالَبَةَ بِمِثْلِ الْأَصْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْمَغْصُوبِ مِنْ أَجْزَائِهِ فَلَوِ اسْتَهْلَكَ مَا قَدِ اسْتَخْرَجَهُ مِنَ الْمَغْصُوبِ فَهُوَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ كَالتَّمْرِ الْمَكْنُوزِ إِذَا اسْتَخْرَجَ دِبْسَهُ بِالْمَاءِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنَ التَّمْرِ ، وَالدِّبْسِ غَيْرُ ذِي مِثْلٍ فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِثْلِ الْأَصْلِ مِنَ الْحِنْطَةِ ، وَلَا يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الدَّقِيقِ بِأَكْثَرِ مِنْ قِيمَتِهِ تَمْرًا ، أَوْ دِبْسًا .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ كَالْحِنْطَةِ إِذَا طَحَنَهَا دَقِيقًا فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمِثْلِ الْأَصْلِ مِنَ الْحِنْطَةِ ، وَلَا يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الدَّقِيقِ ؛ لِأَنَّ ذِي الْمِثْلِ أَوْلَى مِنْ قِيمَتِهِ فَإِنْ كَانَتِ الْحِنْطَةُ بَعْدَ الطَّحْنِ قَدْ زَادَتْ قِيمَتُهَا 196 دَقِيقًا عَلَى قِيمَتِهَا حَبًّا اسْتَحَقَّ الْمَغْصُوبُ مِنْهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْغَاصِبِ بَعْدَ أَخْذِ الْمِثْلِ بِقَدْرِ الزِّيَادَةِ فِي الدَّقِيقِ كَمَا لَوْ غَصَبَ مِنْهُ جَارِيَةً فَسَمِنَتْ ثُمَّ رَدَّهَا بَعْدَ ذَهَابِ السِّمَنِ ضَمِنَ نَقْصَ السِّمَنِ الْحَادِثِ فِي يَدِهِ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ فَلَأَنْ يَضْمَنَ نَقْصَ الزِّيَادَةِ مَعَ اسْتِرْجَاعِ الْمِثْلِ أَوْلَى . وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ بِمَا لَيْسَ لَهُ مِثْلٌ ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالزَّيْتُونِ إِذَا اعْتَصَرَهُ زَيْتًا ؛ لِأَنَّ لِلزَّيْتِ مِثْلٌ وَلَيْسَ لِلزَّيْتُونِ مِثْلٌ فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ بِمِثْلِ الزَّيْتِ الْمُسْتَخْرَجِ وَبِنَقْصٍ إِنْ حَدَثَ فِي الزَّيْتُونِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا صَارَ الْمَغْصُوبُ ذَا مِثْلٍ كَانَ الْمِثْلُ أَوْلَى مِنْ قِيمَةِ الْأَصْلِ لِتَقْدِيمِ الْمِثْلِ عَلَى الْقِيمَةِ .
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ الْأَصْلُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ ، وَالْمُسْتَخْرَجُ مِنْهُ مِمَّا لَهُ مِثْلٌ كَالسِّمْسِمِ إِذَا اعْتَصَرَهُ شَيْرَجًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ السِّمْسِمِ ، وَالشَّيْرَجِ مِثْلٌ فَيَكُونُ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ الْخِيَارُ فِي الرُّجُوعِ بِمِثْلِ أَيِّهِمَا شَاءَ مِنَ السِّمْسِمِ ، أَوِ الشَّيْرَجِ لِثُبُوتِ مِلْكِهِ عَلَى كُلٍّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْدَ الْغَصْبِ فَإِنْ رَجَعَ بِالسِّمْسِمِ وَكَانَ أَنْقَصَ ثَمَنًا مِنَ الشَّيْرَجِ فَأَرَادَ نَقْصَهُ لَمْ يَجُزْ وَقِيلَ إِنْ رَضِيتَ بِهِ ، وَإِلَّا فَاعْدِلْ عَنْهُ إِلَى الشَّيْرَجِ ، وَلَا أَرْشَ لَكَ ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ مِلْكٍ مُسْتَهْلَكٍ وَلِكُلِّ حَقِّكَ مِثْلٌ فَلَا مَعْنَى لِأَخْذِ الْأَصْلِ مَعَ الْأَرْشِ مَعَ اسْتِحْقَاقِكَ لِمِثْلٍ لَا يَدْخُلُهُ أَرْشٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث