الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء السابع
الصفحة 3423 · ص. المطبوع 234
فَصْلٌ : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ فَهِيَ عِرَاصُ الْأَرَضِينَ ، وَمَا يَتْبَعُهَا مُتَّصِلًا دُونَ غَيْرِهَا ، وَجُمْلَةُ الْأَشْيَاءِ أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :
أَحَدُهَا : مَا وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ مَقْصُودًا وَهِيَ عِرَاصُ الْأَرَضِينَ الْمُحْتَمِلَةُ لِقِسْمَةِ الْإِجْبَارِ ، فَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ لِصِغَرِهَا كَالطَّرِيقِ الضَّيِّقَةِ وَبَيَاضِ الْبِيرِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ : يَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَعْلِيلًا بِسُوءِ الْمُشَارَكَةِ وَاسْتِدَامَةِ الضَّرَرِ بِهَا لِتَعَذُّرِ الْقِسْمَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ فِيهَا تَعْلِيلًا فِي وُجُوبِهَا بِالْخَوْفِ مِنْ مَئُونَةِ الْقِسْمَةِ وَأَنَّ مَا لَا يَنْقَسِمُ جَبْرًا فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ لِارْتِفَاعِ الضَّرَرِ بِمَئُونَةِ الْقِسْمَةِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ : ۝ لَا شُفْعَةَ فِي فِنَاءٍ ، وَلَا طَرِيقٍ ، وَلَا مَنْقَبَةٍ ، وَلَا رُكْحٍ ، وَلَا رَهْوَةٍ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمَنْقَبَةُ : الطَّرِيقُ الضَّيِّقَةُ بَيْنَ الدَّارَيْنِ ، وَالرُّكْحُ : نَاحِيَةُ الْبَيْتِ مِنْ وَرَائِهِ ، وَمَا كَانَ فَضَاءً لَا بِنَاءَ فِيهِ ، يَعْنِي إِذَا كَانَ لِلسَّابِلَةِ ، وَالْمَارَّةِ ، وَالرَّهْوَةُ : الْجَوْبَةُ تَكُونُ فِي مَحَلَّةِ الْقَوْمِ يَسِيلُ فِيهَا مَاءُ الْمَطَرِ وَغَيْرُهُ " .
وَالْقِسْمُ الثَّانِي : مَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا وَهُوَ الْبِنَاءُ ، وَالْغَرْسُ ، إِنْ كَانَ مَبِيعًا مَعَ الْأَرْضِ وَجَبَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ تَبَعًا لِلْأَرْضِ إِنْ كَانَ فِيهَا مَا يَحْتَمِلُ قِسْمَةَ الْإِجْبَارِ وَإِنْ لَمْ تَحْتَمِلْهَا لَمْ تَجِبْ فِيهِ الشُّفْعَةُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَوَجَبَتْ فِيهِ عِنْدَ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَإِنْ كَانَ الْبِنَاءُ وَالْغَرْسُ مُنْفَرِدًا عَنِ الْأَرْضِ فِي الْبَيْعِ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَأَبِي حَنِيفَةَ .
وَقَالَ مَالِكٌ : تَجِبُ الشُّفْعَةُ فِي الْبِنَاءِ الْمُفْرَدِ وَفِي الْغِرَاسِ وَفِي الثِّمَارِ ، وَالْمَقَاتِي ، وَالْمَبَاطِحِ لِاتِّصَالِهِ بِعِرَاصِ الْأَرْضِ الْمُسْتَحَقِّ فِيهَا الشُّفْعَةُ ؛ وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ فَإِذَا وَقَعَتِ الْحُدُودُ فَلَا شُفْعَةَ فَجَعَلَ حُدُودَ الْقِسْمَةِ شَرَطًا فِي إِبْطَالِ الشُّفْعَةِ فَدَلَّ عَلَى اسْتِحْقَاقِهَا فِيمَا يُجْبَرُ فِيهِ عَلَى الْقِسْمَةِ ، وَلِأَنَّ الْبِنَاءَ ، وَالْغِرَاسَ تَبَعٌ لِأَصْلِهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْتَحِقَّ فِي الْأَرْضِ شُفْعَةً لِخُرُوجِهَا عَنِ الْعَقْدِ ، لَمْ يَجِبْ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ شُفْعَةٌ وَإِنْ دَخَلَتْ فِي الْعَقْدِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنْ لَا شُفْعَةَ فِيمَا أُفْرِدَ بِالْبَيْعِ مِنَ الْبِنَاءِ ، وَالْغِرَاسِ ، وَكَانَتْ دَارٌ ذَاتُ عُلُوٍّ مُشْتَرَكٍ 234 وَسُفْلُهَا لِغَيْرِ الشُّرَكَاءِ فِي عُلُوِّهَا فَبَاعَ أَحَدُ الشُّرَكَاءِ فِي الْعُلُوِّ حَقَّهُ نُظِرَ فِي السَّقْفِ فَإِنْ كَانَ لِأَرْبَابِ السُّفْلِ فَلَا شُفْعَةَ فِي الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنَ الْعُلُوِّ ؛ لِأَنَّهَا بِنَاءٌ مُنْفَرِدٌ وَإِنْ كَانَ السَّقْفُ لِأَرْبَابِ الْعُلُوِّ فَفِي وُجُوبِ الشُّفْعَةِ فِي الْحِصَّةِ الْمَبِيعَةِ مِنْهُ وَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا : لَا شُفْعَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتْبَعُ أَرْضًا ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي : فِيهِ الشُّفْعَةُ ؛ لِأَنَّ السَّقْفَ كَالْعَرْصَةِ .
وَلِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِ الصُّلْحِ : إِنَّ السَّقْفَ أَرْضٌ لِصَاحِبِ الْعُلُوِّ وَلِأَنَّهُ إِذَا حَازَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنَ الْبِنَاءِ وَالسَّقْفِ ، أَمْكَنَ سُكْنَاهُ كَالْأَرْضِ .
الْقِسْمُ الثَّالِثُ : مَا لَا تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ لَا مَقْصُودًا ، وَلَا تَبَعًا وَهُوَ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ سِوَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : الشُّفْعَةُ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ مُشْتَرَكٍ فِي مَتَاعٍ وَحَيَوَانٍ وَغَيْرِهِ مِنْ صُنُوفِ الْأَمْوَالِ ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ مَعَهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث