الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء السابع
الصفحة 3849 · ص. المطبوع 484
فَصْلٌ : وَأَمَّا حِمَى الْإِمَامِ بَعْدَهُ ، فَإِنْ أَرَادَ الْحِمَى لِنَفْسِهِ ، أَوْ لِأَهْلِهِ ، أَوْ لِلْأَغْنِيَاءِ خُصُوصًا لَمْ يَجُزْ وَكَانَ مَا حَمَاهُ مُبَاحًا لِمَنْ أَحْيَاهُ ، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَحْمِيَ لِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ وَنَعَمِ الْجِزْيَةِ وَالصَّدَقَةِ وَمَوَاشِي الْفُقَرَاءِ نُظِرَ ، فَإِنْ كَانَ الْحِمَى يَضُرُّ بِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَغْنِيَائِهِمْ لِضِيقِ الْكَلَأِ عَلَيْهِمْ بِحِمَى أَكْثَرِ مَوَاتِهِمْ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَضُرُّ بِهِمْ : لِأَنَّهُ قَلِيلٌ مِنْ كَثِيرٍ يَكْتَفِي الْمُسْلِمُونَ بِمَا بَقِيَ مِنْ مَوَاتِهِمْ ، فَفِيهِ قَوْلَانِ .
أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ أَنْ يَحْمِيَ ، لِرِوَايَةِ مُجَاهِدٍ ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءٌ فِي ثَلَاثٍ : الْمَاءُ ، وَالنَّارُ ، وَالْكَلَأُ وَثَمَنُهُ حَرَامٌ .
رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حَمَى الْبَقِيعَ وَقَالَ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْمِيَ ، لِمَا فِيهِ مِنْ صَلَاحِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلِمَا رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - حَمَى بِالرَّبَذَةِ لِإِبِلِ الصَّدَقَةِ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ مَوْلَاهُ أَبُو أُسَامَةَ وَتَوَلَّاهُ عَلَيْهِ قُرْطُ بْنُ مَالِكٍ ، وَحَمَى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - الشَّرَفَ فَحَمَى مِنْهُ نَحْوَ مَا حَمَى أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - بِالرَّبَذَةِ وَوَلَّى عَلَيْهِ مَوْلًى لَهُ يُقَالُ لَهُ : هُنَيُّ وَقَالَ : يَا هُنَيُّ ، ضُمَّ جَنَاحَكَ عَنِ النَّاسِ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ مُجَابَةٌ ، وَأَدْخِلْ رَبَّ الصَّرِيمَةِ وَرَبَّ الْغَنِيمَةِ ، وَإِيَّاكَ وَنَعَمَ ابْنِ عَفَّانَ وَنَعَمَ ابْنِ عَوْفٍ ، فَإِنَّهُمَا إِنْ تَهْلِكْ مَاشِيَتُهُمَا يَرْجِعَانِ إِلَى نَخْلٍ وَزَرْعٍ ، وَإِنَّ رَبَّ 484 الصَّرِيمَةِ وَالْغَنِيمَةِ يَأْتِينِي بِعِيَالِهِ فَيَقُولُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، أَتَارِكُهُمْ أَنَا ؟ لَا أَبَا لَكَ ، فَالْكَلَأُ أَهْوَنُ عَلَيَّ مِنَ الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ ، وَايْمُ اللَّهِ نُودِيَ أَنِّي قَدْ طَلَحْتُهُمْ إِنَّمَا أَكْلَأُهُمْ ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا الْمَالُ الَّذِي أَحْمِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا حَمَيْتُ عَلَيْهِمْ مِنْ بِلَادِهِمْ شِبْرًا .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : ۝ الْمُسْلِمُونَ شُرَكَاءٌ فِي ثَلَاثٍ فَهُوَ عَامٌّ خَصَّ مِنْهُ الْحِمَى عَلَى أَنَّ الْحِمَى يُشْرَكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ : لِأَنَّ نَفْعَ الْحِمَى يَعُودُ عَلَى كَافَّتِهِمْ مِنَ الْفُقَرَاءِ وَالْأَغْنِيَاءِ ، أَمَّا الْفُقَرَاءُ فَلِأَنَّهُ مَرْعَى صَدَقَاتِهِمْ ، وَأَمَّا الْأَغْنِيَاءُ فَلِخَيْلِ الْمُجَاهِدِينَ عَنْهُمْ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا حِمَى إِلَّا لِلَّهِ . فَمَعْنَاهُ لَا حِمَى إِلَّا أَنْ يُقْصَدَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَيُسَلِّمُ فِيمَا حَمَاهُ لِلْفُقَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مَصَالِحِهِمْ ، وَخَالَفَ فِيهِ فِعْلَ الْجَاهِلِيَّةِ ، فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ إِذَا اسْتَوْلَى عَلَى بَلَدٍ أَوْفَى بِكَلْبٍ فَجَعَلَهُ عَلَى جَبَلٍ ، أَوْ عَلَى شَيْءٍ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْوَاهُ ، فَحَيْثُ انْتَهَى عُوَاهُ حَمَاهُ لِنَفْسِهِ فَلَا يَرْعَى فِيهِ غَيْرُهُ وَيُشَارِكُ النَّاسَ فِيمَا سِوَاهُ ، وَهَكَذَا كَانَ كُلَيْبُ بْنُ وَائِلٍ إِذَا أَعْجَبَتْهُ رَوْضَةٌ أَلْقَى فِيهَا كَلْبًا وَحَمَى إِلَى مُنْتَهَى عُوَائِهِ ، وَفِيهِ يَقُولُ مَعْبَدُ بْنُ شُعْبَةَ الضَّبِّيُّ :
﴿﴾ كَفِعْلِ كُلَيْبٍ كُنْتُ أُنْبِئْتُ أَنَّهُ ﴿﴾ ﴿﴾ مُخَطَّطٌ أَكَلَأَ الْمِيَاهَ وَيَمْنَعُ ﴿﴾ وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ :
﴿﴾ كَمَا بَغِيَهَا كُلَيْبٌ لِظُلْمَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مِنَ الْعِزِّ حَتَّى ضَاعَ وَهُوَ قَتْلُهَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى وَائِلٍ أَنْ يَتْرُكَ الْكَلْبَ هَائِجًا ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِذْ يَمْنَعُ الْإِكْلَأَ مِنْهَا حَوْلَهَا ﴿﴾
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث