الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثامن
الصفحة 4243 · ص. المطبوع 195
فَصْلٌ : وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِمَسْجِدٍ أَوْ رِبَاطٍ أَوْ قَنْطَرَةٍ فَجَائِزَةٌ ، وَتُصْرَفُ فِي عِمَارَتِهِ : لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى الْمِلْكُ عَنْ هَذَا كُلِّهِ تَوَجَّهَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى مَصَالِحِهِمْ .
وَأَمَّا الْوَصِيَّةُ لِلْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ فَبَاطِلَةٌ : لِأَنَّهَا مَجْمَعُ مَعَاصِيهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْوَصِيَّةُ بِكُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ ، لِتَبْدِيلِهَا وَتَغْيِيرِهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُوصِي مُسْلِمًا أَوْ كَافِرًا ، وَأَجَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ مِنَ الْكَافِرِ دُونَ الْمُسْلِمِ ، كَمَا أَجَازَ وَصِيَّتَهُ بِالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ .
وَهَذَا فَاسِدٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ [ الْمَائِدَةِ : 49 ] .
وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ : فِي الْمُوصَى بِهِ .
فَهُوَ كُلُّ مَا جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ مَالٍ وَمَنْفَعَةٍ ، جَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ عَيْنًا أَوْ دَيْنًا حَاضِرًا ، أَوْ غَائِبًا مَعْلُومًا أَوْ مَجْهُولًا مُشَاعًا أَوْ مُفْرَزًا .
وَلَا تَجُوزُ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مَنْفَعَةٍ ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ غَيْرِ الْمُعَلَّمِ .
وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِالثُّلُثِ ، وَلَيْسَ لِلْمُوصِي الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ : لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِسَعْدٍ : ۝ الثُّلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ .
وَأَوْلَى الْأَمْرَيْنِ بِهِ أَنْ يُعْتَبَرَ حَالُ وَرَثَتِهِ ، فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ ، كَانَ النُّقْصَانُ مِنَ الثُّلُثِ أَوْلَى مِنِ اسْتِيعَابِ الثُّلُثِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَنَّهُ قَالَ : " لَأَنْ أُوصِيَ بِالسُّدُسِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِيَ بِالرُّبُعِ ، وَالرُّبُعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الثُّلُثِ " .
وَإِنْ كَانَ وَرَثَتُهُ أَغْنِيَاءَ وَكَانَ فِي مَالِهِ سِعَةٌ ، فَاسْتِيفَاءُ الثُّلُثِ أَوْلَى بِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ : " الثُلُثُ وَسَطٌ ، لَا بَخْسٌ فِيهِ وَلَا شَطَطٌ " .
وَلَوِ اسْتَوْعَبَ الثُّلُثَ مِنْ قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ مَعَ فَقْرِ الْوَرَثَةِ ، وَغِنَاهُمْ ، وَصِغَرِهِمْ ، وَكِبَرِهِمْ ، كَانَتْ وَصِيَّةً مُمْضَاةً بِهِ .
وَأَمَّا الزِّيَادَةُ عَلَى الثُّلُثِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فِي قَلِيلِ الْمَالِ وَكَثِيرِهِ : لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَنَعَ سَعْدًا مِنَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ وَقَالَ : ۝ الثُلُثُ ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ .
فَإِنْ وَصَّى بِأَكْثَرِ مِنَ الثُّلُثِ أَوْ بِجَمِيعِ مَالِهِ ، نُظِرَ : 195 فَإِنْ كَانَ لَهُ وَارِثٌ ، كَانَتِ الْوَصِيَّةُ مَوْقُوفَةً عَلَى إِجَازَتِهِ وَرَدِّهِ ، فَإِنْ رَدَّهَا رَجَعَتِ الْوَصِيَّةُ إِلَى الثُّلُثِ ، وَإِنْ أَجَازَهَا صَحَّتْ ، ثُمَّ فِيهَا قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ إِجَازَةَ الْوَرَثَةِ ابْتِدَاءً عَطِيَّةٌ مِنْهُمْ ، لَا تَتِمُّ إِلَّا بِالْقَبْضِ ، وَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا مَا لَمْ يَقْبِضْ ، وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْقَبْضِ بَطَلَتْ كَالْهِبَةِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : إِجَازَةُ الْوَرَثَةِ إِمْضَاءٌ لِفِعْلِ الْمُوصِي ، فَلَا تَفْتَقِرُ إِلَى قَبْضٍ ، وَتَتِمُّ بِإِجَازَةِ الْوَارِثِ ، وَقَبُولِ الْمُوصَى لَهُ ، لَيْسَ الرُّجُوعُ بَعْدَ الْإِجَازَةِ ، وَلَا تُبْطَلُ الْوَصِيَّةُ بِمَوْتِهِ بَعْدَ إِجَازَتِهِ وَقَبْلَ إِقْبَاضِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث