الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثامن
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَيُعْطَى مِنَ الْفَيْءِ رِزْقُ الْحُكَّامِ وَوُلَاةِ الْأَحْدَاثِ وَالصَّلَاةِ لِأَهْلِ الْفَيْءِ وَكُلِّ مَنْ قَامَ بِأَمْرِ أَهْلِ الْفَيْءِ مِنْ وَالٍ وَكَاتِبٍ وَجُنْدِيٍّ مِمَّنْ لَا غَنَاءَ لِأَهْلِ الْفَيْءِ عَنْهُ رِزْقُ مِثْلِهِ ، فَإِنْ وُجِدَ مَنْ يُغْنِي غَنَاءَهُ وَكَانَ أَمِينًا بِأَقَلَّ لَمْ يَزِدْ أَحَدًا عَلَى أَقَلِّ مَا يَجِدُ : لِأَنَّ مَنْزِلَةَ الْوَالِي مِنْ رَعِيَّتِهِ مَنْزِلَةُ وَالِي الْيَتِيمِ مِنْ مَالِهِ لَا يُعْطِي مِنْهُ عَنِ الْغَنَاءِ لِلْيَتِيمِ أَقَلَّ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَمَنْ وَلِيَ عَلَى أَهْلِ الصَّدَقَاتِ كَانَ رِزْقُهُ مِمَّا يُؤْخَذُ مِنْهَا لَا يُعْطَى مِنَ الْفَيْءِ عَلَيْهَا كَمَا لَا يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَاتِ عَلَى الْفَيْءِ .
( قَالَ ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي قَسْمِ الْفَيْءِ وَذَهَبُوا مَذَاهِبَ لَا أَحْفَظُ عَنْهُمْ تَفْسِيرَهَا وَلَا أَحْفَظُ أَيُّهُمْ قَالَ مَا أَحْكِي مِنَ الْقَوْلِ دُونَ مَنْ خَالَفَهُ ، وَسَأَحْكِي مَا حَضَرَنِي مِنْ مَعَانِي كُلِّ مَنْ قَالَ فِي الْفَيْءِ شَيْئًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا الْمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى دَلَّ عَلَى مَنْ يُعْطَاهُ ، فَإِذَا اجْتَهَدَ الْوَالِي فَفَرَّقَهُ فِي جَمِيعِ مَنْ سَمَّى لَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَإِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطَاءِ فَذَلِكَ تَسْوِيَةٌ إِذَا كَانَ مَا يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَدَّ خَلَّتَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صِنْفًا مِنْهُمْ وَيَحْرِمَ صِنْفًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِذَا اجْتَمَعَ الْمَالُ نَظَرَ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَى أَنْ يَصْرِفَ الْمَالَ إِلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَرْفَقَ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَرَفَهُ وَحَرَمَ غَيْرَهُ ، وَيُشْبِهُ قَوْلَ الَّذِي يَقُولُ هَذَا أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الْمَالَ صِنْفَانِ ، وَكَانَ إِذَا حُرِمَهُ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ تَمَاسَكَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ كَانَتْ عَلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ أَعْطَاهُ الَّذِينَ فِيهِمُ الْخَلَّةُ الْمُضِرَّةُ كُلَّهُ .
( قَالَ ) ثُمَّ قَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ إِذَا صَرَفَ مَالَ الْفَيْءِ إِلَى نَاحِيَةٍ فَسَدَّهَا وَحَرَمَ أُخْرَى ، ثُمَّ جَاءَهُ مَالٌ آخَرُ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ دُونَ النَّاحِيَةِ الَّتِي سَدَّهَا فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَجَّلَ أَهْلَ الْخَلَّةِ وآخَّرَ غَيْرَهُمْ حَتَّى أَوْفَاهُمْ بَعْدُ .
( قَالَ ) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ يُعْطَى مَنْ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَاتِ وَلَا مُجَاهِدًا مِنَ الْفَيْءِ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ : وَإِنْ أَصَابَتْ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ سَنَةٌ فَهَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ ، أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مُنِعُوا الْفَيْءَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي مَالِ الصَّدَقَاتِ هَذَا الْقَوْلُ يَرُدُّ بَعْضَ مَالِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ وَأَحْفَظُ 457 عَمَّنْ أَرْضَى مِمَّنْ سَمِعْتُ أَلَّا يُؤَخَّرَ الْمَالُ إِذَا اجْتَمَعَ ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ ، فَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةٌ مِنْ عَدُوٍّ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِهَا وَإِنْ غَشِيَهُمْ عَدُوٌّ فِي دَارِهِمْ وَجَبَ النَّفِيرُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ غَشِيَهُ أَهْلُ الْفَيْءِ وَغَيْرُهُمْ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالٌ أُصِيبَ بَالْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ : أَلَا نُدْخِلُهُ بَيْتَ الْمَالِ ؟ قَالَ لَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يَأْوِي تَحْتَ سَقْفِ بَيْتٍ حَتَّى أُقَسِّمَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَوُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ وَوُضِعَتْ عَلَيْهِ الْأَنْطَاعُ وَحَرَسَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بِنُ عَوْفٍ آَخِذًا بِيَدِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا آَخِذٌ بِيَدِهِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ كَشَفُوا الْأَنْطَاعَ عَنِ الْأَمْوَالِ فَرَأَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ ، الذَّهَبُ فِيهِ وَالْيَاقُوتُ وَالزَّبَرْجَدُ وَاللُّؤلؤُ يَتَلَأْلَأُ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا : إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِيَوْمِ بُكَاءٍ ، لَكِنَّهُ وَاللَّهِ يَوْمُ شُكْرٍ وَسُرُورٍ ، فَقَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا ذَهَبْتُ حَيْثُ ذَهَبْتَ ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كَثُرَ هَذَا فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مُسْتَدْرَجًا ، فَإِنِّي أَسْمَعُكَ تَقُولُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، ثُمَّ قَالَ أَيْنَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ ؟ فَأُتِيَ بِهِ أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ دَقِيقَهُمَا فَأَعْطَاهُ سُوَارَيْ كِسْرَى وَقَالَ الْبَسْهُمَا ، فَفَعَلَ ، فَقَالَ : قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، قَالَ : فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ . وَإِنَّمَا أَلْبَسَهُ إِيَّاهُمَا : لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسُرَاقَةَ وَنَظَرَ إِلَى ذِرَاعِهِ : " كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ لَبِسْتَ سُوَارَيْ كِسْرَى " وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ إِلَّا سُوَارَيْهِ وَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ الَّذِي أَدَّى هَذَا لِأَمِينٌ ، فَقَالَ قَائِلٌ أَنَا أُخْبِرُكَ أَنَّكَ أَمِينُ اللَّهِ وَهُمْ يُؤدُّونَ إِلَيْكَ مَا أَدَّيْتَ إِلَى اللَّهِ ، فَإِذَا رَتَعْتَ رَتَعُوا ، قَالَ صَدَقْتَ ، ثُمَّ فَرَّقَهُ .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَأَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ : أَنْفَقَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الرَّمَادَةِ فِي مَقَامِهِمْ حَتَّى وَقَعَ مَطَرٌ فَتَرَحَّلُوا فَخَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَاكِبًا إِلَيْهِمْ فَرَسًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَيْفَ يَترَحَّلُونَ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مُحَارِبِ خَصَفَةَ : أَشْهَدُ أَنَّهَا انْحَسَرَتْ عَنْكَ وَلَسْتَ بِابْنِ أُمَيَّةَ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَيْلَكَ ذَاكَ لَوْ كُنْتُ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِي أَوْ مَالِ الْخَطَّابِ ، إِنَّمَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَكُتَّابُهُمْ وَقُضَاتُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَمُؤَذِّنِيهِمْ وَعُمَّالُهُمْ فَفِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ، وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ بَيْنَ الْكَافَّةِ وَوُلَاةِ الْأَحْدَاثِ وَهُمْ أَصْحَابُ الشُّرْطِ وَأَئِمَّةُ الْجَوَامِعِ وَالْمُؤَذِّنُونَ فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ ، أُعْطُوا مِنْهَا أَرْزَاقَهُمْ .
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ مِلْكٌ لِلْجَيْشِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَوْا مِنْهُ وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنَ الْخُمُسِ وَهُوَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَصْرُوفُ بَعْدَهُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ ، وَإِذَا وَجَدَ الْإِمَامُ مُتَطَوِّعًا بِالْقَضَاءِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَ عَلَيْهِ رِزْقًا ، وَإِذَا وَجَدَ مُرْتَزِقًا بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ 458 مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُكْمِلَ لَهُ جَمِيعَ أُجْرَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مُسْتَوْفِيًا لِأُجْرَتِهِ وَفَّاهُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ : لِأَنَّهُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ .
فَأَمَّا عُمَّالُ الصَّدَقَاتِ فَأَرْزَاقُهُمْ مِنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْزَقُوا مِنْ مَالِ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا . فَأَمَّا مَالُ الْفَيْءِ وَمَالُ الصَّدَقَاتِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَمَصْرِفُهُمَا مُتَمَيِّزَانِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرَكَ بَيْنَهُمَا وَلَا أَنْ يُعَدَلَ بِأَحَدِهِمَا إِلَى مَصْرِفِ الْآخَرِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ قَهَرَهُ بِالدَّلِيلِ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ .
( قَالَ ) وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فِي قَسْمِ الْفَيْءِ وَذَهَبُوا مَذَاهِبَ لَا أَحْفَظُ عَنْهُمْ تَفْسِيرَهَا وَلَا أَحْفَظُ أَيُّهُمْ قَالَ مَا أَحْكِي مِنَ الْقَوْلِ دُونَ مَنْ خَالَفَهُ ، وَسَأَحْكِي مَا حَضَرَنِي مِنْ مَعَانِي كُلِّ مَنْ قَالَ فِي الْفَيْءِ شَيْئًا ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هَذَا الْمَالُ لِلَّهِ تَعَالَى دَلَّ عَلَى مَنْ يُعْطَاهُ ، فَإِذَا اجْتَهَدَ الْوَالِي فَفَرَّقَهُ فِي جَمِيعِ مَنْ سَمَّى لَهُ عَلَى قَدْرِ مَا يَرَى مِنِ اسْتِحْقَاقِهِمْ بِالْحَاجَةِ إِلَيْهِ وَإِنْ فَضَّلَ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْعَطَاءِ فَذَلِكَ تَسْوِيَةٌ إِذَا كَانَ مَا يُعْطَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ سَدَّ خَلَّتَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ صِنْفًا مِنْهُمْ وَيَحْرِمَ صِنْفًا . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِذَا اجْتَمَعَ الْمَالُ نَظَرَ فِي مَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَى أَنْ يَصْرِفَ الْمَالَ إِلَى بَعْضِ الْأَصْنَافِ دُونَ بَعْضٍ ، فَإِنْ كَانَ الصِّنْفُ الَّذِي يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ شَيْءٍ مِمَّا يَصْرِفُهُ إِلَيْهِ وَكَانَ أَرْفَقَ بِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ صَرَفَهُ وَحَرَمَ غَيْرَهُ ، وَيُشْبِهُ قَوْلَ الَّذِي يَقُولُ هَذَا أَنَّهُ إِنْ طَلَبَ الْمَالَ صِنْفَانِ ، وَكَانَ إِذَا حُرِمَهُ أَحَدُ الصِّنْفَيْنِ تَمَاسَكَ وَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ كَانَتْ عَلَى الصِّنْفِ الْآخَرِ خَلَّةٌ مُضِرَّةٌ أَعْطَاهُ الَّذِينَ فِيهِمُ الْخَلَّةُ الْمُضِرَّةُ كُلَّهُ .
( قَالَ ) ثُمَّ قَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ إِذَا صَرَفَ مَالَ الْفَيْءِ إِلَى نَاحِيَةٍ فَسَدَّهَا وَحَرَمَ أُخْرَى ، ثُمَّ جَاءَهُ مَالٌ آخَرُ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ دُونَ النَّاحِيَةِ الَّتِي سَدَّهَا فَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ إِنَّمَا عَجَّلَ أَهْلَ الْخَلَّةِ وآخَّرَ غَيْرَهُمْ حَتَّى أَوْفَاهُمْ بَعْدُ .
( قَالَ ) وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ يُعْطَى مَنْ يُعْطَى مِنَ الصَّدَقَاتِ وَلَا مُجَاهِدًا مِنَ الْفَيْءِ . وَقَالَ بَعْضُ مَنْ أَحْفَظُ عَنْهُ : وَإِنْ أَصَابَتْ أَهْلَ الصَّدَقَاتِ سَنَةٌ فَهَلَكَتْ أَمْوَالُهُمْ ، أُنْفِقَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْفَيْءِ ، فَإِذَا اسْتَغْنَوْا عَنْهُ مُنِعُوا الْفَيْءَ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ فِي مَالِ الصَّدَقَاتِ هَذَا الْقَوْلُ يَرُدُّ بَعْضَ مَالِ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَالَّذِي أَقُولُ بِهِ وَأَحْفَظُ 457 عَمَّنْ أَرْضَى مِمَّنْ سَمِعْتُ أَلَّا يُؤَخَّرَ الْمَالُ إِذَا اجْتَمَعَ ، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ ، فَإِنْ كَانَتْ نَازِلَةٌ مِنْ عَدُوٍّ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْقِيَامُ بِهَا وَإِنْ غَشِيَهُمْ عَدُوٌّ فِي دَارِهِمْ وَجَبَ النَّفِيرُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ غَشِيَهُ أَهْلُ الْفَيْءِ وَغَيْرُهُمْ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - أَخْبَرَنَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَالٌ أُصِيبَ بَالْعِرَاقِ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ بَيْتِ الْمَالِ : أَلَا نُدْخِلُهُ بَيْتَ الْمَالِ ؟ قَالَ لَا وَرَبِّ الْكَعْبَةِ لَا يَأْوِي تَحْتَ سَقْفِ بَيْتٍ حَتَّى أُقَسِّمَهُ فَأَمَرَ بِهِ فَوُضِعَ فِي الْمَسْجِدِ وَوُضِعَتْ عَلَيْهِ الْأَنْطَاعُ وَحَرَسَهُ رِجَالٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا مَعَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بِنُ عَوْفٍ آَخِذًا بِيَدِ أَحَدِهِمَا ، أَوْ أَحَدُهُمَا آَخِذٌ بِيَدِهِ ، فَلَمَّا رَأَوْهُ كَشَفُوا الْأَنْطَاعَ عَنِ الْأَمْوَالِ فَرَأَى مَنْظَرًا لَمْ يَرَ مِثْلَهُ ، الذَّهَبُ فِيهِ وَالْيَاقُوتُ وَالزَّبَرْجَدُ وَاللُّؤلؤُ يَتَلَأْلَأُ فَبَكَى ، فَقَالَ لَهُ أَحَدُهُمَا : إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا هُوَ بِيَوْمِ بُكَاءٍ ، لَكِنَّهُ وَاللَّهِ يَوْمُ شُكْرٍ وَسُرُورٍ ، فَقَالَ : إِنِّي وَاللَّهِ مَا ذَهَبْتُ حَيْثُ ذَهَبْتَ ، وَلَكِنْ وَاللَّهِ مَا كَثُرَ هَذَا فِي قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا وَقَعَ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى الْقِبْلَةِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَكُونَ مُسْتَدْرَجًا ، فَإِنِّي أَسْمَعُكَ تَقُولُ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ ، ثُمَّ قَالَ أَيْنَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ ؟ فَأُتِيَ بِهِ أَشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ دَقِيقَهُمَا فَأَعْطَاهُ سُوَارَيْ كِسْرَى وَقَالَ الْبَسْهُمَا ، فَفَعَلَ ، فَقَالَ : قُلِ اللَّهُ أَكْبَرُ فَقَالَ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، قَالَ : فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي سَلَبَهُمَا كِسْرَى بْنَ هُرْمُزَ وَأَلْبَسَهُمَا سُرَاقَةَ بْنَ جُعْشُمٍ أَعْرَابِيًّا مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ . وَإِنَّمَا أَلْبَسَهُ إِيَّاهُمَا : لِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ لِسُرَاقَةَ وَنَظَرَ إِلَى ذِرَاعِهِ : " كَأَنِّي بِكَ وَقَدْ لَبِسْتَ سُوَارَيْ كِسْرَى " وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ إِلَّا سُوَارَيْهِ وَجَعَلَ يُقَلِّبُ بَعْضَ ذَلِكَ بَعْضًا ، ثُمَّ قَالَ إِنَّ الَّذِي أَدَّى هَذَا لِأَمِينٌ ، فَقَالَ قَائِلٌ أَنَا أُخْبِرُكَ أَنَّكَ أَمِينُ اللَّهِ وَهُمْ يُؤدُّونَ إِلَيْكَ مَا أَدَّيْتَ إِلَى اللَّهِ ، فَإِذَا رَتَعْتَ رَتَعُوا ، قَالَ صَدَقْتَ ، ثُمَّ فَرَّقَهُ .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَأَخْبَرَنَا الثِّقَةُ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ : أَنْفَقَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - عَلَى أَهْلِ الرَّمَادَةِ فِي مَقَامِهِمْ حَتَّى وَقَعَ مَطَرٌ فَتَرَحَّلُوا فَخَرَجَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - رَاكِبًا إِلَيْهِمْ فَرَسًا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ كَيْفَ يَترَحَّلُونَ فَدَمَعَتْ عَيْنَاهُ ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ مُحَارِبِ خَصَفَةَ : أَشْهَدُ أَنَّهَا انْحَسَرَتْ عَنْكَ وَلَسْتَ بِابْنِ أُمَيَّةَ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : وَيْلَكَ ذَاكَ لَوْ كُنْتُ أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِي أَوْ مَالِ الْخَطَّابِ ، إِنَّمَا أُنْفِقُ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا أَرْزَاقُ الْجَيْشِ وَكُتَّابُهُمْ وَقُضَاتُهُمْ وَأَئِمَّتُهُمْ وَمُؤَذِّنِيهِمْ وَعُمَّالُهُمْ فَفِي أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ، وَأَمَّا أَرْزَاقُ الْقُضَاةِ بَيْنَ الْكَافَّةِ وَوُلَاةِ الْأَحْدَاثِ وَهُمْ أَصْحَابُ الشُّرْطِ وَأَئِمَّةُ الْجَوَامِعِ وَالْمُؤَذِّنُونَ فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : إِنَّ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ مَصْرُوفٌ فِي الْمَصَالِحِ ، أُعْطُوا مِنْهَا أَرْزَاقَهُمْ .
وَإِنْ قِيلَ : إِنَّهُ مِلْكٌ لِلْجَيْشِ ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطَوْا مِنْهُ وَأُعْطُوا مِنْ سَهْمِ الْمَصَالِحِ مِنَ الْخُمُسِ وَهُوَ سَهْمُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْمَصْرُوفُ بَعْدَهُ فِي وُجُوهِ الْمَصَالِحِ ، وَإِذَا وَجَدَ الْإِمَامُ مُتَطَوِّعًا بِالْقَضَاءِ وَالْإِمَامَةِ وَالْأَذَانِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعْطِيَ عَلَيْهِ رِزْقًا ، وَإِذَا وَجَدَ مُرْتَزِقًا بِأَقَلَّ مِنْ أُجْرَةِ 458 مِثْلِهِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُكْمِلَ لَهُ جَمِيعَ أُجْرَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إِلَّا مُسْتَوْفِيًا لِأُجْرَتِهِ وَفَّاهُ وَلَا يَزِيدُ عَلَى أُجْرَةِ مِثْلِهِ : لِأَنَّهُ فِي مَالِ الْمُسْلِمِينَ بِمَنْزِلَةِ الْوَلِيِّ فِي مَالِ الْيَتِيمِ .
فَأَمَّا عُمَّالُ الصَّدَقَاتِ فَأَرْزَاقُهُمْ مِنْهَا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرْزَقُوا مِنْ مَالِ الْفَيْءِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا . فَأَمَّا مَالُ الْفَيْءِ وَمَالُ الصَّدَقَاتِ فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ وَمَصْرِفُهُمَا مُتَمَيِّزَانِ ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُشْرَكَ بَيْنَهُمَا وَلَا أَنْ يُعَدَلَ بِأَحَدِهِمَا إِلَى مَصْرِفِ الْآخَرِ وَإِنْ خَالَفَ فِيهِ مَنْ قَهَرَهُ بِالدَّلِيلِ ، وَاللَّهُ وَلِيُّ التَّوْفِيقِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث