الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثامن
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَأُحِبُّ لِلْوَالِي أَنْ يَضَعَ دِيوَانَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ وَيَسْتَظْهِرَ عَلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ وَمَنْ جَهِلَ مِمَّنْ حَضَرَهُ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ مِنْ قَبَائِلِهِمْ ، ( قَالَ الشَّافَعِيُّ ) - رَحِمَهُ اللَّهُ - : وَأَخْبَرَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصِّدْقِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَكَّةَ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ وَكَانَ بَعْضُهُمْ أَحْسَنَ اقْتِصَاصًا لِلْحَدِيثِ مِنْ بَعْضٍ وَقَدْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ : أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا دَوَّنَ الدِّيوَانَ قَالَ : ابْدَأْ بِبَنِي هَاشِمٍ ، ثُمَّ قَالَ : حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِيهِمْ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، فَإِذَا كَانَتِ السِّنُّ فِي الْهَاشِمِيِّ قَدَّمَهُ عَلَى الْمُطَّلِبِيِّ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي الْمُطَّلِبِيِّ قَدَّمَهُ عَلَى الْهَاشِمِيِّ . فَوَضَعَ الدِّيوَانَ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءَ الْقَبِيلَةِ الْوَاحِدَةِ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ فِي قِدَمِ النَّسَبِ فَقَالَ : عَبْدُ شَمْسٍ إِخْوَةُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ نَوْفَلٍ فَقَدَّمَهُمْ ، ثُمَّ دَعَا بِبَنِي نَوْفَلٍ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ عَبْدُ الْعُزَّى وَعَبْدُ الدَّارِ ، فَقَالَ فِي بَنِي أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى : أَصْهَارُ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَفِيهِمْ أَنَّهُمْ مِنَ الْمُطَيَّبِينَ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمْ حِلْفٌ مِنَ الْفُضُولِ وَفِيهِمْ كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ : ذَكَرَ سَابِقَةً فَقَدَّمَهُمْ عَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ ، ثُمَّ دَعَا بَنِي عَبْدِ الدَّارِ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ انْفَرَدَتْ لَهُ زُهْرَةُ فَدَعَاهَا تَتْلُو عَبْدَ الدَّارِ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ تَيْمٌ وَمَخْزُومٌ ، فَقَالَ فِي تَيْمٍ : إِنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ وَالْمُطَيَّبِينَ وَفِيهِمَا كَانَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَقِيلَ ذَكَرَ سَابِقَةً وَقِيلَ ذَكَرَ صِهْرًا فَقَدَّمَهُمْ عَلَى مَخْزُومٍ ، ثُمَّ دَعَا مَخْزُومًا يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ سَهْمٌ وَجُمَحُ وَعَدِيُّ بْنُ كَعْبٍ فَقِيلَ : ابْدَأْ بِعَدِيٍّ فَقَالَ : بَلْ أُقِرُّ نَفْسِي حَيْثُ كُنْتُ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ دَخَلَ وَأَمْرُنَا وَأَمْرُ بَنِي سَهْمٍ وَاحِدٌ ، وَلَكِنِ انْظُرُوا بَيْنَ جُمَحَ وَسَهْمٍ ، فَقِيلَ قَدِّمْ بَنِي جُمَحَ ، ثُمَّ دَعَا بَنِي سَهْمٍ ، وَكَانَ دِيوَانُ عَدِيٍّ وَسَهْمٍ مُخْتَلِطًا كَالدَّعْوَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَلَمَّا خَلَصَتْ إِلَيْهِ دَعْوَتُهُ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً عَالِيَةً ، ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لَلَّهِ الَّذِي 463 أَوْصَلَ إِلَيَّ حَظِّي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ دَعَا عَامِرَ بْنَ لُؤَيٍّ .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرَّاحِ الْفِهْرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا رَأَى مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَالَ : أَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُدْعَى أَمَامِي ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا عُبَيْدَةَ اصْبِرْ كَمَا صَبَرْتُ ، أَوْ كَلِّمْ قَوْمَكَ فَمَنْ قَدَّمَكَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ أَمْنَعْهُ ، فَأَمَّا أَنَا وَبَنُو عَدِيٍّ فَنُقَدِّمُكَ إِنْ أَحْبَبْتَ عَلَى أَنْفُسِنَا ، قَالَ فَقَدَّمَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ فَفَصَلَ بِهِمْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى . وَشَجَرَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وَعَدِيٍّ شَيْءٌ فِي زَمَانِ الْمَهْدِيِّ فَافْتَرَقُوا ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبَنِي عَدِيٍّ فَقُدِّمُوا عَلَى سَهْمٍ وَجُمَحَ لِسَابِقَةٍ فِيهِمْ .
( قَالَ ) : فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ بُدِئَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى الْعَرَبِ لِمَكَانِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : النَّاسُ عِبَادُ اللَّهِ فَأَوْلَاهُمْ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا أَقْرَبُهُمْ بِخِيَرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِرِسَالَتِهِ وَمُسْتَوْدَعِ أَمَانَتِهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَخَيْرِ خَلْقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ فَرَضَ لَهُ الْوَالِي مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ رَأَيْتُ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَقْرَبَ فالْأَقْرَبَ مِنْهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا استَوَوْا قَدَّمَ أَهْلَ السَّابِقَةِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ السَّابِقَةِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْقَرَابَةِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَإِذَا كَانَ وَضْعُ الدِّيوَانِ مَأْثُورًا قَدْ عَمِلَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ وَلَمْ يَجِدِ الْإِمَامُ مِنْهُ بُدًّا ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالدِّيوَانِ :
فَقَالَ قَوْمٌ : لِأَنَّ كِسْرَى اطَّلَعَ يَوْمًا عَلَى كِتَابِهِ وَهُمْ مُنْتَحُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ : " دِيوَانُهُ " أَيْ مَجْنُونٌ ؛ فَسُمِّيَ وَضْعُ جُلُوسِهِمْ دِيوَانًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الدِّيوَانَ اسْمٌ لِلسَّلَاطِينِ ، فَسُمِّي الْكِتَابُ بِاسْمِهِمْ لِوُصُولِهِمْ إِلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ وَضَبْطِهِمُ الشَّاذَّ وَجَمْعِهِمُ الْمُتَفَرِّقَ ، ثُمَّ سُمِّيَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِمْ بِاسْمِهِمْ فَقِيلَ دِيوَانٌ ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامٌ أَنْ يَضَعَ دِيوَانَ الْجَيْشِ قَدَّمَ فِيهِ الْعَرَبَ عَلَى الْعَجَمِ لِمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : النَّاسُ عِبَادُ اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا أَقْرَبُهُمْ بِخِيَرَةِ اللَّهِ لِرِسَالَتِهِ وَمُسْتَوْدَعِ أَمَانَتِهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَخَيْرِ خَلْقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا أَرَادَ تَقْدِيمَ الْعَرَبِ قَدَّمَ مِنْهُمْ قُرَيْشًا : لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَتَقَدَّمُوهَا ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ بِحَسَبِ قُرْبِ آبَائِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قَصِيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ . فَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا بَنُو هَاشِمٍ وَضَمَّ إِلَيْهِمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ لَمْ يَفْتَرِقُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَرَادَ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ بِمَنْ أَبْدَأُ ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِمَّا عَلَى عَادَةِ الْفُرْسِ فِي تَقْدِيمِ الْوُلَاةِ ، وَإِمَّا لِتَحَيُّرِ 464 عُمَرَ فِيمَا يَفْعَلُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَذَكَّرْتَنِي بِأَنْ أَبْدَأَ بِبَنِي هَاشِمٍ فَإِنِّي حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِيهِمْ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، فَكَانَ إِذَا كَانَتِ السِّنُّ فِي الْهَاشِمِيِّ قَدَّمَهُ عَلَى الْمُطَّلِبِيِّ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي الْمُطَّلِبِيِّ قَدَّمَهُ عَلَى الْهَاشِمِيِّ ، فَوَضَعَ دِيوَانَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءَ الْقَبِيلَةِ الْوَاحِدَةِ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ عَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ فِي قِدَمِ النَّسَبِ : لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا أَخَوَا هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ : لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ الْبَدْرَانِ ، وَلِعَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ الْأَبْهَرَانِ .
وَأَصْلُ عَبْدِ شَمْسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ عَبَاءُ الشَّمْسِ ، أَيْ يَسْتُرُ الشَّمْسَ ، ثُمَّ خَفَّفُوا فَقَالُوا : عَبْدُ شَمْسٍ ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأَصْغَرَهُمُ الْمُطَّلِبُ ؛ فَقَدَّمَ عُمَرُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى بَنِي نَوْفَلٍ : لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، وَنَوْفَلٌ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِآدَمَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . ﴿﴾ يَا أَمِيرُ إِنِّي قَائِلٌ ﴿﴾ ﴿﴾ قَوْلَ ذِي دِينٍ وَبِرٍّ وَحَسَبْ ﴿﴾ ﴿﴾ عَبْدُ شَمْسٍ [ . . . ، . . . ] أَنَّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَبْدُ شَمْسٍ عَمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ﴿﴾ ﴿﴾ عَبْدُ شَمْسٍ كَانَ يَتْلُوهَا هَاشِمًا ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمَا بَعْدُ لِأُمٍّ وَلِأَبْ ﴿﴾ فَقَدَّمَ عُمَرُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، ثُمَّ دَعَا بَعْدَهُمْ بَنِي نَوْفَلٍ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ بَنُو عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَهُمَا أَخَوَا عَبْدِ مَنَافٍ ، وَجَمِيعُهُمْ بَنُو قُصَيٍّ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَدَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَخَوَيْ عَبْدِ مَنَافٍ وَعَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدِ الدَّارِ ابْنَيْ قُصَيٍّ فَقَدَّمَ بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ : مِنْهَا أَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِأَنَّ خَدِيجَةَ مِنْهُمْ ، وَمِنْهَا السَّابِقَةُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ : لِأَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ ، فَأَمَّا حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ فَإِنَّهُ حِلْفٌ عَقَدَتْهُ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَعَلَى رَدْعِ الظَّالِمِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ ، وَقَالُوا : إِنَّ لَنَا حَرَمًا يُعَظَّمُ وَبَيْتًا يُزَارُ فَأَخْرَجُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَعَدُّوهُ لِلتَّعَاوُنِ عَلَى حِلْفِهِمْ ، فَصَارَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى هَذَا الْحِلْفِ كَالِاشْتِرَاكِ فِي النَّسَبِ .
وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : لِأَنَّهُمْ طَيَّبُوا مَكَّةَ بِرَدْعِ الظَّالِمِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ : لِأَنَّ قُرَيْشًا تَسَلَّطُوا حِينَ قَوُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَتْ لَهُمْ عِنْدَ هَذَا الْحِلْفِ جِفْنَةً فِيهَا طِيبٌ فَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهَا عِنْدَ التَّحَالُفِ وَتَطَيَّبُوا بِهِ فَسُمِّيَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ ، وَكَانَ مَنْ دَخَلَ فِيهِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنُو أَسَدٍ وَبَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ نَحَرُوا جَزُورًا ، ثُمَّ قَالُوا مَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ 465 فِي دَمِهَا ثُمَّ عَلَّقَ مِنْهُ فَهُوَ مِنَّا ، لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، فَأَدْخَلَتْ أَيْدِيَهَا بَنُو هَاشِمٍ فَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ بَنُو سَهْمٍ وَبَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَبَنُو جُمَحَ وَبَنُو عَدِيٍّ وَبَنُو مَخْزُومٍ ، فَسُمِّيَ هَذَا أَحْلَافَ اللَّعْقَةِ ، فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فِي ذَلِكَ :
﴿﴾ وَسُمِّينَا الْأَطَايبَ مِنْ قُرَيْشٍ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى كَرَمٍ فَلَا طِبْنَا وَلَا طَابَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَيُّ الْخَيْرِ لَمْ نَسْبِقْ إِلَيْهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَمْ نَفْتَحْ بِهِ لِلنَّاسِ بَابَا ﴿﴾
وَأَمَّا حِلْفُ الْفُضُولِ فَهُوَ حِلْفٌ عَقَدَتْهُ أَيْضًا قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : أَنَّ قَيْسَ بْنَ شَيْبَةَ السُّلَمِيَّ بَاعَ مَتَاعًا إِلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ فَلَوَاهُ وَذَهَبَ بِحَقِّهِ ، فَاسْتَجَارَ عَلَيْهِ بَنِي جُمَحَ فَلَمْ يُجِيرُوهُ فَقَامَ قَيْسٌ مُنْشِدًا فَقَالَ :
﴿﴾ يَا آَلَ قُصَيٍّ كَيْفَ هَذَا فِي الْحَرَمِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَحُرْمَةُ الْبَيْتِ وَأَخْلَاقُ الْكَرَمْ ﴿﴾
﴿﴾ أَظُلْمٌ لَا يُمْنَعُ مَنْ ظُلِمْ ﴿﴾
فَجَدَّدُوا لِأَجْلِهِ حِلْفَ الْفُضُولِ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ عَلَى رَدِّ الظُّلْمِ بِمَكَّةَ ، وَأَنْ لَا يُظْلَمَ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنَعُوهُ ، وَدَخَلَ فِي الْحِلْفَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ مَعَهُمْ ، وَذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفَ الْفُضُولِ ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَقَضْتُهُ ، وَمَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً . وَلَمْ يَدْخُلْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فِيهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِحِلْفِ الْفُضُولِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَخْذِ بِالْفَضْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لِأَنَّ قُرَيْشًا وَسَائِرَ الْأَحْلَافِ كَرِهُوهُ فَعَابُوا مَنْ دَخَلَ فِيهِ وَنَسَبُوهُمْ إِلَى الْفُضُولِ ، فَسُمِّيَ بِحِلْفِ الْفُضُولِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سُمِّيَ حِلْفَ الْفُضُولِ لِأَنَّهُمْ تَحَالَفُوا عَلَى مِثْلِ مَا تَحَالَفَ عَلَيْهِ قَومٌ مِنْ جُرْهُمٍ فِيهِمُ الْفَضْلُ وَفُضَالٌ وَفُضَيْلٌ وَسُمِّيَ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِمْ حِلْفَ الْفُضُولِ ، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي تَرْتِيبِ بَنِي قُصَيٍّ ، ثُمَّ انْفَرَدَ بِعَدَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ أَخُو قُصَيٍّ وَهُمَا ابْنَا كِلَابٍ وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَرِيحُ قُرَيْشٍ ابْنَا كِلَابٍ ، يَعْنِي : قُصَيًّا وَزُهْرَةَ . وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْسَبُ إِلَيْهِمَا : لِأَنَّ أَبَاهُ مِنْ قُصَيٍّ وَأُمَّهُ مِنْ زُهْرَةَ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ بَعْدَ بَنِي كِلَابٍ بَنُو تَيْمٍ وَبَنُو مَخْزُومٍ : لِأَنَّ تَيْمًا وَمَخْزُومًا أَخَوَا كِلَابٍ وَجَمِيعُهُمَا بَنُو مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ فَقَدَّمَ بَنِي تَيْمٍ عَلَى بَنِي مَخْزُومٍ لِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ : مِنْهَا السَّابِقَةُ لِأَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ ، 466 وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ عَائِشَةَ مِنْهُمْ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ .
ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَدِيٍّ وَبَنُو سَهْمٍ وَبَنُو جُمَحَ لِأَنَّهُمْ إِخْوَةُ مُرَّةَ وَجَمِيعُهُمْ بَنُو كَعْبِ بْنِ عَامِرٍ فَقِيلَ لَهُ : ابْدَأْ بِبَنِي عَدِيٍّ وَهُمْ قَوْمُهُ ، فَقَالَ : بَلْ أُقِرُّ نَفْسِي حَيْثُ كُنْتُ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ دَخَلَ وَأَمْرُنَا وَأَمْرُ بَنِي سَهْمٍ وَاحِدٌ ، وَلَكِنِ انْظُرُوا بَيْنَ بَنِي جُمَحَ وَبَنِي سَهْمٍ ، فَقِيلَ إِنَّهُ قَدَّمَ بَنِي جُمَحَ ، ثُمَّ دَعَا بَنِي سَهْمٍ وَكَانَ دِيوَانُ عَدِيٍّ وَسَهْمٍ مُخْتَلِطًا كَالدَّعْوَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَلَمَّا بَلَغَتْ إِلَيْهِ دَعْوَتُهُ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً عَالِيَةً ، ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْصَلَ إِلَيَّ حَظِّي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ دَعَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَاضِرًا وَهُوَ مِنْ بَنِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَالَ : أَكُلُّ هَذَا يُدْعَى أَمَامِي ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا عُبَيْدَةَ اصْبِرْ كَمَا صَبَرْتُ ، أَوْ كَلِّمْ قَوْمَكَ ، فَمَنْ قَدَّمَكَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ أَمْنَعْهُ ، فَأَمَّا أَنَا وَبَنُو عَدِيٍّ فَنُقَدِّمُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا إِنْ أَحْبَبْتَ ، ثُمَّ دَعَا بَعْدَ بَنِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ .
ثُمَّ دَعَا بِعْدَهُمْ بَنِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ حَتَّى اسْتَكْمَلَ قُرَيْشًا ، وَاخْتَلَفَ النَّسَّابُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ فِي قُرَيْشٍ عَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ بَنُو فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ ، فَمَنْ تَفَرَّقَ نَسَبُهُ عَنْ فِهْرٍ فَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ جَاوَزَ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ بِنَسَبِهِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَطَائِفَةٍ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ قُرَيْشًا هُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ جَدِّ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ : لِأَنَّهُ فِهْرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ فَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ جَاوَزَ النَّضْرَ بِنَسَبِهِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الشِّعْبِيِّ وَطَائِفَةٍ أُخْرَى وَاخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلَى سِتَّةِ أَقَاوِيلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ اسْمُهُ قُرَيْشًا ، وَإِنَّمَا نَبَزَتْهُ أُمُّهُ فِهْرًا لَقَبًا ، وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ سُمِّيَ قُرَيْشًا لِأَنَّ قُرَيْشَ بْنَ بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كَانَ دَلِيلَ بَنِي كِنَانَةَ فِي تِجَارَتِهِمْ ، وَكَانَ يُقَالُ قَدِمَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ ؛ فَسُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِهِ . وَأَبُوهُ بَدْرُ بْنُ مَخْلَدٍ وَهُوَ صَاحِبُ بَدْرٍ ، الْمَوْضِعِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا وَهُوَ احْتَفَرَ بِئْرَهَا وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آَلِ عِمْرَانَ : 123 ] وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عُمَرَ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِأَنَّ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ سُمِّيَ قُرَيْشًا : لِأَنَّهُ كَانَ يُقَرِّشُ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ فَيَسُدُّهَا ، وَالتَّقَرُّشُ هُوَ التَّفْتِيشُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ :
467 ﴿﴾ أَيُّهَا النَّاطِقُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا ﴿﴾ ﴿﴾ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ ﴿﴾
وَهَذَا قَوْلُ الشِّعْبِيِّ .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا فِي رِحْلَتَيِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ : لِأَنَّ التُّجَّارَ يُقَرِّشُونَ وَيُفَتِّشُونَ عَنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ ، وَحَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ .
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِتَجَمُّعِهِمْ إِلَى الْحَرَمِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ : لِأَنَّ قُصَيًّا جَمْعَهُمْ إِلَيْهِ ، وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ إِخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِي حَدِيثٍ مِنْ دَهْرِهِمْ وَقَدِيمِ ﴿﴾
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى .
وَالْقَوْلُ السَّادِسُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِقُوَّتِهِمْ تَشْبِيهًا بِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ قَوِيَّةٍ تُسَمَّى قُرَيْشًا ، كَمَا قَالَ تُبَّعُ بْنُ عَمْرٍو الْجَبْرِيُّ :
﴿﴾ وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ ﴿﴾ ﴿﴾ ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشُ قُرَيْشَا ﴿﴾ ﴿﴾ تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْـ ﴿﴾ ﴿﴾ ـرُكُ يَوْمًا مِنْ جَنَاحَيْنِ رِيشَا ﴿﴾ ﴿﴾ هَكَذَا فِي الْعِبَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ﴿﴾ ﴿﴾ يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَشِيشَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ﴿﴾ ﴿﴾ يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَمْلَأُ الْأَرْضَ خَيْلَةً وَرِجَالًا ﴿﴾ ﴿﴾ يَحْشُرُونَ الْمَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشَا ﴿﴾
فَلَمَّا فَرَغَ عُمَرُ مِنْ قُرَيْشٍ دَعَا بَعْدَهُمْ بِالْأَنْصَارِ وَقَدَّمَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ [ التَّوْبَةِ : 100 ] وَلِنُصْرَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا [ الْأَنْفَالِ : 72 ] ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْأَنْصَارُ كِرْشِي وَعَيْبَتِي ، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَالْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَشَجَرَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وَعَدِيٍّ فِي زَمَانِ الْمَهْدِيِّ فَافْتَرَقُوا ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبَنِي عَدِيٍّ فَقُدِّمُوا عَلَى سَهْمٍ وجُمَحَ لِسَابِقَةٍ فِيهِمْ ، وَلِأَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إِنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجَرَّاحِ الْفِهْرِيَّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا رَأَى مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَالَ : أَكُلُّ هَؤُلَاءِ يُدْعَى أَمَامِي ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا عُبَيْدَةَ اصْبِرْ كَمَا صَبَرْتُ ، أَوْ كَلِّمْ قَوْمَكَ فَمَنْ قَدَّمَكَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ أَمْنَعْهُ ، فَأَمَّا أَنَا وَبَنُو عَدِيٍّ فَنُقَدِّمُكَ إِنْ أَحْبَبْتَ عَلَى أَنْفُسِنَا ، قَالَ فَقَدَّمَ مُعَاوِيَةَ بَعْدَ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ فَفَصَلَ بِهِمْ بَيْنَ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ وَأَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى . وَشَجَرَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وَعَدِيٍّ شَيْءٌ فِي زَمَانِ الْمَهْدِيِّ فَافْتَرَقُوا ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبَنِي عَدِيٍّ فَقُدِّمُوا عَلَى سَهْمٍ وَجُمَحَ لِسَابِقَةٍ فِيهِمْ .
( قَالَ ) : فَإِذَا فَرَغَ مِنْ قُرَيْشٍ بُدِئَتِ الْأَنْصَارُ عَلَى الْعَرَبِ لِمَكَانِهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ . ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) : النَّاسُ عِبَادُ اللَّهِ فَأَوْلَاهُمْ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا أَقْرَبُهُمْ بِخِيَرَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِرِسَالَتِهِ وَمُسْتَوْدَعِ أَمَانَتِهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَخَيْرِ خَلْقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ( قَالَ الشَّافِعِيُّ ) وَمَنْ فَرَضَ لَهُ الْوَالِي مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ رَأَيْتُ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَقْرَبَ فالْأَقْرَبَ مِنْهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا استَوَوْا قَدَّمَ أَهْلَ السَّابِقَةِ عَلَى غَيْرِ أَهْلِ السَّابِقَةِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُمْ فِي الْقَرَابَةِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَإِذَا كَانَ وَضْعُ الدِّيوَانِ مَأْثُورًا قَدْ عَمِلَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الرَّاشِدُونَ وَلَمْ يَجِدِ الْإِمَامُ مِنْهُ بُدًّا ، فَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالدِّيوَانِ :
فَقَالَ قَوْمٌ : لِأَنَّ كِسْرَى اطَّلَعَ يَوْمًا عَلَى كِتَابِهِ وَهُمْ مُنْتَحُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ : " دِيوَانُهُ " أَيْ مَجْنُونٌ ؛ فَسُمِّيَ وَضْعُ جُلُوسِهِمْ دِيوَانًا .
وَقَالَ آخَرُونَ : سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الدِّيوَانَ اسْمٌ لِلسَّلَاطِينِ ، فَسُمِّي الْكِتَابُ بِاسْمِهِمْ لِوُصُولِهِمْ إِلَى غَوَامِضِ الْأُمُورِ وَضَبْطِهِمُ الشَّاذَّ وَجَمْعِهِمُ الْمُتَفَرِّقَ ، ثُمَّ سُمِّيَ مَوْضِعُ جُلُوسِهِمْ بِاسْمِهِمْ فَقِيلَ دِيوَانٌ ، فَإِذَا أَرَادَ الْإِمَامٌ أَنْ يَضَعَ دِيوَانَ الْجَيْشِ قَدَّمَ فِيهِ الْعَرَبَ عَلَى الْعَجَمِ لِمَا فَضَّلَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنْ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : النَّاسُ عِبَادُ اللَّهِ وَأَوْلَاهُمْ أَنْ يَكُونَ مُقَدَّمًا أَقْرَبُهُمْ بِخِيَرَةِ اللَّهِ لِرِسَالَتِهِ وَمُسْتَوْدَعِ أَمَانَتِهِ وَخَاتَمِ النَّبِيِّينَ وَخَيْرِ خَلْقِ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدٍ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فَإِذَا أَرَادَ تَقْدِيمَ الْعَرَبِ قَدَّمَ مِنْهُمْ قُرَيْشًا : لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تَتَقَدَّمُوهَا ، ثُمَّ مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ بِحَسَبِ قُرْبِ آبَائِهِمْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِأَنَّهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قَصِيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ . فَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ نَسَبًا بَنُو هَاشِمٍ وَضَمَّ إِلَيْهِمْ بَنُو الْمُطَّلِبِ لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّ بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ كَالشَّيْءِ الْوَاحِدِ ، وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ لَمْ يَفْتَرِقُوا فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ .
وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا أَرَادَ وَضْعَ الدِّيوَانِ قَالَ بِمَنْ أَبْدَأُ ؟ فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ ابْدَأْ بِنَفْسِكَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إِمَّا عَلَى عَادَةِ الْفُرْسِ فِي تَقْدِيمِ الْوُلَاةِ ، وَإِمَّا لِتَحَيُّرِ 464 عُمَرَ فِيمَا يَفْعَلُهُ ، فَقَالَ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - : أَذَكَّرْتَنِي بِأَنْ أَبْدَأَ بِبَنِي هَاشِمٍ فَإِنِّي حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُعْطِيهِمْ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ ، فَكَانَ إِذَا كَانَتِ السِّنُّ فِي الْهَاشِمِيِّ قَدَّمَهُ عَلَى الْمُطَّلِبِيِّ ، وَإِذَا كَانَتْ فِي الْمُطَّلِبِيِّ قَدَّمَهُ عَلَى الْهَاشِمِيِّ ، فَوَضَعَ دِيوَانَهُ عَلَى ذَلِكَ وَأَعْطَاهُمْ عَطَاءَ الْقَبِيلَةِ الْوَاحِدَةِ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ عَبْدُ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ فِي قِدَمِ النَّسَبِ : لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا أَخَوَا هَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ : لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ ، وَحَكَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ أَنَّهُ كَانَ يُقَالُ لِهَاشِمٍ وَالْمُطَّلِبِ الْبَدْرَانِ ، وَلِعَبْدِ شَمْسٍ وَنَوْفَلٍ الْأَبْهَرَانِ .
وَأَصْلُ عَبْدِ شَمْسٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ عَبَاءُ الشَّمْسِ ، أَيْ يَسْتُرُ الشَّمْسَ ، ثُمَّ خَفَّفُوا فَقَالُوا : عَبْدُ شَمْسٍ ، وَكَانَ أَكْبَرَ وَلَدِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأَصْغَرَهُمُ الْمُطَّلِبُ ؛ فَقَدَّمَ عُمَرُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ عَلَى بَنِي نَوْفَلٍ : لِأَنَّ عَبْدَ شَمْسٍ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ ، وَنَوْفَلٌ أَخُو هَاشِمٍ لِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِآدَمَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ . ﴿﴾ يَا أَمِيرُ إِنِّي قَائِلٌ ﴿﴾ ﴿﴾ قَوْلَ ذِي دِينٍ وَبِرٍّ وَحَسَبْ ﴿﴾ ﴿﴾ عَبْدُ شَمْسٍ [ . . . ، . . . ] أَنَّهَا ﴿﴾ ﴿﴾ عَبْدُ شَمْسٍ عَمُّ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ ﴿﴾ ﴿﴾ عَبْدُ شَمْسٍ كَانَ يَتْلُوهَا هَاشِمًا ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمَا بَعْدُ لِأُمٍّ وَلِأَبْ ﴿﴾ فَقَدَّمَ عُمَرُ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ ، ثُمَّ دَعَا بَعْدَهُمْ بَنِي نَوْفَلٍ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ بَنُو عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَهُمَا أَخَوَا عَبْدِ مَنَافٍ ، وَجَمِيعُهُمْ بَنُو قُصَيٍّ ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ عَدَلَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَخَوَيْ عَبْدِ مَنَافٍ وَعَبْدِ الْعُزَّى وَعَبْدِ الدَّارِ ابْنَيْ قُصَيٍّ فَقَدَّمَ بَنِي عَبْدِ الْعُزَّى عَلَى بَنِي عَبْدِ الدَّارِ لِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ : مِنْهَا أَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : لِأَنَّ خَدِيجَةَ مِنْهُمْ ، وَمِنْهَا السَّابِقَةُ لِلزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ : لِأَنَّهُ مِنْهُمْ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ ، فَأَمَّا حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ فَإِنَّهُ حِلْفٌ عَقَدَتْهُ قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَعَلَى رَدْعِ الظَّالِمِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ ، وَقَالُوا : إِنَّ لَنَا حَرَمًا يُعَظَّمُ وَبَيْتًا يُزَارُ فَأَخْرَجُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ مَا أَعَدُّوهُ لِلتَّعَاوُنِ عَلَى حِلْفِهِمْ ، فَصَارَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى هَذَا الْحِلْفِ كَالِاشْتِرَاكِ فِي النَّسَبِ .
وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِحِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، فَقَالَ قَوْمٌ : لِأَنَّهُمْ طَيَّبُوا مَكَّةَ بِرَدْعِ الظَّالِمِ وَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ : لِأَنَّ قُرَيْشًا تَسَلَّطُوا حِينَ قَوُوا .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ حَكِيمٍ الْبَيْضَاءَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَخْرَجَتْ لَهُمْ عِنْدَ هَذَا الْحِلْفِ جِفْنَةً فِيهَا طِيبٌ فَغَمَسُوا أَيْدِيَهُمْ فِيهَا عِنْدَ التَّحَالُفِ وَتَطَيَّبُوا بِهِ فَسُمِّيَ حِلْفُ الْمُطَيَّبِينَ ، وَكَانَ مَنْ دَخَلَ فِيهِ مِنْ قُرَيْشٍ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ وَبَنُو أَسَدٍ وَبَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ وَبَنُو الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ ، فَلَمَّا سَمِعَتْ بِذَلِكَ بَنُو هَاشِمٍ نَحَرُوا جَزُورًا ، ثُمَّ قَالُوا مَنْ أَدْخَلَ يَدَهُ 465 فِي دَمِهَا ثُمَّ عَلَّقَ مِنْهُ فَهُوَ مِنَّا ، لِيَتَمَيَّزُوا عَنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، فَأَدْخَلَتْ أَيْدِيَهَا بَنُو هَاشِمٍ فَأَدْخَلُوا أَيْدِيَهُمْ بَنُو سَهْمٍ وَبَنُو عَبْدِ الدَّارِ وَبَنُو جُمَحَ وَبَنُو عَدِيٍّ وَبَنُو مَخْزُومٍ ، فَسُمِّيَ هَذَا أَحْلَافَ اللَّعْقَةِ ، فَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي لَهَبٍ فِي ذَلِكَ :
﴿﴾ وَسُمِّينَا الْأَطَايبَ مِنْ قُرَيْشٍ ﴿﴾ ﴿﴾ عَلَى كَرَمٍ فَلَا طِبْنَا وَلَا طَابَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَيُّ الْخَيْرِ لَمْ نَسْبِقْ إِلَيْهِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَمْ نَفْتَحْ بِهِ لِلنَّاسِ بَابَا ﴿﴾
وَأَمَّا حِلْفُ الْفُضُولِ فَهُوَ حِلْفٌ عَقَدَتْهُ أَيْضًا قَبَائِلُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى نَحْوِ مَا ذَكَرْنَا فِي حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، وَكَانَ سَبَبُهُ مَا حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : أَنَّ قَيْسَ بْنَ شَيْبَةَ السُّلَمِيَّ بَاعَ مَتَاعًا إِلَى أُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيِّ فَلَوَاهُ وَذَهَبَ بِحَقِّهِ ، فَاسْتَجَارَ عَلَيْهِ بَنِي جُمَحَ فَلَمْ يُجِيرُوهُ فَقَامَ قَيْسٌ مُنْشِدًا فَقَالَ :
﴿﴾ يَا آَلَ قُصَيٍّ كَيْفَ هَذَا فِي الْحَرَمِ ﴿﴾ ﴿﴾ وَحُرْمَةُ الْبَيْتِ وَأَخْلَاقُ الْكَرَمْ ﴿﴾
﴿﴾ أَظُلْمٌ لَا يُمْنَعُ مَنْ ظُلِمْ ﴿﴾
فَجَدَّدُوا لِأَجْلِهِ حِلْفَ الْفُضُولِ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ عَلَى رَدِّ الظُّلْمِ بِمَكَّةَ ، وَأَنْ لَا يُظْلَمَ بِهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنَعُوهُ ، وَدَخَلَ فِي الْحِلْفَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبَنُو أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى وَبَنُو زُهْرَةَ وَبَنُو تَيْمٍ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَوْمَئِذٍ مَعَهُمْ ، وَذَلِكَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً ، فَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُدْعَانَ حِلْفَ الْفُضُولِ ، وَلَوْ دُعِيتُ إِلَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ وَمَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِي حُمْرُ النَّعَمِ ، وَإِنِّي كُنْتُ نَقَضْتُهُ ، وَمَا يَزِيدُهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً . وَلَمْ يَدْخُلْ بَنُو عَبْدِ شَمْسٍ فِيهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِحِلْفِ الْفُضُولِ ، فَقَالَ قَوْمٌ : لِمَا فِيهِ مِنَ الْأَخْذِ بِالْفَضْلِ . وَقَالَ آخَرُونَ : لِأَنَّ قُرَيْشًا وَسَائِرَ الْأَحْلَافِ كَرِهُوهُ فَعَابُوا مَنْ دَخَلَ فِيهِ وَنَسَبُوهُمْ إِلَى الْفُضُولِ ، فَسُمِّيَ بِحِلْفِ الْفُضُولِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ سُمِّيَ حِلْفَ الْفُضُولِ لِأَنَّهُمْ تَحَالَفُوا عَلَى مِثْلِ مَا تَحَالَفَ عَلَيْهِ قَومٌ مِنْ جُرْهُمٍ فِيهِمُ الْفَضْلُ وَفُضَالٌ وَفُضَيْلٌ وَسُمِّيَ بِإِضَافَتِهِ إِلَيْهِمْ حِلْفَ الْفُضُولِ ، فَهَذَا الْكَلَامُ فِي تَرْتِيبِ بَنِي قُصَيٍّ ، ثُمَّ انْفَرَدَ بِعَدَهُمْ بَنُو زُهْرَةَ أَخُو قُصَيٍّ وَهُمَا ابْنَا كِلَابٍ وَلَيْسَ لَهُ عَقِبٌ مِنْ غَيْرِهِمَا ، وَقَدْ رَوَى الْأَوْزَاعِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : صَرِيحُ قُرَيْشٍ ابْنَا كِلَابٍ ، يَعْنِي : قُصَيًّا وَزُهْرَةَ . وَرَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يُنْسَبُ إِلَيْهِمَا : لِأَنَّ أَبَاهُ مِنْ قُصَيٍّ وَأُمَّهُ مِنْ زُهْرَةَ ، ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُ بَعْدَ بَنِي كِلَابٍ بَنُو تَيْمٍ وَبَنُو مَخْزُومٍ : لِأَنَّ تَيْمًا وَمَخْزُومًا أَخَوَا كِلَابٍ وَجَمِيعُهُمَا بَنُو مُرَّةَ بْنِ كَعْبٍ فَقَدَّمَ بَنِي تَيْمٍ عَلَى بَنِي مَخْزُومٍ لِأَرْبَعَةِ أُمُورٍ : مِنْهَا السَّابِقَةُ لِأَبِي بَكْرٍ لِأَنَّهُ مِنْهُمْ ، 466 وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِأَنَّ عَائِشَةَ مِنْهُمْ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْمُطَيَّبِينَ ، وَمِنْهَا لِأَنَّهُمْ مِنْ حِلْفِ الْفُضُولِ .
ثُمَّ اسْتَوَتْ لَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ بَنُو عَدِيٍّ وَبَنُو سَهْمٍ وَبَنُو جُمَحَ لِأَنَّهُمْ إِخْوَةُ مُرَّةَ وَجَمِيعُهُمْ بَنُو كَعْبِ بْنِ عَامِرٍ فَقِيلَ لَهُ : ابْدَأْ بِبَنِي عَدِيٍّ وَهُمْ قَوْمُهُ ، فَقَالَ : بَلْ أُقِرُّ نَفْسِي حَيْثُ كُنْتُ ، فَإِنَّ الْإِسْلَامَ دَخَلَ وَأَمْرُنَا وَأَمْرُ بَنِي سَهْمٍ وَاحِدٌ ، وَلَكِنِ انْظُرُوا بَيْنَ بَنِي جُمَحَ وَبَنِي سَهْمٍ ، فَقِيلَ إِنَّهُ قَدَّمَ بَنِي جُمَحَ ، ثُمَّ دَعَا بَنِي سَهْمٍ وَكَانَ دِيوَانُ عَدِيٍّ وَسَهْمٍ مُخْتَلِطًا كَالدَّعْوَةِ الْوَاحِدَةِ ، فَلَمَّا بَلَغَتْ إِلَيْهِ دَعْوَتُهُ كَبَّرَ تَكْبِيرَةً عَالِيَةً ، ثُمَّ قَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَوْصَلَ إِلَيَّ حَظِّي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، ثُمَّ دَعَا بَنِي عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ حَاضِرًا وَهُوَ مِنْ بَنِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ ، فَلَمَّا رَأَى مَنْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ قَالَ : أَكُلُّ هَذَا يُدْعَى أَمَامِي ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : يَا أَبَا عُبَيْدَةَ اصْبِرْ كَمَا صَبَرْتُ ، أَوْ كَلِّمْ قَوْمَكَ ، فَمَنْ قَدَّمَكَ مِنْهُمْ عَلَى نَفْسِهِ لَمْ أَمْنَعْهُ ، فَأَمَّا أَنَا وَبَنُو عَدِيٍّ فَنُقَدِّمُكَ عَلَى أَنْفُسِنَا إِنْ أَحْبَبْتَ ، ثُمَّ دَعَا بَعْدَ بَنِي لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرٍ .
ثُمَّ دَعَا بِعْدَهُمْ بَنِي فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ حَتَّى اسْتَكْمَلَ قُرَيْشًا ، وَاخْتَلَفَ النَّسَّابُونَ مِنْ عُلَمَاءِ الشَّرْعِ فِي قُرَيْشٍ عَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ بَنُو فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ ، فَمَنْ تَفَرَّقَ نَسَبُهُ عَنْ فِهْرٍ فَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ جَاوَزَ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ بِنَسَبِهِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ الزُّهْرِيِّ وَطَائِفَةٍ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّ قُرَيْشًا هُمْ بَنُو النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ جَدِّ فِهْرِ بْنِ مَالِكٍ : لِأَنَّهُ فِهْرُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ ، فَكُلُّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ فَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ وَمَنْ جَاوَزَ النَّضْرَ بِنَسَبِهِ فَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهَذَا قَوْلُ الشِّعْبِيِّ وَطَائِفَةٍ أُخْرَى وَاخْتَلَفُوا فِي تَسْمِيَتِهِمْ قُرَيْشًا عَلَى سِتَّةِ أَقَاوِيلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ فِهْرَ بْنَ مَالِكٍ كَانَ اسْمُهُ قُرَيْشًا ، وَإِنَّمَا نَبَزَتْهُ أُمُّهُ فِهْرًا لَقَبًا ، وَهَذَا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ سُمِّيَ قُرَيْشًا لِأَنَّ قُرَيْشَ بْنَ بَدْرِ بْنِ مَخْلَدِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ كَانَ دَلِيلَ بَنِي كِنَانَةَ فِي تِجَارَتِهِمْ ، وَكَانَ يُقَالُ قَدِمَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ ؛ فَسُمِّيَتْ قُرَيْشٌ بِهِ . وَأَبُوهُ بَدْرُ بْنُ مَخْلَدٍ وَهُوَ صَاحِبُ بَدْرٍ ، الْمَوْضِعِ الَّذِي لَقِيَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قُرَيْشًا وَهُوَ احْتَفَرَ بِئْرَهَا وَفِيهِ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ [ آَلِ عِمْرَانَ : 123 ] وَهَذَا الْقَوْلُ حَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ عَنْ عُمَرَ .
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِأَنَّ النَّضْرَ بْنَ كِنَانَةَ سُمِّيَ قُرَيْشًا : لِأَنَّهُ كَانَ يُقَرِّشُ عَنْ خَلَّةِ النَّاسِ وَحَاجَتِهِمْ فَيَسُدُّهَا ، وَالتَّقَرُّشُ هُوَ التَّفْتِيشُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَارِثِ بْنِ حِلِّزَةَ :
467 ﴿﴾ أَيُّهَا النَّاطِقُ الْمُقَرِّشُ عَنَّا ﴿﴾ ﴿﴾ عِنْدَ عَمْرٍو فَهَلْ لَهُ إِبْقَاءُ ﴿﴾
وَهَذَا قَوْلُ الشِّعْبِيِّ .
وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِلتِّجَارَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا تُجَّارًا فِي رِحْلَتَيِ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ : لِأَنَّ التُّجَّارَ يُقَرِّشُونَ وَيُفَتِّشُونَ عَنْ أَمْوَالِ التِّجَارَةِ ، وَحَكَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ .
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِتَجَمُّعِهِمْ إِلَى الْحَرَمِ بَعْدَ تَفَرُّقِهِمْ : لِأَنَّ قُصَيًّا جَمْعَهُمْ إِلَيْهِ ، وَالتَّقَرُّشُ التَّجَمُّعُ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ :
﴿﴾ إِخْوَةٌ قَرَّشُوا الذُّنُوبَ عَلَيْنَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِي حَدِيثٍ مِنْ دَهْرِهِمْ وَقَدِيمِ ﴿﴾
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى .
وَالْقَوْلُ السَّادِسُ : أَنَّهُمْ سُمُّوا قُرَيْشًا لِقُوَّتِهِمْ تَشْبِيهًا بِدَابَّةٍ فِي الْبَحْرِ قَوِيَّةٍ تُسَمَّى قُرَيْشًا ، كَمَا قَالَ تُبَّعُ بْنُ عَمْرٍو الْجَبْرِيُّ :
﴿﴾ وَقُرَيْشٌ هِيَ الَّتِي تَسْكُنُ الْبَحْـ ﴿﴾ ﴿﴾ ـرَ بِهَا سُمِّيَتْ قُرَيْشُ قُرَيْشَا ﴿﴾ ﴿﴾ تَأْكُلُ الْغَثَّ وَالسَّمِينَ وَلَا تَتْـ ﴿﴾ ﴿﴾ ـرُكُ يَوْمًا مِنْ جَنَاحَيْنِ رِيشَا ﴿﴾ ﴿﴾ هَكَذَا فِي الْعِبَادِ حَيُّ قُرَيْشٍ ﴿﴾ ﴿﴾ يَأْكُلُونَ الْبِلَادَ أَكْلًا كَشِيشَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَلَهُمْ آخِرُ الزَّمَانِ نَبِيٌّ ﴿﴾ ﴿﴾ يُكْثِرُ الْقَتْلَ فِيهِمْ وَالْخُمُوشَا ﴿﴾ ﴿﴾ يَمْلَأُ الْأَرْضَ خَيْلَةً وَرِجَالًا ﴿﴾ ﴿﴾ يَحْشُرُونَ الْمَطِيَّ حَشْرًا كَمِيشَا ﴿﴾
فَلَمَّا فَرَغَ عُمَرُ مِنْ قُرَيْشٍ دَعَا بَعْدَهُمْ بِالْأَنْصَارِ وَقَدَّمَهُمْ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ بَعْدَ قُرَيْشٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ [ التَّوْبَةِ : 100 ] وَلِنُصْرَتِهِمْ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا [ الْأَنْفَالِ : 72 ] ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : الْأَنْصَارُ كِرْشِي وَعَيْبَتِي ، لَوْ سَلَكَ النَّاسُ شِعْبًا وَالْأَنْصَارُ شِعْبًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَشَجَرَ بَيْنَ بَنِي سَهْمٍ وَعَدِيٍّ فِي زَمَانِ الْمَهْدِيِّ فَافْتَرَقُوا ، فَأَمَرَ الْمَهْدِيُّ بِبَنِي عَدِيٍّ فَقُدِّمُوا عَلَى سَهْمٍ وجُمَحَ لِسَابِقَةٍ فِيهِمْ ، وَلِأَنَّهُمْ أَصْهَارُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ قِبَلِ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث