الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 4760 · ص. المطبوع 46
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَرَوَتْ عَائِشَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا - أَنِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ۝ أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا ، فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، فَإِنِ اشْتَجَرُوا - أَوْ قَالَ اخْتَلَفُوا - فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ ( قَالَ ) وَفِي ذَلِكَ دَلَالَاتٌ ، مِنْهَا أَنَّ لِلْوَلِيِّ شِرْكًا فِي بُضْعِهَا لَا يَتِمُّ النِّكَاحُ إِلَّا بِهِ مَا لَمْ يَعْضِلْهَا وَلَا نَجِدُ لِشِرْكِهِ فِي بُضْعِهَا مَعْنًى إِلَّا فَضْلَ نَظَرِهِ لِحِيَاطَةِ الْمَوْضِعِ أَنْ يَنَالَهَا مَنْ لَا يُكَافِئُهَا نَسَبُهُ ، وَفِي ذَلِكَ عَارٌ عَلْيِهِ ، وَأَنَّ الْعَقْدَ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ بِإِجَازَتِهِ ، وَأَنَّ الْإِصَابَةَ إِذَا كَانَتْ بِشُبْهَةٍ فَفِيهَا الْمَهْرُ وَدَرْءُ الْحَدِّ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ اسْتِدْلَالِهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَا تَضَمَّنَهُ ، وَدَلَّ عَلَيْهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالْأَحْكَامِ نَصًّا وَاسْتِنْبَاطًا مِنْهَا فِي قَوْلِهِ : " ۝ أَيُّمَا امْرَأَةٍ " فَذَكَرَ خَمْسَةَ أَحْكَامٍ ، وَذَكَرَ أَصْحَابُهُ ثَلَاثِينَ حُكْمًا سِوَاهَا ، فَصَارَتْ خَمْسَةً وَثَلَاثِينَ حُكْمًا ، أَخَذَتْ دَلَائِلَهَا مِنَ الْخَبَرِ بِنَصٍّ وَاسْتِنْبَاطٍ .
46 مِنْهَا فِي قَوْلِهِ : ۝ أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَرْبَعَةُ دَلَائِلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ " أَيُّ " لَفْظَةُ عُمُومٍ ، لَهُ صِيغَةٌ لِتَنَاوُلِهِ جَمِيعَ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ ، فَخَالَفَ قَوْلَ دَاوُدَ أَنَّهُ لَا صِيغَةَ لِلْعُمُومِ .
وَالثَّانِي : أَنْ " مَا " الْمُتَّصِلَةَ بِأَيِّ صِلَةٌ زَائِدَةٌ : لِأَنَّهَا لَوْ حُذِفَتْ فَقِيلَ : أَيُّ امْرَأَةٍ صَحَّ ، مِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ [ آلِ عِمْرَانَ : 159 ] ، أَيْ فَبِرَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ ، فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الصِّلَةِ الزَّائِدَةِ فِي الْكَلَامِ ، وَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِهِ أَحْكَامٌ .
وَالثَّالِثُ : اشْتِمَالُهُ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ مِنْ صَغِيرَةٍ وَكَبِيرَةٍ يُخَالِفُ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَشَرِيفَةٍ وَدَنِيَّةٍ يُخَالِفُ قَوْلَ مَالِكٍ ، وَبِكْرٍ وَثَيِّبٍ يُخَالِفُ قَوْلَ دَاوُدَ .
وَالرَّابِعُ : خُرُوجُ الرِّجَالِ عَنْ حُكْمِ النِّسَاءِ فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ لِتَخْصِيصِهِمْ بِالذِّكْرِ .
وَمِنْهَا فِي قَوْلِهِ : ۝ نَكَحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا خَمْسَةُ دَلَائِلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ اسْمَ النِّكَاحِ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ ، مَجَازٌ فِي الْوَطْءِ ، فَخَالَفَ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِي : ثُبُوتُ الْوِلَايَةِ عَلَى جَمِيعِ النِّسَاءِ فِي نِكَاحِهِنَّ ، قَوْلُ مَنْ قَدَّمْنَا خِلَافَهُ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ لِلْوَلِيِّ أَنْ يُوكِّلَ : لِأَنَّ إِذْنَهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا لِوَكِيلٍ يَنُوبُ عَنْهُ .
وَالرَّابِعُ : أَنْ لَا وِلَايَةَ لِوَصِيٍّ : لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوَلِيٍّ وَلَا نَائِبٍ عَمَّنْ هُوَ فِي الْحَالِ وَلِيٌّ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّ الْعَقْدَ فَاسِدٌ ، قَدْ يُضَافُ إِلَى عَاقِدِهِ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْهُ .
وَمِنْهَا فِي قَوْلِهِ : ۝ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ سِتَّةُ دَلَائِلَ :
أَحَدُهَا : بُطْلَانُ النِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ أَجَازَهُ بِغَيْرِ وَلِيٍّ .
وَالثَّانِي : لَا يَكُونُ إِذَا بَطَلَ مَوْقُوفًا عَلَى إِجَازَةِ الْوَلِيِّ بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ لَا يُفْسَخُ بِطَلْقَةٍ إِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ بِخِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ يُسَمَّى نِكَاحًا .
وَالْخَامِسُ : أَنَّ الْإِضَافَةَ قَدْ تَكُونُ حَقِيقَةً ، وَمَجَازًا .
وَالسَّادِسُ : جَوَازُ تَكْرَارِ اللَّفْظِ وَزِيَادَةٌ فِي الْبَيَانِ وَتَوْكِيدٌ لِلْحُكْمِ : لِأَنَّهُ قَالَ : فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ثَلَاثًا .
وَمِنْهَا فِي قَوْلِهِ : ۝ وَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا خَمْسَةَ عَشَرَ دَلِيلًا :
أَحَدُهَا : أَنَّ الْمَسِيسَ عِبَارَةٌ عَنِ الْوَطْءِ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْوَطْءَ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ مُوجِبٌ لِلْمَهْرِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ مَعَ الْعِلْمِ وَالْجَهْلِ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّ النِّكَاحَ الْفَاسِدَ إِذَا خَلَا مِنَ الْإِنَابَةِ لَمْ يَجِبْ فِيهِ الْمَهْرُ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّ الْخَلْوَةَ لَا تَكْمُلُ بِهَا الْمَهْرُ بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
47 وَالسَّادِسُ : أَنَّ الْمُسْتَكْرَهَةَ عَلَى الزِّنَا يَجِبُ لَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا ، بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالسَّابِعُ : أَنَّ الْإِصَابَةَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرْجَيْنِ مِنْ قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ يُوجِبُ الْمَهْرَ : لِأَنَّهُ فَرْجٌ .
وَالثَّامِنُ : أَنَّ ذَاتَ الزَّوْجِ إِذَا أُصِيبَتْ بِشُبْهَةٍ ، فَلَهَا الْمَهْرُ دُونَ الزَّوْجِ ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ لِلزَّوْجِ .
وَالتَّاسِعُ : أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ بِشُبْهَةٍ يَكُونُ لَهَا الْمَهْرُ لَا فِي بَيْتِ الْمَالِ ، بِخِلَافِ قَوْلِ مَنْ جَعَلَهُ لِبَيْتِ الْمَالِ .
وَالْعَاشِرُ : أَنَّ تَكْرَارَ الْوَطْءِ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ لَا يَجِبُ بِهِ إِلَّا مَهْرٌ وَاحِدٌ ، مَا لَمْ تُغْرَمِ الْمَهْرُ عَمَّا تُقُدِّمَ بِهِ .
وَالْحَادِيَ عَشَرَ : أَنَّ الْإِصَابَةَ دُونَ الْفَرْجِ لَا تُوجِبُ الْمَهْرَ .
وَالثَّانِي عَشَرَ : أَنَّ الْغَارَّةَ لِلزَّوْجِ يَسْقُطُ عَنْهُ مَهْرُهُ بِالْغَرُورِ .
وَالثَّالِثَ عَشَرَ : أَنَّ الْمَوْطُوءَةَ فِي الْعِدَّةِ بِشُبْهَةٍ أَوْ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ كَالْمَوْطُوءَةِ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ، فِي لُحُوقِ النَّسَبِ وَوُجُوبِ الْعِدَّةِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي وُجُوبِ الْمَهْرِ وَلُحُوقِ النَّسَبِ وَالْعِدَّةِ وَتَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ .
وَالْخَامِسَ عَشَرَ : أَنَّ الْمَهْرَ إِذَا اسْتُحِقَّ بِالْإِصَابَةِ فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ فَهُوَ مَهْرُ الْمِثْلِ دُونَ الْمُسَمَّى ، سَوَاءٌ كَانَ أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ أَكْثَرَ ، بِخِلَافِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ : أَنَّهُ يُوجِبُ أَقَلَّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ أَوِ الْمُسَمَّى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : ۝ فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ خَمْسَةُ دَلَائِلَ :
أَحَدُهَا : أَنَّ الْعَصَبَةَ أَحَقُّ بِالْوِلَايَةِ عَلَيْهَا مِنَ السُّلْطَانِ .
وَالثَّانِيَةُ : أَنَّهُمْ إِذَا عَدِمُوا انْتَقَلَتِ الْوِلَايَةُ عَلَيْهَا إِلَى السُّلْطَانِ .
وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْأَقْرَبَ مِنْ عَصَبَتِهَا أَوْلَى مِنَ الْأَبْعَدِ ، كَمَا أَنَّ الْعَصَبَةَ لِقُرْبِهِمْ أَوْلَى مِنَ السُّلْطَانِ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّ الْأَوْلِيَاءَ إِذَا كَانُوا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمْ إِذَا اشْتَجَرُوا أَحَقَّ مِنَ الْبَاقِينَ إِلَّا بِقُرْعَةٍ أَوْ تَسْلِيمٍ .
وَالْخَامِسُ : أَنَّهُمْ إِذَا اشْتَرَكُوا فِي نِكَاحِهَا عَضْلًا لَهَا لَا تَنَازُعًا فِيهَا زَوَّجَهَا السُّلْطَانُ .
وَالِاشْتِجَارُ عَضْلًا : أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : زَوِّجْهَا أَنْتَ ، لِيَصِيرُوا جَمِيعًا عَضْلَةً ، فَزَوَّجَهَا السُّلْطَانُ .
وَالِاشْتِجَارُ إِنْ تَنَازَعَا : أَنْ يَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ : أَنَا أُزَوِّجُهَا ، فَلَا تُنْقَلُ الْوِلَايَةُ إِلَى السُّلْطَانِ : لِأَنَّهُمْ غَيْرُ عَضْلَةٍ بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَهُمْ وَيُزَوِّجُهَا مِنْ قُرِعِ مِنْهُمْ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث