الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَاهُ مِنْ تَحْرِيمِ الرَّضَاعِ بَعْدَ مَا قَدَّمْنَا مِنَ التَّحْرِيمِ بِالنَّسَبِ ، فَقَدْ مَضَى مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ فِي الْآيَةِ تَسِعٌ : سَبْعٌ مِنَ النَّسَبِ ، وَاثْنَتَانِ مِنَ الرَّضَاعِ ، وَبَقِيَ مِنَ الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِنَّ فِي الْآيَةِ خُمْسٌ حَرَّمَهُنَّ اللَّهُ تَعَالَى تَحْرِيمَ مُصَاهَرَةٍ بِعَقْدِ نِكَاحٍ :
إِحْدَاهُنَّ أُمُّ الزَّوْجَةِ بِقَوْلِهِ : وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ .
وَالثَّانِيَةُ : بِنْتُ الزَّوْجَةِ : وَهِيَ الرَّبِيبَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ .
وَالثَّالِثَةُ : زَوْجَةُ الِابْنِ ، وَهِيَ حَلِيلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ .
وَالرَّابِعَةُ : زَوْجَةُ الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ بِالزِّنَا وَالسِّفَاحِ ، فَإِنْ كَانَ نِكَاحُهُنَّ حَلَالًا لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ حَلَائِلَ .
وَالْخَامِسَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ .
فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسُ حَرُمْنَ بِالْقُرْآنِ ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَحْرِيمِ اثْنَتَيْنِ :
إِحْدَاهُمَا : تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا .
200 وَالثَّانِيَةُ : تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا .
وَسَنَذْكُرُ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ ، فَصَارَ الْمُحَرَّمَاتُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ سَبْعًا ، كَمَا كَانَ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَنْسَابِ سَبْعًا ، وَكَمَا صَارَتِ الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ سَبْعًا ، وَهَؤُلَاءِ السَّبْعُ الْمُحَرَّمَاتُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَنْقَسِمُ حُكْمُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ :
قِسْمٌ حَرُمْنَ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ .
وَقِسْمٌ حَرُمْنَ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ .
وَقِسْمٌ حَرُمْنَ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَبِالدُّخُولِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ .
فَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ فَهُنَّ ثَلَاثٌ :
إِحْدَاهُنَّ : أُمُّ الزَّوْجَةِ ، هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ سَوَاءً دَخَلَ بِالْبِنْتِ أَمْ لَا ، أَقَامَ مَعَهَا أَوْ فَارَقَهَا ، قَدْ صَارَتْ أُمُّهَا حَرَامًا عَلَيْهِ أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ أَمُّ الْأُمِّ وَمَنْ عَلَا مِنْ جَدَّاتِهَا حَرُمْنَ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَهَلْ يَحْرُمْنَ بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَقْدٍ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ .
وَالثَّانِيَةُ : زَوْجَةُ الْأَبِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الِابْنِ بِعَقْدِ الْأَبِ عَلَيْهَا تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، سَوَاءً دَخَلَ الْأَبُ بِهَا أَمْ لَا ، وَكَذَلِكَ زَوْجَةُ الْجَدِّ وَمَنْ عَلَا مِنَ الْأَجْدَادِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، وَهَلْ حَرُمْنَ بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَقْدٍ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَعَلَى قَوْلَيْنِ .
رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَّ بِي خَالِي وَمَعَهُ لِوَاءٌ ، فَقُلْتُ : يَا خَالِي ، أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَقَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ آتِيهِ بِرَأْسِهِ .
وَالثَّالِثَةُ : زَوْجَةُ الِابْنِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ لِعَقْدِ الِابْنِ عَلَيْهَا تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، سَوَاءً دَخَلَ بِهَا الِابْنُ أَمْ لَا ، وَهِيَ الْحَلِيلَةُ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا الْحَلِيلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهَا سُمِّيَتْ حَلِيلَةً : لِأَنَّهَا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ .
وَالثَّانِي : لِأَنَّهَا تَحُلُّ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَحُلُّ بِهِ الزَّوْجُ .
وَالثَّالِثُ : لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ إِزَارَ صَاحِبِهِ .
وَإِذَا حَرُمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ ، فَكَذَلِكَ حَلِيلَةُ ابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ عَلَا ، وَهَلْ تَحْرُمُ بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَقْدٍ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ .
فَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَالْأَبُ قَدْ وَطِئَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ حُدَّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا 201 الْقَوْلَانِ إِذَا كَانَ الْأَبُ قَدْ وَطِئَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَالِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَيُصَوَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ بِحَدِّهِ فَلَزِمَهُمَا فِي الْمَعْنَى .
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ ، مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ :
إِحْدَاهُنَّ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أُخْتُهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَوْ لِلْأَبِ ، أَوْ لِلْأُمِّ ، فَإِذَا فَارَقَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مِنْهُمَا حَلَّ لَهُ أُخْتُهَا .
وَالثَّانِيَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّةِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا ، وَعَمَّةِ أُمِّهَا وَجَدَّتِهَا ، ثُمَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِمَا بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ .
وَالثَّالِثُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَةِ أُمِّهَا وَجَدَّاتِهَا ، وَخَالَةِ أَبِيهَا وَأَجْدَادِهَا ، ثُمَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِمَا بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ .
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ عَقْدٍ وَبِالدُّخُولِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، فَجِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَهُنَّ الرَّبَائِبُ .
وَالرَّبِيبَةُ بِنْتُ الزَّوْجَةِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا تَحْرِيمَ جَمْعٍ ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ بِنْتِهَا ، وَبِنْتُ ابْنِهَا وَإِنْ سَفُلَتْ تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ ، وَبِالدُّخُولِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، ثُمَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِهَا بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لِمَاذَا حَرَّمْتُمْ بِنْتَ الرَّبِيبَةِ كَالرَّبِيبَةِ : فَهَلَّا حَرَّمْتُمْ بِنْتَ حَلِيلَةِ الِابْنِ كَالْحَلِيلَةِ ؟ .
قُلْنَا : لَا تَحْرُمُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ بِنْتَ الرَّبِيبَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الرَّبِيبَةِ فَحُرِّمَتْ كَالرَّبِيبَةِ ، وَبَنَتَ الْحَلِيلَةِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْحَلِيلَةِ فَلَمْ تُحَرَّمْ .
وَالثَّانِي : هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ إِنَّمَا هُوَ يَصِيرُ الزَّوْجُ الْوَاحِدُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ ذِي نَسَبَيْنِ كَحَلِيلَةِ الِابْنِ مَعَ الْأَبِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي بِنْتِ الرَّبِيبَةِ فَحُرِّمَتْ كَالرَّبِيبَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي بِنْتِ الْحَلِيلَةِ : لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعِ الْوَاحِدُ ذَاتَ نَسَبَيْنِ ، وَلَا اجْتَمَعَ فِي الْوَاحِدَةِ ذُو نَسَبَيْنِ ، فَلَمْ يُحَرَّمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِحْدَاهُنَّ أُمُّ الزَّوْجَةِ بِقَوْلِهِ : وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ .
وَالثَّانِيَةُ : بِنْتُ الزَّوْجَةِ : وَهِيَ الرَّبِيبَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ .
وَالثَّالِثَةُ : زَوْجَةُ الِابْنِ ، وَهِيَ حَلِيلَتُهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ .
وَالرَّابِعَةُ : زَوْجَةُ الْأَبِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ بِالنِّكَاحِ الصَّحِيحِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ بِالزِّنَا وَالسِّفَاحِ ، فَإِنْ كَانَ نِكَاحُهُنَّ حَلَالًا لِأَنَّهُنَّ لَمْ يَكُنَّ حَلَائِلَ .
وَالْخَامِسَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ .
فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسُ حَرُمْنَ بِالْقُرْآنِ ، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ بِتَحْرِيمِ اثْنَتَيْنِ :
إِحْدَاهُمَا : تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا .
200 وَالثَّانِيَةُ : تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا .
وَسَنَذْكُرُ السُّنَّةَ الْوَارِدَةَ ، فَصَارَ الْمُحَرَّمَاتُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ سَبْعًا ، كَمَا كَانَ الْمُحَرَّمَاتُ بِالْأَنْسَابِ سَبْعًا ، وَكَمَا صَارَتِ الْمُحَرَّمَاتُ بِالرَّضَاعِ سَبْعًا ، وَهَؤُلَاءِ السَّبْعُ الْمُحَرَّمَاتُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ يَنْقَسِمُ حُكْمُهُنَّ فِي التَّحْرِيمِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ :
قِسْمٌ حَرُمْنَ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ .
وَقِسْمٌ حَرُمْنَ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ .
وَقِسْمٌ حَرُمْنَ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ وَبِالدُّخُولِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ .
فَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ فَهُنَّ ثَلَاثٌ :
إِحْدَاهُنَّ : أُمُّ الزَّوْجَةِ ، هِيَ حَرَامٌ عَلَيْهِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ سَوَاءً دَخَلَ بِالْبِنْتِ أَمْ لَا ، أَقَامَ مَعَهَا أَوْ فَارَقَهَا ، قَدْ صَارَتْ أُمُّهَا حَرَامًا عَلَيْهِ أَبَدًا ، وَكَذَلِكَ أَمُّ الْأُمِّ وَمَنْ عَلَا مِنْ جَدَّاتِهَا حَرُمْنَ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَهَلْ يَحْرُمْنَ بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَقْدٍ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ .
وَالثَّانِيَةُ : زَوْجَةُ الْأَبِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الِابْنِ بِعَقْدِ الْأَبِ عَلَيْهَا تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، سَوَاءً دَخَلَ الْأَبُ بِهَا أَمْ لَا ، وَكَذَلِكَ زَوْجَةُ الْجَدِّ وَمَنْ عَلَا مِنَ الْأَجْدَادِ مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، وَهَلْ حَرُمْنَ بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ؟ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَقْدٍ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَعَلَى قَوْلَيْنِ .
رَوَى عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَّ بِي خَالِي وَمَعَهُ لِوَاءٌ ، فَقُلْتُ : يَا خَالِي ، أَيْنَ تَذْهَبُ ؟ فَقَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ آتِيهِ بِرَأْسِهِ .
وَالثَّالِثَةُ : زَوْجَةُ الِابْنِ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْأَبِ لِعَقْدِ الِابْنِ عَلَيْهَا تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، سَوَاءً دَخَلَ بِهَا الِابْنُ أَمْ لَا ، وَهِيَ الْحَلِيلَةُ ، وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهَا الْحَلِيلَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ :
أَحَدُهَا : أَنَّهَا سُمِّيَتْ حَلِيلَةً : لِأَنَّهَا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ .
وَالثَّانِي : لِأَنَّهَا تَحُلُّ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يَحُلُّ بِهِ الزَّوْجُ .
وَالثَّالِثُ : لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَحِلُّ إِزَارَ صَاحِبِهِ .
وَإِذَا حَرُمَتْ حَلِيلَةُ الِابْنِ ، فَكَذَلِكَ حَلِيلَةُ ابْنِ الِابْنِ وَإِنْ سَفَلَ تَحْرُمُ عَلَى الْأَبِ وَإِنْ عَلَا ، وَهَلْ تَحْرُمُ بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ ؟ عَلَى مَا مَضَى مِنَ الْوَجْهَيْنِ ، فَإِنْ وَطِئَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِعَقْدٍ حُدَّ ، وَإِنْ كَانَ بِمِلْكِ يَمِينٍ فَعَلَى مَا مَضَى مِنَ الْقَوْلَيْنِ .
فَإِنْ كَانَ الِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، وَالْأَبُ قَدْ وَطِئَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ حُدَّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَأَمَّا 201 الْقَوْلَانِ إِذَا كَانَ الْأَبُ قَدْ وَطِئَهَا بِالزَّوْجِيَّةِ ، وَالِابْنُ قَدْ وَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ ، فَيُصَوَّرُ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي الْحُكْمِ بِحَدِّهِ فَلَزِمَهُمَا فِي الْمَعْنَى .
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ ، مِنْهُنَّ ثَلَاثٌ :
إِحْدَاهُنَّ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ حَرُمَ عَلَيْهِ أُخْتُهَا ، وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ ، أَوْ لِلْأَبِ ، أَوْ لِلْأُمِّ ، فَإِذَا فَارَقَ الَّتِي تَزَوَّجَهَا مِنْهُمَا حَلَّ لَهُ أُخْتُهَا .
وَالثَّانِيَةُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا ، كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّةِ أَبِيهَا وَجَدِّهَا ، وَعَمَّةِ أُمِّهَا وَجَدَّتِهَا ، ثُمَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِمَا بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ .
وَالثَّالِثُ : الْجَمْعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ، وَكَذَلِكَ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَةِ أُمِّهَا وَجَدَّاتِهَا ، وَخَالَةِ أَبِيهَا وَأَجْدَادِهَا ، ثُمَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِهِمَا بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ .
وَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ عَقْدٍ وَبِالدُّخُولِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، فَجِنْسٌ وَاحِدٌ ، وَهُنَّ الرَّبَائِبُ .
وَالرَّبِيبَةُ بِنْتُ الزَّوْجَةِ ، فَإِذَا عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا تَحْرِيمَ جَمْعٍ ، فَإِذَا دَخَلَ بِالْأُمِّ حَرُمَتْ عَلَيْهِ ابْنَتُهَا تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، وَكَذَلِكَ بِنْتُ بِنْتِهَا ، وَبِنْتُ ابْنِهَا وَإِنْ سَفُلَتْ تَحْرُمُ بِالْعَقْدِ تَحْرِيمَ جَمْعٍ ، وَبِالدُّخُولِ تَحْرِيمَ تَأْبِيدٍ ، ثُمَّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِنْ تَحْرِيمِهَا بِالِاسْمِ أَوْ بِمَعْنَاهُ .
فَإِنْ قِيلَ : لِمَاذَا حَرَّمْتُمْ بِنْتَ الرَّبِيبَةِ كَالرَّبِيبَةِ : فَهَلَّا حَرَّمْتُمْ بِنْتَ حَلِيلَةِ الِابْنِ كَالْحَلِيلَةِ ؟ .
قُلْنَا : لَا تَحْرُمُ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ بِنْتَ الرَّبِيبَةِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الرَّبِيبَةِ فَحُرِّمَتْ كَالرَّبِيبَةِ ، وَبَنَتَ الْحَلِيلَةِ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْحَلِيلَةِ فَلَمْ تُحَرَّمْ .
وَالثَّانِي : هُوَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الْمَعْنَى الْمُعْتَبَرِ فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ إِنَّمَا هُوَ يَصِيرُ الزَّوْجُ الْوَاحِدُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ ذِي نَسَبَيْنِ كَحَلِيلَةِ الِابْنِ مَعَ الْأَبِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُودٌ فِي بِنْتِ الرَّبِيبَةِ فَحُرِّمَتْ كَالرَّبِيبَةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي بِنْتِ الْحَلِيلَةِ : لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعِ الْوَاحِدُ ذَاتَ نَسَبَيْنِ ، وَلَا اجْتَمَعَ فِي الْوَاحِدَةِ ذُو نَسَبَيْنِ ، فَلَمْ يُحَرَّمْ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث