الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء التاسع
الصفحة 5433 · ص. المطبوع 605
فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ كَانَ الْحَكَمَانِ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ حَاكِمَيْنِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ الثَّانِي وَكِيلَيْنِ ، وَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ شُرُوطٍ فِي صِحَّةِ تَحْكِيمِهِمَا ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ .
قِسْمٌ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا .
وَقِسْمٌ يُسْتَحَبُّ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا .
وَقِسْمٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِيهِمَا .
فَأَمَّا مَا يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِيهِمَا مِنَ الشُّرُوطِ فَثَلَاثَةٌ :
أَحَدُهَا : أَنْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا امْرَأَةً ، لَمْ يَجُزْ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَا حُرَّيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا عَبْدًا ، لَمْ يَجُزْ .
وَالثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَوْ أَحَدُهُمَا غَيْرَ عَدْلٍ ، لَمْ يَجُزْ .
وَإِنَّمَا اعْتَبَرْنَا هَذِهِ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ؛ لِأَنَّهُمَا إِنْ كَانَا حَاكِمَيْنِ فَلَا بُدَّ مِنِ اعْتِبَارِ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي الْحَاكِمِ ، وَإِنْ كَانَا وَكِيلَيْنِ فَقَدِ اقْتَرَنَ بِوَكَالَتِهِمَا وِلَايَةُ اخْتِيَارِ الْحَاكِمِ لَهُمَا ، وَلَا يَصِحُّ فِيمَنْ رُدَّ الْحُكْمُ إِلَيْهِ نَظَرٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَاكِمَ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَرُدَّ النَّظَرَ فِي مَالِ يَتِيمٍ إِلَى عَبْدٍ أَوْ فَاسْقٍ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَكُونَ وَكِيلًا .
وَأَمَّا مَا يُسْتَحَبُّ اعْتِبَارُهُ فَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْحَكَمَانِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا ، وَلِأَنَّ الْأَوَّلَ أَخَصُّ بِطَلَبِ الْحَظِّ مِنَ الْأَجَانِبِ ؛ 605 وَلِأَنَّ الْأُنْسَ بِالْأَهْلِ وَالِاسْتِجَابَةَ لَهُمْ ، وَشَرْحَ الْحَالِ مَعَهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الْأَجَانِبِ ، فَلِهَذِهِ الْأُمُورِ اخْتَرْنَا أَنْ يَكُونَ الْحَكَمَانِ مِنْ أَهْلِ الزَّوْجَيْنِ ، فَإِنْ كَانَا أَجْنَبِيَّيْنِ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ إِنْ جَرَى التَّحْكِيمُ مَجْرَى الْحَاكِمِ ، فَحُكْمُ الْأَجْنَبِيِّ نَافِذٌ ، وَإِنْ جَرَى مَجْرَى الْوَكَالَةِ فَوَكَالَةُ الْأَجْنَبِيِّ جَائِزَةٌ ؛ وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ لِوَاحِدٍ مِنَ الزَّوْجَيْنِ أَهْلٌ وَلَا إِنْ كَانُوا حَضَرُوا ، وَلَا إِنْ حَضَرُوا كَانُوا عُدُولًا ، فَدَعَتِ الضَّرُورَةُ إِلَى جَوَازِ تَحْكِيمِ غَيْرِ الْأَهْلِ .
وَأَمَّا مَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْقَوْلِ فِيهِمَا ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَا فَقِيهَيْنِ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي الْأَحْكَامِ .
فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرَى الْحَاكِمَيْنِ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ أَهْلِهِ لَمْ يَجُزْ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ فَلَمْ يَنْفُذْ إِلَّا مِنْ مُجْتَهِدٍ ، وَإِنْ قُلْنَا : إِنَّهُمَا يَجْرِيَانِ مَجْرَى الْوَكِيلَيْنِ جَازَ أَلَّا يَكُونَا مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ ؛ لِأَنَّ وَكَالَةَ الْعَامَّةِ جَائِزَةٌ ، فَإِنْ عَدَلَ الْحَاكِمُ عَنْ أَهْلِهَا إِلَى أَجْنَبِيَّيْنِ اخْتَارَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَكَمًا يَثِقُ بِهِ وَيَأْنَسُ إِلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحَكِّمَ عَلَيْهِمَا عَدُوَّيْنِ لِلتُّهْمَةِ اللَّاحِقَةِ بِهِمَا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث