الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء العاشر
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِنْ كَانَ أَبْكَمَ أَوْ أَصَمَّ يَعْقِلُ، أَوْ أَحْمَقَ أَوْ ضَعِيفَ الْبَطْشِ ( قَالَ ) فِي الْقَدِيمِ الْأَخْرَسُ لَا يُجْزِئُ ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْلَى بِقَوْلِهِ إِنَهُ يُجْزِئُ لِأَنَّ أَصْلَهُ أَنَّ مَا أَضَرَّ بِالْعَمَلِ ضَرَرًا بَيِّنًا لَمْ يُجْزِ وَإِنْ لَمْ يُضِرَّ كَذَلِكَ أَجْزَأَ ( قَالَ ) وَالَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ يُجْزِئُ، وَإِنْ كَانَ مُطْبِقًا لَمْ يُجْزِئْ وَيَجُوزُ الْمَرِيضُ لِأَنَّهُ يُرْجَى، وَالصَّغِيرُ كَذَلِكَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الصَّمَمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ، وَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يُجْزِئُ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ فَكَانَ الْمُزَنِيُّ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ إِذَا كَانَ أَبْكَمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْخَرَسِ وَالصَّمِّ لِأَنَّهُمَا نُقْصَانٌ يَضُرُّ اجْتِمَاعُهُمَا بِالْعَمَلِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يُجْزِئُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَرَسِ دُونَ الصَّمِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّ اخْتِلَافَ حَالَيْهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ فِي خَرَسِهِ، وَقَوْلَهُ فِي الْجَدِيدِ يُجْزِئُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ فِي خَرَسِهِ .
وَأَمَّا الضَّعِيفُ الْبَطْشُ لِضُؤُولَةِ جِسْمِهِ وَدِقَّةِ عَظْمِهِ، فَإِنْ كَانَ ضَعْفُ بَطْشِهِ قَدْ فَوَّتَ أَكْثَرَ عَمَلِهِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَوَّتَ أَقَلَّهُ أَجْزَأَهُ .
وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْبُرْءِ أَجْزَأَ وَإِنْ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو جِسْمٌ مِنْ مَرَضٍ ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ عَاشَ ، وَأَمَّا عُلُوُّ السِّنِّ فَإِنْ أَفْضَى لِلْهَرَمِ وَذَهَابِ الْبَطْشِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ نَاهِضَ الْحَرَكَةِ ظَاهِرَ الْبَطْشِ أَجْزَأَهُ .
فَأَمَّا الطِّفْلُ الصَّغِيرُ فَيُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ ابْنَ يَوْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الزِّيَادَةِ وَالْكَمَالِ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ الْمَرْجُوَّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغِرَّةِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ .
وَأَمَّا الْأَعْرَجُ فَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي مَشْيِهِ مُؤَثِّرًا فِي حَرَكَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ أَجْزَأَهُ، وَيُجْزِئُ الْأَغْشَمُ وَالْأَخْشَمُ، وَعِتْقُ غَيْرِ ذِي الصِّنَاعَةِ وَعِتْقُ الْفَاسِقِ وَوَلَدِ الزِّنَا ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يُجْزِئُ عِتْقُ وَلَدِ الزِّنَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ 495 وَهَذَا مَذْهَبٌ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي عِتْقِ الْكَفَّارَةِ سَلَامَةُ الدِّينِ وَالْعَمَلِ ، وَلَيْسَ وِلَادَتُهُ مِنْ رِيبَةٍ مُؤَثِّرًا فِي أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ .
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : شَرُّ الثَّلَاثَةِ ذِكْرًا ؛ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ أَبَدًا أَنَّهُ وَلَدُ زِنًا إِذَا سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ .
وَالثَّانِي : شَرُّ الثَّلَاثَةِ نَسَبًا لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى أَبٍ .
وَالثَّالِثُ : شَرُّ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَ زَانِيًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ الزِّنَا وَفَسَادِ النَّسَبِ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ عَرَّفَهُ بِالشَّرِّ فَقَالَ : وَلَدُ الزِّنَا مِنْهُمْ هُوَ شَرُّهُمْ كَمَا يُقَالُ : الْمُشْتَمِلُ بِثَوْبِهِ هُوَ شَرُّ الْجَمَاعَةِ لَا لِاشْتِمَالِهِ بِالثَّوْبِ، وَلَكِنْ نَبِّهْ عَلَيْهِ بِاشْتِمَالِ الثَّوْبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَأَمَّا الْأَصَمُّ فَيُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الصَّمَمَ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعَمَلِ، وَأَمَّا الْأَخْرَسُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يُجْزِئُ، وَقَالَ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ فَكَانَ الْمُزَنِيُّ يَحْمِلُ ذَلِكَ عَلَى اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ ، وَذَهَبَ سَائِرُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِيهِمَا عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ إِذَا كَانَ أَبْكَمَ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الْخَرَسِ وَالصَّمِّ لِأَنَّهُمَا نُقْصَانٌ يَضُرُّ اجْتِمَاعُهُمَا بِالْعَمَلِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهُ يُجْزِئُ إِذَا انْفَرَدَ بِالْخَرَسِ دُونَ الصَّمِّ .
وَالثَّانِي : أَنَّ اخْتِلَافَ حَالَيْهِمَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْقَدِيمِ لَا يُجْزِئُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ فِي خَرَسِهِ، وَقَوْلَهُ فِي الْجَدِيدِ يُجْزِئُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ يَفْهَمُ الْإِشَارَةَ فِي خَرَسِهِ .
وَأَمَّا الضَّعِيفُ الْبَطْشُ لِضُؤُولَةِ جِسْمِهِ وَدِقَّةِ عَظْمِهِ، فَإِنْ كَانَ ضَعْفُ بَطْشِهِ قَدْ فَوَّتَ أَكْثَرَ عَمَلِهِ لَمْ يُجْزِهِ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ فَوَّتَ أَقَلَّهُ أَجْزَأَهُ .
وَأَمَّا الْمَرِيضُ فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْبُرْءِ أَجْزَأَ وَإِنْ مَاتَ ؛ لِأَنَّهُ قَلَّمَا يَخْلُو جِسْمٌ مِنْ مَرَضٍ ، وَإِنْ كَانَ مَخُوفًا لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ عَاشَ ، وَأَمَّا عُلُوُّ السِّنِّ فَإِنْ أَفْضَى لِلْهَرَمِ وَذَهَابِ الْبَطْشِ لَمْ يُجْزِهِ وَإِنْ كَانَ نَاهِضَ الْحَرَكَةِ ظَاهِرَ الْبَطْشِ أَجْزَأَهُ .
فَأَمَّا الطِّفْلُ الصَّغِيرُ فَيُجْزِئُ وَإِنْ كَانَ ابْنَ يَوْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الزِّيَادَةِ وَالْكَمَالِ، فَأَشْبَهَ الْمَرَضَ الْمَرْجُوَّ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْغِرَّةِ فِي دِيَةِ الْجَنِينِ .
وَأَمَّا الْأَعْرَجُ فَإِنْ كَانَ مُقَصِّرًا فِي مَشْيِهِ مُؤَثِّرًا فِي حَرَكَتِهِ لَمْ يُجْزِهِ، وَإِنْ كَانَ بِخِلَافِهِ أَجْزَأَهُ، وَيُجْزِئُ الْأَغْشَمُ وَالْأَخْشَمُ، وَعِتْقُ غَيْرِ ذِي الصِّنَاعَةِ وَعِتْقُ الْفَاسِقِ وَوَلَدِ الزِّنَا ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يُجْزِئُ عِتْقُ وَلَدِ الزِّنَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَلَدُ الزِّنَا شَرُّ الثَّلَاثَةِ 495 وَهَذَا مَذْهَبٌ فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي عِتْقِ الْكَفَّارَةِ سَلَامَةُ الدِّينِ وَالْعَمَلِ ، وَلَيْسَ وِلَادَتُهُ مِنْ رِيبَةٍ مُؤَثِّرًا فِي أَحَدِهِمَا فَلَمْ يَمْنَعِ الْإِجْزَاءَ .
فَأَمَّا الْخَبَرُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ تَأْوِيلَاتٍ :
أَحَدُهَا : شَرُّ الثَّلَاثَةِ ذِكْرًا ؛ لِأَنَّهُ يُذْكَرُ أَبَدًا أَنَّهُ وَلَدُ زِنًا إِذَا سُئِلَ عَنْ أَبِيهِ .
وَالثَّانِي : شَرُّ الثَّلَاثَةِ نَسَبًا لِأَنَّهُ لَا يُنْسَبُ إِلَى أَبٍ .
وَالثَّالِثُ : شَرُّ الثَّلَاثَةِ إِنْ كَانَ زَانِيًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجْمَعُ بَيْنَ الزِّنَا وَفَسَادِ النَّسَبِ .
وَالرَّابِعُ : أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّعْرِيفِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ وَاحِدًا مِنْ ثَلَاثَةٍ، وَقَدْ عَرَّفَهُ بِالشَّرِّ فَقَالَ : وَلَدُ الزِّنَا مِنْهُمْ هُوَ شَرُّهُمْ كَمَا يُقَالُ : الْمُشْتَمِلُ بِثَوْبِهِ هُوَ شَرُّ الْجَمَاعَةِ لَا لِاشْتِمَالِهِ بِالثَّوْبِ، وَلَكِنْ نَبِّهْ عَلَيْهِ بِاشْتِمَالِ الثَّوْبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث