الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الحادي عشر
الصفحة 6035 · ص. المطبوع 6
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ إِلَى قَوْلِهِ : أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَجُمْلَةُ الْقَذْفِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِنْ زَوْجٍ ، أَوْ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ زَوْجٍ فَتَعَلَّقَ بِقَذْفِهِ ثَلَاثَةُ أَحْكَامٍ ، وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ ثَمَانُونَ جَلْدَةً إِنْ كَانَ حُرًّا ، وَرَدُّ شَهَادَتِهِ ، وَثُبُوتُ فِسْقِهِ ، وَلَا تَنْتِفِي عَنْهُ أَحْكَامُ الْقَذْفِ إِلَّا بِأَحَدِ أَمْرَيْنِ : إِمَّا بِتَصْدِيقِهَا ، وَإِمَّا بِإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَاهَا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ يَصِفُونَ مُشَاهِدَةَ زِنَاهَا ، فَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ وَيَزُولُ فِسْقُهُ .
6 وَأَصْلُ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ النُّورِ : 4 ] .
وَإِنْ كَانَ الْقَاذِفُ زَوْجًا تَعَلَّقَ بِقَذْفِهِ مَا ذَكَرْنَا مِنَ الْأَحْكَامِ الثَّلَاثَةِ : الْحَدُّ ، وَرَدُّ الشَّهَادَةِ ، وَالتَّفْسِيقُ ، فَيَصِيرُ مُشَارِكًا لِلْأَجْنَبِيِّ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِقَذْفِهَا ، وَلَهُ إِسْقَاطُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ ، يُشَارِكُ الْأَجْنَبِيَّ فِي اثْنَيْنِ مِنْهَا ، وَيَخْتَصُّ بِالثَّالِثِ ، فَأَمَّا الِاثْنَانِ الْمُسَاوِي لِلْأَجْنَبِيِّ فِيهِمَا :
أَحَدُهُمَا : تَصْدِيقُهَا لَهُ .
وَالثَّانِي : إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى زِنَاهَا . فَيَسْقُطُ عَنْهُ بِكُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ الْحُكْمَيْنِ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ . فَأَمَّا الثَّالِثُ الَّذِي يَخْتَصُّ بِهِ لِأَجْلِ الزَّوْجِيَّةِ : فَهُوَ اللِّعَانُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْقُرْآنِ الْوَارِدِ فِيهِ مِمَّا يَسْقُطُ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ ، فَأَمَّا ارْتِفَاعُ الْفِسْقِ فَمُعْتَبَرٌ بِحَالِهَا ، فَإِنْ لَمْ تُلَاعِنْ بَعْدُ وَحُدَّتِ ارْتَفَعَ عَنْهُ الْفِسْقُ ، لِأَنَّ لِعَانَهُ قَدْ صَارَ كَالْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا فِي وُجُوبِ الْحَدِّ . وَإِنْ لَاعَنَتْ وَلَمْ تُحَدَّ احْتَمَلَ ارْتِفَاعُ فِسْقِهِ وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : قَدِ ارْتَفَعَ فِسْقُهُ ؛ لِأَنَّهُ كَالْبَيِّنَةِ فِي حَقِّهِ لِسُقُوطِ حَدِّهِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يَرْتَفِعُ فِسْقُهُ ؛ لِأَنَّ لِعَانَهَا مُعَارِضٌ لِلِعَانِهِ ، وَهُوَ مَانِعٌ مِنْ وُجُوبِ حَدِّهَا بِهِ ، فَإِنْ قِيلَ : لِمَ اخْتَصَّ الزَّوْجُ بِالْقَذْفِ دُونَ الْأَجْنَبِيِّ ؟ قِيلَ : لِأَنَّ الزَّوْجَ مُضْطَرٌّ إِلَى إِزَالَةِ الْمَعَرَّةِ عَنْ فِرَاشِهِ وَنَفْيِ النَّسَبِ الَّذِي لَيْسَ مِنْهُ ، فَصَارَ مَعْذُورًا فِي الْقَذْفِ ، فَجَازَ أَنْ يُجْعَلَ لَهُ مِنْ نَفْيِهِ سَبِيلٌ إِلَى سُقُوطِ الْحَدِّ وَرَفْعِ الْمَعَرَّةِ وَنَفْيِ النَّسَبِ ، وَلَيْسَ الْأَجْنَبِيُّ مُضْطَرًّا ، فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَذْفِ مَعْذُورًا فَصَارَ أَغْلَظَ حُكْمًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث