الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
الصفحة 716 · ص. المطبوع 329
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " وَأَكْرَهُ إِمَامَةَ الْفَاسِقِ ، وَالْمُظْهِرِ لِلْبِدَعِ ، وَلَا يُعِيدُ مَنِ ائْتَمَّ بِهِمَا " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ ، أَصْلُ الْفِسْقِ الْخُرُوجُ مِنَ الشَّيْءِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ [ الْكَهْفِ : 50 ] . أَيْ خَرَجَ مِنْ طَاعَتِهِ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : فُلَانٌ فَاسِقٌ . إِذَا كَانَ عُرْيَانًا قَدْ تَجَرَّدَ مِنْ أَثْوَابِهِ ، وَتَقُولُ : فَسَقَتِ الرَّطْبَةُ . إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرِهَا : فَالْفَاسِقُ فِي دِينِهِ : هُوَ الْخَارِجُ مِنْ طَاعَةِ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، فِكُرِهَ إِمَامَتُهُ ، وَيُمْنَعُ مِنْهَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ يَؤُمُّكُمْ أَقْرَؤُكُمْ فَأَجْهَرَ بِالْفَضْلِ فِي الذِّكْرِ وَنَبَّهَ عَلَى الْفَضْلِ فِي غَيْرِ الذِّكْرِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : أَصْلَحُكُمْ ، وَأَوْدَعُكُمْ ، وَأَرْشَدُكُمْ . وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ لِيَؤُمَّكُمْ خِيَارُكُمْ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ انْتَقِدُوا أَئِمَّتَكُمُ انْتِقَادَ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ .
فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ إِمَامَةَ الْفَاسِقِ مَمْنُوعٌ مِنْهَا فَالْفِسْقُ عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يُخْرِجَهُ مِنَ الْمِلَّةِ وَيُبَايِنَ بِهِ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ ، وَيَصِيرَ بِهِ كَافِرًا ، كَشَارِبِ الْخَمْرِ بِعَيْنِهَا ، وَيَعْتَقِدُ إِبَاحَتَهَا ، وَتَحْلِيلَهَا ، أَوْ مَنْ زَنَى ، أَوْ لَاطَ مُصِرًّا لَا يَرَى ذَلِكَ حَرَامًا ، وَلَا أَنَّهُ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ ، وَإِذَا اسْتَحَلَّ الْأَمْوَالَ الْمَحْظُورَةَ اسْتِخْفَافًا بِحَقِّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، أَوِ اسْتَبَاحَ سَفْكَ الدِّمَاءِ الْمَحْقُونَةِ اجْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، فَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ مِنَ الْفِسْقِ فَهُوَ كَافِرٌ ، وَإِمَامَتُهُ غَيْرُ جَائِزَةٍ ، فَمَنِ ائْتَمَّ بِهِ كَانَ كَمَنِ ائْتَمَّ بِكَافِرٍ عَلَى مَا نَذْكُرُ الْحُكْمَ فِيهِ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : مِنَ الْفِسْقِ مَا لَا يُخْرِجُ مِنَ الْمِلَّةِ ، وَلَا يُبَايِنُ بِهِ أَهْلَ الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ فِي الْفِعْلِ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ فِي الِاعْتِقَادِ . فَالْفَاسِقُ بِفِعْلِهِ كَشَارِبِ الْخَمْرِ نَادِمًا ، وَالْمُقْدِمِ عَلَى 329 الْمَحْظُورَاتِ خَائِفًا مُسْتَنْفِرًا ، وَالْفَاسِقُ بِاعْتِقَادِهِ كَمَنْ يَرَى سَبَّ الصَّحَابَةِ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَتَكْفِيرَهُمْ كَالْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ .
فَهَذَانِ الضَّرْبَانِ مِنَ الْفِسْقِ لَا يَكُونُ بِهِمَا كَافِرًا ، وَإِمَامَةُ مَنْ هَذَا وَصْفُهُ مَكْرُوهَةٌ وَلَا إِعَادَةَ عَلَى مَنِ ائْتَمَّ بِهِ .
قَالَ مَالِكٌ : الْفَاسِقُ بِغَيْرِ تَأْوِيلٍ لَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ خَلْفَهُ ، وَفِي الْمُتَأَوِّلِ عَنْهُ رِوَايَتَانِ .
330 وَالدَّلَالَةُ عَلَى مَا ذَهَبْنَا إِلَيْهِ رِوَايَةُ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ مَحْكُولٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ۝ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ أَمِيرٍ بَرٍّ ، أَوْ فَاجِرٍ ، وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ خَلْفَ كُلِّ بَرٍّ أَوْ فَاجِرٍ وَرُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ صَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَأَنَسًا ، صَلَّوْا خَلْفَ الْحَجَّاجِ ، وَكَفَى بِهِ فَاسِقًا ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ صَحَّ أَنْ يَكُونَ مَأْمُومًا صَحَّ أَنْ يَكُونَ إِمَامًا كَالْعَدْلِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث