الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثالث عشر
الصفحة 7511 · ص. المطبوع 358
فَصْلٌ : وَمَنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُتِلَ وَصُلِبَ ، فَكَانَ الْقَتْلُ بِالْقَتْلِ وَالصَّلْبُ بِأَخْذِ الْمَالِ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ جَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَ الْقَطْعِ وَالْقَتْلِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ مَعَهُ . وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ الصَّلْبَ حَدًّا وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقَتْلِ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي جُرْمَيْنِ مَقْصُودَيْنِ بِالْمُحَارَبَةِ ، وَلَا يُقْصَدُ فِي الْأَغْلَبِ بِهِمَا إِلَّا الْمَالُ وَالْقَتْلُ ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْعُقُوبَتَيْنِ مَقْصُودَ الْحِرَابَةِ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصْلَبُ ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ : أَنَّهُ يُصْلَبُ بَعْدَ قَتْلِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ : يُصْلَبُ حَيًّا ، ثُمَّ يُبْعَجُ بَطْنُهُ بِالرِّمَاحِ ، أَوْ يُرْمَى بِالسِّهَامِ حَتَّى يُقْتَلَ . وَحَكَاهُ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ : لِأَنَّ الصَّلْبَ إِذَا كَانَ حَدًّا وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْحَيَاةِ : لِأَنَّ الْحُدُودَ لَا تُقَامُ عَلَى مَيِّتٍ . وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعْلِيلِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِلَى أَنَّهُ يُصْلَبُ حَيًّا ، وَيُتْرَكُ عَلَى حَالِهِ مَصْلُوبًا حَتَّى يَمُوتَ . وَلَيْسَ هَذَا صَحِيحًا : لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْذِيبِ نَفْسِهِ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ۝ إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الْإِحْسَانَ ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ . وَرُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ۝ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُجْعَلَ الرُّوحُ غَرَضًا . 358 وَقَوْلُهُمْ : إِنَّهُ حَدٌّ لَا يُقَامُ عَلَى مَيِّتٍ . فَيُقَالُ لَهُمْ : هُوَ وَإِنْ كَانَ حَدًّا ، فَالْمَقْصُودُ بِهِ رَدْعُ غَيْرِهِ : لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يُرْدَعُ ، وَإِنَّمَا يُرْدَعُ بِهِ الْأَحْيَاءُ . وَالرَّدْعُ بِالصَّلْبِ مَوْجُودٌ فِي الْأَحْيَاءِ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْقَتْلِ . فَإِذَا صُلِبَ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُصْلَبُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ لَا يُزَادُ عَلَيْهَا ، إِلَّا أَنْ يَتَغَيَّرَ قَبْلَهَا فَيُحَطُّ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : أَنَّ مُدَّةَ صَلْبِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِأَنْ يَسِيلَ صَدِيدُهُ ، وَلَا يَتَقَدَّرُ بِزَمَانٍ . وَهَذَا فَاسِدٌ : لِأَنَّ قَتْلَهُ وَصَلْبَهُ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ حُرْمَتِهِ وَغَسْلِهِ وَتَكْفِينِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَدَفْنِهِ : لِحُرْمَةِ إِسْلَامِهِ . وَانْتِهَاؤُهُ إِلَى سَيَلَانِ صَدِيدِهِ يَمْنَعُ مِنْ هَذِهِ الْحُقُوقِ ، فَلَمْ تُعْتَبَرْ . فَلَوْ مَاتَ هَذَا الْمُحَارِبُ حَتْفَ أَنْفِهِ ، لَمْ يُصْلَبْ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَإِنْ صُلِبَ بَعْدَ قَتْلِهِ . نَقَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ سُرَيْجٍ عَنِ الشَّافِعِيِّ نَصًّا . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنَّ قَتْلَهُ حَدٌّ مُسْتَوْفًى فَيَكْمُلُ بِصَلْبِهِ ، وَمَوْتُهُ مُسْقِطٌ لِحَدِّهِ فَسَقَطَ تَأْثِيرُهُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث