الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
الصفحة 765 · ص. المطبوع 376
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " فَإِنْ خَرَجَ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَصَرَ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْوَقْتِ لَمْ يَقْصُرْ . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : أَشْبَهُ بِقَوْلِهِ أَنْ يُتِمَّ ، لِأَنَّهُ يَقُولُ إِنْ أَمْكَنَتِ الْمَرْأَةَ الصَّلَاةُ فَلَمْ تُصَلِّ حَتَّى حَاضَتْ ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهَا لَزِمَتْهَا ، وَإِنْ لَمْ تُمْكِنْ لَمْ تَلْزَمْهَا ، فَكَذَلِكَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُهَا 376 وَهُوَ مُقِيمٌ لَزِمَتْهُ صَلَاةُ مُقِيمٍ ، وَإِنَّمَا تَجِبُ عِنْدَهُ بِأَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَالْإِمْكَانِ ، وَإِنَّمَا وَسِعَ لَهُ التَّأْخِيرُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا الرَّجُلُ الْمُقِيمُ لَا يَخْلُو حَالُ سَفَرِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ :
إِمَّا أَنْ يُسَافِرَ قَبْلَ وَقْتِ الصَّلَاةِ ، أَوْ يُسَافِرَ بَعْدَ الْوَقْتِ ، أَوْ يُسَافِرَ فِي الْوَقْتِ ، فَإِنْ سَافَرَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ثُمَّ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ قَصْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِجْمَاعًا ، وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ تِلْكَ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ فَلَهُ قَصْرُ تِلْكَ الصَّلَاةِ إِجْمَاعًا ، وَإِنْ سَافَرَ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ وَجَبَ عَلَيْهِ إِتْمَامُ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْصُرَهَا عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَإِنْ سَافَرَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ فَعَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ :
أَحَدُهَا : أَنْ يُسَافِرَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ إِمْكَانِ أَدَائِهَا فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَهَا فِي سَفَرِهِ . لَا خِلَافَ بَيْنِ أَصْحَابِنَا إِلَّا عَلَى قَوْلِ أَبِي يَحْيَى الْبَلْخِيِّ .
وَإِنَّمَا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ ؟ لِأَنَّهُ أَدَّى الصَّلَاةَ فِي وَقْتِهَا مُسَافِرًا فَجَازَ لَهُ الْقَصْرُ قِيَاسًا عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي سَفَرِهِ .
وَالضَّرْبُ الثَّانِي : أَنْ يُسَافِرَ وَقَدْ مَضَى مِنَ الْوَقْتِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ ، مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَكَافَّةِ أَصْحَابِنَا : لَهُ أَنْ يَقْصُرَهَا ، وَلَا يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهَا ، وَقَالَ الْمُزَنِيُّ : عَلَيْهِ إِتْمَامُهَا ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ قَصْرُهَا تَعَلُّقًا بِشَيْئَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ بِدُخُولِ الْوَقْتِ ، وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ ، فَإِذَا أَمْكَنَهُ الْأَدَاءُ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ وَهُوَ مُقِيمٌ ، فَقَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَامَّةً ، وَإِذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ تَامَّةً لَمْ يَجُزْ لَهُ الْقَصْرُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : الْحَيْضُ أَقْوَى فِي إِسْقَاطِ الصَّلَاةِ مِنَ السَّفَرِ : لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الصَّلَاةَ بِأَسْرِهَا ، وَالسَّفَرَ يُسْقِطُ شَطْرَهَا ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ الْحَيْضَ إِذَا طَرَأَ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَإِمْكَانِ الْأَدَاءِ وَجَبَتِ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا ، وَلَمْ يَكُنِ الْحَيْضُ مُغَيِّرًا لِحُكْمِهَا ، كَانَ حُدُوثُ السَّفَرِ بَعْدَ إِمْكَانِ الْأَدَاءِ أَوْلَى أَنْ لَا يُغَيِّرَ حُكْمَ الصَّلَاةِ . وَهَذَا خَطَأٌ وَدَلِيلُنَا عُمُومُ قَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ [ النِّسَاءِ : 101 ] . وَلِأَنَّهُ سَافَرَ يَحِلُّ لِمِثْلِهِ الْقَصْرُ فَوَجَبَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ مُؤَدِّيًا لِلصَّلَاةِ أَنْ يَجُوزَ لَهُ قَصْرُهَا ، أَصْلُهُ إِذَا سَافَرَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، وَلِأَنَّ وُجُوبَ الصَّلَاةِ أَوَّلَ الْوَقْتِ ، وَاسْتِقْرَارَ وُجُوبِهَا بِإِمْكَانِ الْأَدَاءِ ، وَقَدْرِ الصَّلَاةِ ، وَكَيْفِيَّةِ أَدَائِهَا مُعْتَبَرٌ بِحَالِ الْأَدَاءِ . أَلَا تَرَى لَوْ زَالَتِ الشَّمْسُ عَلَى عَبْدٍ ، أَوْ مَرِيضٍ كَانَ فَرْضُهُمَا الظُّهْرُ أَرْبَعًا ، فَإِنْ عَتَقَ الْعَبْدُ ، وَبَرَأَ الْمَرِيضُ ، وَالْوَقْتُ بَاقٍ لَزِمَهُمَا الْجُمُعَةُ ، وَلَوْ دَخَلَ الْوَقْتُ ، وَهُوَ صَحِيحٌ كَانَ فَرْضُهُ الْجُمُعَةَ ، فَإِنْ مَرِضَ فِي الْوَقْتِ قَبْلَ حُضُورِ الْجُمُعَةِ كَانَ فَرْضُهُ الظُّهْرَ أَرْبَعًا اعْتِبَارًا 377 بِحَالِ الْأَدَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعًا ، وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ فِي حَالِ أَدَائِهَا مُسَافِرًا يَجُوزُ لَهُ الْقَصْرُ وَإِنْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ وَهُوَ مُقِيمٌ ، وَفِي هَذَا جَوَابٌ لِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ وُجُوبِ الصَّلَاةِ ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنَ الْحَيْضِ فَغَيْرُ لَازِمٍ لِأَنَّ الْحَيْضَ إِذَا طَرَأَ مَنَعَ مِنَ الْأَدَاءِ ، وَإِذَا طَهُرَتْ وَجَبَ عَلَيْهَا الْقَضَاءُ ، وَالسَّفَرُ إِذَا طَرَأَ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْأَدَاءِ ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ الْقَصْرِ لِوُجُودِ الْأَدَاءِ ، وَعَدَمِ الْقَضَاءِ فَافْتَرَقَا .
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ : أَنْ يُسَافِرَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ قَدْرُ أَدَائِهَا ، فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَصْحَابِهِ جَوَازُ قَصْرِهَا ، وَقَالَ : أَبُو الطَّيِّبِ بْنُ سَلَمَةَ : يُتِمُّ ، وَلَا يَقْصُرُ : لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ لِيَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ التَّمَامُ وَفَارَقَ أَوَّلَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ الْأَدَاءُ ، وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الدَّلِيلِ حُجَّةٌ عَلَيْهِ وَلَيْسَ لِفَرْقِهِ بَيْنَ أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَآخِرِهِ مَعَ وُجُودِ الْأَدَاءِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَجْهٌ .
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ : أَنْ يُسَافِرَ فِي آخِرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُ مِقْدَارُ رَكْعَةٍ فَفِيهِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كُتُبِهِ وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ يُتِمُّ الصَّلَاةَ ، وَلَا يَقْصُرُهَا لِعَدَمِ الْأَدَاءِ فِي جَمِيعِهَا .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْإِمْلَاءِ . وَبِهِ قَالَ : يَجُوزُ قَصْرُهَا ، وَلِأَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ تَجِبُ بِآخِرِ الْوَقْتِ فِي أَصْحَابِ الْعُذْرِ ، وَالضَّرُورَاتِ كَوُجُوبِهَا فِي أَوَّلِهِ فَاقْتَضَى أَنْ يَسْتَوِيَا فِي جَوَازِ الْقَصْرِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث