الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الرابع عشر
فَصْلٌ : [ فَتْحُ مَكَّةَ ]
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَسَبَبُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَقَدَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ دَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقْدِهِ ، وَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ مِنْ هُذَيْلٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ ، وَشَجَرَ نِفَارٌ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ ، فَاسْتَعَانَ بَنُو بَكْرٍ بِقُرَيْشٍ فَأَعَانُوهُمْ عَلَى 63 خُزَاعَةَ ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مُتَنَكِّرِينَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَحَاطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَكُرْزُ بْنُ حَفْصٍ وَبَيَّتُوا خُزَاعَةَ لَيْلًا بِالْوَتِيرِ ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَجُلًا ، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَهْرًا ، وَنَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَا صَنَعَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَقَفَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ :
﴿﴾ لَا هُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ ثَمَّتْ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يَنْمِي صُعُدَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِنْ سِيمَ خَسَفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا ﴿﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ ، ثُمَّ قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ مِمَّا أَنْصُرُ مِنْهُ نَفْسِي ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا السَّحَابَ لَيَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ .
لِأَنَّ الْحَرْبَ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَيْنَ بَنِي نُفَاثَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ قَدْ جَاءَ لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ ، فَقَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ جَدِّدِ الْعَهْدَ وَزِدْ فِي الْمُدَّةِ ، فَقَالَ لَهُ : هَلْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ حَدَثٍ قَالَ : لَا . قَالَ : فَنَحْنُ عَلَى صُلْحِنَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَقِيَ عُمَرَ ، وَلَقِيَ عَلِيًّا ، فَلَمْ يَرَ عِنْدَهُمْ خَيْرًا ، وَكَانَ أَغْلَظَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ وَأَرَقَّهُمْ عَلَيْهِ عَلِيٌّ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ أَبُو سُفْيَانَ مَا أَحَبَّ قَامَ ، فَقَالَ : إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ تَقُولُ هَذَا يَا أَبَا سُفْيَانَ ؟ وَعَادَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْفَى أَمْرَهُ وَقَالَ : اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ : حَتَّى لَا يَرَوْنِي إِلَّا بَغْتَةً .
فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمْ بِخَبَرِهِمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ ، وَأَنَفْذَهُ إِلَيْهِمْ مَعَ امْرَأَةٍ شَدَّتْهُ فِي عِقَاصِ شَعْرِهَا ، فَأَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثَرِهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي 64 طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ : فَأَخَذَا الْكِتَابَ مِنْهَا ، وَأَحْضَرَ حَاطِبًا ، وَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ فَاعْتَذَرَ فَعَفَا عَنْهُ ، وَاسْتَنْفَرَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فِي عَشْرِ آلَافِ دِرْعٍ وَحَاسِرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْهُمْ مَنْ جُهَيْنَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ، وَمَنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ ، وَمِنْ سُلَيْمٍ سَبْعُمِائَةٍ ، وَمِنْ غِفَارَ أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَمِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ ، وَطَوَائِفُ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ ، وَخَرَجَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيَّ ، وَصَارَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ فَأَفْطَرَ ، وَقَالَ : مَنْ أَحَبَّ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَحَبَّ فَلْيُفْطِرْ . وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قُدَيْدٍ عَقَدَ الْأَلْوِيَةَ ، وَالرَّايَاتِ لِلْقَبَائِلِ ، وَلَقِيَهُ فِي طَرِيقِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي بَنِيقِ الْعُقَابِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَ ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَكَرِهَ دُخُولَهُمَا ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ حَتَّى رَقَّ عَلَيْهِمَا ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ :
﴿﴾ لَعَمْرِي إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ﴿﴾ ﴿﴾ لِتَغْلِبَ خَيْلَ اللَّاتِ خَيْلُ مُحَمَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ لَكَالْمُدْلِجِ الْخَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدِي وَأَهْتَدِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي ﴿﴾ ﴿﴾ مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأُدْعَى وَلَوْ لَمْ أَنْتَسِبُ مِنْ مُحَمَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ هُمُ مَا هُمُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمْ وَيُفَنَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ أُرِيدُ لِأُرْضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَائِطٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدِ فِي كُلِّ مَقْعَدِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَقُلْ لِثَقِيفٍ تِلْكَ غَيْرِي أَوْعِدِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَذِي نَالَ عَامِرًا ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا كَانَ عَنْ جَرَّى لِسَانِي وَلَا يَدِي ﴿﴾ ﴿﴾ قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ نَزَائِعُ جَاءَتْ مِنْ سُهَامٍ وَسُرْدَدِ ﴿﴾ وَلَمَّا سَارَ بِالسُّقْيَا لَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ عِشَاءً ، فَأَمَرَ أَنْ يُوقِدَ كُلُّ رَجُلٍ نَارًا ، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ ، فَهَالَ أَهْلَ مَكَّةَ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْخَبَرَ : فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : يَا صَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ إِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَنْوَةً إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ : فَرَكِبَ بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْضَاءَ ، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ لِيَرَى مَنْ 65 يُعْلِمُ قُرَيْشًا بِنُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بَيْنَ الْأَرْكَانِ إِذْ سَمِعَ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ ، فَعَرَفَ صَوْتَهُ فَأَرْدَفَهُ عَلَى الْبَغْلَةِ فِي جِوَارِهِ ، وَعَادَ مَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، قِيلَ : وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَفَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَدُوُّ اللَّهِ ، وَعَدُوُّ رَسُولِهِ ، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعُمَرَ : لَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَا قُلْتَ هَذَا ، فَقَالَ عُمَرُ مَهْلًا يَا عَبَّاسُ ، فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ : اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَّاهُ : حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ مِنَ الْغَدِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ ، أَلَمْ يَأَنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا ، فَقَالَ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلُمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ ، أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : اشْهَدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَكَ ، فَشَهِدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْصَرِفْ ، وَاحْبِسْهُ عِنْدَ حَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي : حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ مَا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ فَخْرًا ، فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . وَاسْتَثْنَى قَتْلَ سِتَّةِ رِجَالٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، وَقَالَ : يُقْتَلُونَ وَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ .
فَالرِّجَالُ : عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ ، وَحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ .
وَالنِّسْوَةُ : هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ ، وَقَيْنَتَا بَنْتِ خَطَلٍ وَفَرْتَنَى وَقُرَيْبَة ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُخُولَ مَكَّةَ دَفَعَ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَلَمَّا سَارَ بِهَا سَمِعَهُ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ يَقُولُ :
﴿﴾ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ الْيَوْمَ تُسْبَى الْحُرْمَهْ ﴿﴾ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ :
الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ ، وَأَخَذَ الرَايَةَ مِنْهُ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَنْفَذَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَمَعَهُ رَايَتُهُ لِيَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَاهَا ، وَأَنْفَذَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مِنَ اللَّيْطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ ، وَدَارُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِأَسْفَلِهَا ، وَوَصَّاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا .
66 وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَهُوَ يَسِيرُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي مَعَ الْعَبَّاسِ تَمُرُّ بِهِ الْقَبَائِلُ ، فَيَرَاهَا ، فَيَقُولُ لِلْعَبَّاسِ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ سُلَيْمٌ فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ ؟ ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ أَسْلَمُ فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِأَسْلَمَ ؟ ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ : مُزَيْنَةُ فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ ؟ وَتَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ : جُهَيْنَةُ ، فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ ؟ كَذَلِكَ حَتَّى جَازَتْ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَضْرَاءُ فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَا أَبَا الْفَضْلِ ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ فَقَالَ : نَعَمْ إِذًا فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : الْحَقِ الْآنَ بِقَوْمِكَ فَحَذِّرْهُمْ : فَأَسْرَعَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ ، قَالُوا : فَمَهْ ! فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ قَالُوا : وَيْحَكَ ! تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ ! قَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ .
وَدَخَلَ الزُّبَيْرُ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ ، فَغَرَسَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجُونِ ، حَتَّى أَتَاهَا ، وَدَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، فَلَقِيَهُ بِالْخَنْدَمَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَحَابِيشِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي نُفَاثَةَ بْنِ بَكْرٍ ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ حَتَّى قَتَلَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا ، وَمِنْ هُذَيْلٍ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ ، فَانْهَزَمُوا أَعْظَمَ هَزِيمَةٍ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَارِقَةَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ قَالَ : مَا هَذَا وَقَدْ نَهَيْتُ عَنِ الْقِتَالِ ؟ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ خَالِدًا قُوبِلَ ، فَقَاتَلَ فَقَالَ : قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ ، وَكَانَ فِيمَنْ قَاتَلَ خَالِدًا حَمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ قَدْ أَعَدَّ سِلَاحًا لِلْقِتَالِ ، فَلَمَّا أَخَذَهُ لِيُقَاتِلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنَّهُ يَعْتَرِضُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ ، فَقَالَ لَهَا : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
﴿﴾ إِنْ تَقْبَلُوا الْيَوْمَ فَمَا بِيَ عِلَّهْ ﴿﴾ ﴿﴾ هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السِّلَّهْ ﴿﴾ فَلَمَّا لَحِقَ بِعِكْرِمَةَ وَصَفْوَانَ عَادَ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : اغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فَقَالَ :
67 ﴿﴾ إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُؤْتِمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاسَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ ضَرْبًا فَلَا تُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ ﴿﴾ وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ : ضُرِبَتْ لَهُ بِالْحَجُونِ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ : لِيَنْزِلَ فِيهَا عِنْدَ رَايَتِهِ الَّتِي غَرَسَهَا الزُّبَيْرُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَنْزِلَ مَنْزِلَكَ فَقَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ ، وَهُوَ يَقُولُ :
﴿﴾ يَا حَبَّذَا مَكَةَ مِنْ وَادِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَرْضٌ بِهَا أَهْلِي وَعُوَّادِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَرْضٌ بِهَا أَمْشِي وَلَا هَادِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَرْضٌ بِهَا تَرْسَخُ أَوْتَادِي ﴿﴾ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَيْتِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَى ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا ، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِصَنَمٍ مِنْهَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ ، وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [ الْإِسْرَاءِ : 81 ] ، فَيَقَعُ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ ، وَكَانَ أَعْظَمُهَا هُبَلَ وَهُوَ وِجَاهَ الْكَعْبَةِ ، وَجَاءَ إِلَى الْمَقَامِ ، وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْكَعْبَةِ ، فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ جَلَسَ نَاحِيَتَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَأَسْلَمُوا طَوْعًا وَكَرْهًا ، وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اصْنَعْ بِنَا صُنْعَ أَخٍ كَرِيمٍ ، فَقَالَ : أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ ، ثُمَ قَالَ : مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ : لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ يُوسُفَ : 92 ] .
ثُمَّ أَجْمَعُوا الْمُبَايَعَةَ ، فَجَلَسَ عَلَى الصَّفَا ، وَجَلَسَ عُمَرُ أَسْفَلَ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ ، فَبَايَعُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا فَقَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ .
وَجَاءَ النِّسَاءُ لِمُبَايَعَتِهِ وَكَانَ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ مُتَنَكِّرَةً لِأَجْلِ صَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ زَوْجُهَا حَاضِرًا ، فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ عَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّكِ لَهِنْدُ فَقَالَتْ : أَنَا هِنْدُ فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ، فَقَالَ : تُبَايِعِينَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكِي بِاللَّهِ شَيْئًا ، فَقَالَتْ هِنْدُ : إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيَّ مَا لَمْ تَأْخُذْهُ عَلَى الرِّجَالِ وَسَنُؤْتِيكَهُ قَالَ : وَلَا تَسْرِقْنَ ، فَقَالَتْ هِنْدُ : إِنِّي كُنْتُ أُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَّةَ وَالْهَنَّةَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : 68 أَنْتِ فِي حَلٍّ مِمَّا مَضَى ، فَقَالَ : وَلَا تَزِنِينَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ ؟ قَالَ : وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ ، قَالَتْ : قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا ، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ فَضَحِكَ عُمَرُ حَتَّى اسْتَغْرَبَ . قَالَ : وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ فَقَالَتْ : وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ : وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ . قَالَ : وَلَا تَعْصِينَ فِي مَعْرُوفٍ قَالَتْ : مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ ، فَقَالَ لِعُمَرَ : بَايِعْهُنَّ فَبَايَعْهُنَّ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَرْسَلَ بِلَالًا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ لِيَأْتِيَهُ بِمَفَاتِيحِ الْكَعْبَةِ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَفَتَحَ الْكَعْبَةَ ، وَدَخَلَهَا فَصَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ وَالنَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَخَطَبَهُمْ وَدَعَا ، وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَاسُ كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ فَأَذْهِبُوا عَنْكُمْ فَخْرَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِيَ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَحِلَّ لَنَا مِنْ غَنَائِمِهَا شَيْءٌ فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ وَذَلِكَ مِنْ غَدِ يَوْمِ الْفَتْحِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمَفَاتِيحَ ، وَقَالَ : خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ تَالِدَةً خَالِدَةً ، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ظُلْمًا ، وَدَفَعَ السِّقَايَةَ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ : أُعْطِيكُمْ مَا تَرْزَؤُكُمْ وَلَا تَرْزَؤُونَهَا .
ثُمَّ بَعَثَ تَمِيمَ بْنَ أَسَدٍ الْخُزَاعِيَّ فَجَدَّدَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ ، وَحَانَ الظُّهْرُ فَأَذَّنَ بِلَالٌ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ صَلَّى مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ .
ثُمَّ بَثَّ السَّرَايَا إِلَى الْأَصْنَامِ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ الْعُزَّى ، وَسُوَاعٍ ، وَمَنَاةَ ، فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى بِبَطْنِ نَخْلَةَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ فَكَسَرَهُ .
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى رُهَاطٍ وَفِيهِ سُوَاعٌ وَهُوَ صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ فَكَسَرَهُ .
وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيَّ إِلَى مَنَاةَ وَكَانَ صَنَمًا بِالْمُشَلَّلِ لِلْأَوْسِ وَالْخْزْرَجِ وَغَسَّانَ فَكَسَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدَعُ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ .
ثُمَّ غَزَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَسَبَبُهُ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لَمَّا عَقَدَ الصُّلْحَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ دَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَقْدِهِ ، وَدَخَلَ بَنُو بَكْرٍ مِنْ هُذَيْلٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ ، وَشَجَرَ نِفَارٌ بَيْنَ بَنِي بَكْرٍ وَخُزَاعَةَ ، فَاسْتَعَانَ بَنُو بَكْرٍ بِقُرَيْشٍ فَأَعَانُوهُمْ عَلَى 63 خُزَاعَةَ ، وَحَضَرَ مَعَهُمْ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ مُتَنَكِّرِينَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَحَاطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَكُرْزُ بْنُ حَفْصٍ وَبَيَّتُوا خُزَاعَةَ لَيْلًا بِالْوَتِيرِ ، وَقَتَلُوا مِنْهُمْ عِشْرِينَ رَجُلًا ، وَذَلِكَ فِي شَعْبَانَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ بِاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ شَهْرًا ، وَنَدِمَتْ قُرَيْشٌ عَلَى مَا صَنَعَتْ لِمَا فِيهِ مِنْ نَقْضِ الْعَهْدِ ، فَقَدِمَ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيُّ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَقَفَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فَقَالَ :
﴿﴾ لَا هُمَّ إِنِّي نَاشِدٌ مُحَمَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَوَالِدًا كُنَّا وَكُنْتَ وَلَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ ثَمَّتْ أَسْلَمْنَا فَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَانْصُرْ رَسُولَ اللَّهِ نَصْرًا أَعْتَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَادْعُ عِبَادَ اللَّهِ يَأْتُوا مَدَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ قَدْ تَجَرَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يَنْمِي صُعُدَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِنْ سِيمَ خَسَفًا وَجْهُهُ تَرَبَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا ﴿﴾ ﴿﴾ إِنَّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتُ أَدْعُو أَحَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَهُمْ أَذَلُّ وَأَقَلُّ عَدَدَا ﴿﴾ ﴿﴾ هُمْ بَيَّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجَّدَا ﴿﴾ ﴿﴾ فَقَتَلُونَا رُكَّعًا وَسُجَّدَا ﴿﴾ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ ، ثُمَّ قَامَ يَجُرُّ رِدَاءَهُ ، وَهُوَ يَقُولُ : لَا نُصِرْتُ إِنْ لَمْ أَنْصُرْ بَنِي كَعْبٍ مِمَّا أَنْصُرُ مِنْهُ نَفْسِي ، وَقَالَ : إِنَّ هَذَا السَّحَابَ لَيَسْتَهِلُّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ .
لِأَنَّ الْحَرْبَ كَانَتْ بَيْنَ بَنِي كَعْبٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَبَيْنَ بَنِي نُفَاثَةَ مِنْ بَنِي بَكْرٍ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : كَأَنَّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ قَدْ جَاءَ لِيُجَدِّدَ الْعَهْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدَّةِ ، فَقَدِمَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : يَا مُحَمَّدُ جَدِّدِ الْعَهْدَ وَزِدْ فِي الْمُدَّةِ ، فَقَالَ لَهُ : هَلْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ حَدَثٍ قَالَ : لَا . قَالَ : فَنَحْنُ عَلَى صُلْحِنَا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَلَقِيَ أَبَا بَكْرٍ ، وَلَقِيَ عُمَرَ ، وَلَقِيَ عَلِيًّا ، فَلَمْ يَرَ عِنْدَهُمْ خَيْرًا ، وَكَانَ أَغْلَظَهُمْ عَلَيْهِ عُمَرُ وَأَرَقَّهُمْ عَلَيْهِ عَلِيٌّ ، فَلَمَّا لَمْ يَجِدْ أَبُو سُفْيَانَ مَا أَحَبَّ قَامَ ، فَقَالَ : إِنِّي قَدْ أَجَرْتُ بَيْنَ النَّاسِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ تَقُولُ هَذَا يَا أَبَا سُفْيَانَ ؟ وَعَادَ أَبُو سُفْيَانَ إِلَى مَكَّةَ ، فَتَجَهَّزَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَخْفَى أَمْرَهُ وَقَالَ : اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ : حَتَّى لَا يَرَوْنِي إِلَّا بَغْتَةً .
فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ كِتَابًا إِلَى قُرَيْشٍ يُعْلِمُهُمْ بِخَبَرِهِمْ بِالْمَسِيرِ إِلَيْهِمْ ، وَأَنَفْذَهُ إِلَيْهِمْ مَعَ امْرَأَةٍ شَدَّتْهُ فِي عِقَاصِ شَعْرِهَا ، فَأَنْفَذَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي أَثَرِهَا عَلِيَّ بْنَ أَبِي 64 طَالِبٍ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ : فَأَخَذَا الْكِتَابَ مِنْهَا ، وَأَحْضَرَ حَاطِبًا ، وَقَالَ : مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ فَاعْتَذَرَ فَعَفَا عَنْهُ ، وَاسْتَنْفَرَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْعَرَبِ ، وَسَارَ إِلَى مَكَّةَ فِي عَشْرِ آلَافِ دِرْعٍ وَحَاسِرٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، مِنْهُمْ مَنْ جُهَيْنَةَ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ، وَمَنْ مُزَيْنَةَ أَلْفٌ ، وَمِنْ سُلَيْمٍ سَبْعُمِائَةٍ ، وَمِنْ غِفَارَ أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَمِنْ أَسْلَمَ أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَسَائِرُهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْأَنْصَارِ ، وَطَوَائِفُ مِنْ تَمِيمٍ وَقَيْسٍ وَأَسَدٍ ، وَخَرَجَ فِي يَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ الْعَاشِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، فَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ الْغِفَارِيَّ ، وَصَارَ حَتَّى بَلَغَ الْكَدِيدَ مَا بَيْنَ عُسْفَانَ وَأَمَجَ فَأَفْطَرَ ، وَقَالَ : مَنْ أَحَبَّ فَلْيَصُمْ وَمَنْ أَحَبَّ فَلْيُفْطِرْ . وَلَمَّا وَصَلَ إِلَى قُدَيْدٍ عَقَدَ الْأَلْوِيَةَ ، وَالرَّايَاتِ لِلْقَبَائِلِ ، وَلَقِيَهُ فِي طَرِيقِهِ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فِي بَنِيقِ الْعُقَابِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَ شَدِيدًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَمَعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَكَانَ ابْنَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَأَرَادَ الدُّخُولَ عَلَيْهِ فَكَرِهَ دُخُولَهُمَا ، فَكَلَّمَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ حَتَّى رَقَّ عَلَيْهِمَا ، فَدَخَلَا عَلَيْهِ وَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ :
﴿﴾ لَعَمْرِي إِنِّي يَوْمَ أَحْمِلُ رَايَةً ﴿﴾ ﴿﴾ لِتَغْلِبَ خَيْلَ اللَّاتِ خَيْلُ مُحَمَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ لَكَالْمُدْلِجِ الْخَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ ﴿﴾ ﴿﴾ فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدِي وَأَهْتَدِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَهَادٍ هَدَانِي غَيْرَ نَفْسِي وَنَالَنِي ﴿﴾ ﴿﴾ مَعَ اللَّهِ مَنْ طَرَّدْتُ كُلَّ مُطَرَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ أَصُدُّ وَأَنْأَى جَاهِدًا عَنْ مُحَمَّدٍ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأُدْعَى وَلَوْ لَمْ أَنْتَسِبُ مِنْ مُحَمَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ هُمُ مَا هُمُ مَنْ لَمْ يَقُلْ بِهَوَاهُمُ ﴿﴾ ﴿﴾ وَإِنْ كَانَ ذَا رَأْيٍ يُلَمْ وَيُفَنَّدِ ﴿﴾ ﴿﴾ أُرِيدُ لِأُرْضِيَهُمْ وَلَسْتُ بِلَائِطٍ ﴿﴾ ﴿﴾ مَعَ الْقَوْمِ مَا لَمْ أُهْدِ فِي كُلِّ مَقْعَدِ ﴿﴾ ﴿﴾ فَقُلْ لِثَقِيفٍ لَا أُرِيدُ قِتَالَهَا ﴿﴾ ﴿﴾ وَقُلْ لِثَقِيفٍ تِلْكَ غَيْرِي أَوْعِدِي ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا كُنْتُ فِي الْجَيْشِ الَذِي نَالَ عَامِرًا ﴿﴾ ﴿﴾ وَمَا كَانَ عَنْ جَرَّى لِسَانِي وَلَا يَدِي ﴿﴾ ﴿﴾ قَبَائِلُ جَاءَتْ مِنْ بِلَادٍ بَعِيدَةٍ ﴿﴾ ﴿﴾ نَزَائِعُ جَاءَتْ مِنْ سُهَامٍ وَسُرْدَدِ ﴿﴾ وَلَمَّا سَارَ بِالسُّقْيَا لَقِيَهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَسَارَ حَتَّى نَزَلَ مَرَّ الظَّهْرَانِ عِشَاءً ، فَأَمَرَ أَنْ يُوقِدَ كُلُّ رَجُلٍ نَارًا ، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ ، فَهَالَ أَهْلَ مَكَّةَ ، وَلَمْ يَعْرِفُوا الْخَبَرَ : فَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَتَجَسَّسَانِ الْأَخْبَارَ ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ : يَا صَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاللَّهِ إِنْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ عَنْوَةً إِنَّهُ لَهَلَاكُ قُرَيْشٍ آخِرَ الدَّهْرِ : فَرَكِبَ بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَيْضَاءَ ، وَتَوَجَّهَ إِلَى مَكَّةَ لِيَرَى مَنْ 65 يُعْلِمُ قُرَيْشًا بِنُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِيَخْرُجُوا إِلَيْهِ فَيَسْتَأْمِنُوهُ ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بَيْنَ الْأَرْكَانِ إِذْ سَمِعَ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ ، فَعَرَفَ صَوْتَهُ فَأَرْدَفَهُ عَلَى الْبَغْلَةِ فِي جِوَارِهِ ، وَعَادَ مَعَهُ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، قِيلَ : وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ حَتَّى أَدْخَلَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَعَرَفَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ، فَدَخَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، هَذَا أَبُو سُفْيَانَ ، عَدُوُّ اللَّهِ ، وَعَدُوُّ رَسُولِهِ ، قَدْ أَمْكَنَ اللَّهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عَهْدٍ وَلَا عَقْدٍ ، فَاضْرِبْ عُنُقَهُ ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعُمَرَ : لَوْ كَانَ مِنْ بَنِي عَدِيٍّ مَا قُلْتَ هَذَا ، فَقَالَ عُمَرُ مَهْلًا يَا عَبَّاسُ ، فَوَاللَّهِ لَإِسْلَامُكَ يَوْمَ أَسْلَمْتَ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ إِسْلَامِ الْخَطَّابِ لَوْ أَسْلَمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - لِلْعَبَّاسِ : اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَّاهُ : حَتَّى تَغْدُوَ بِهِ مِنَ الْغَدِ ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا بِهِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَلَمَّا رَآهُ قَالَ لَهُ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ ، أَلَمْ يَأَنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ، مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ ، وَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللَّهِ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى عَنِّي شَيْئًا ، فَقَالَ : وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلُمْ يَأْنِ لَكَ بَعْدُ أَنْ تَعْلَمَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ ؟ فَقَالَ : بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي مَا أَوْصَلَكَ وَأَحْلَمَكَ وَأَكْرَمَكَ ، أَمَّا هَذِهِ فَفِي النَّفْسِ مِنْهَا شَيْءٌ ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : اشْهَدْ شَهَادَةَ الْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يَضْرِبَ عُنُقَكَ ، فَشَهِدَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : انْصَرِفْ ، وَاحْبِسْهُ عِنْدَ حَطْمِ الْجَبَلِ بِمَضِيقِ الْوَادِي : حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهِ جُنُودُ اللَّهِ ، فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ مَا يَكُونُ فِي قَوْمِهِ فَخْرًا ، فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . وَاسْتَثْنَى قَتْلَ سِتَّةِ رِجَالٍ وَأَرْبَعِ نِسْوَةٍ ، وَقَالَ : يُقْتَلُونَ وَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ .
فَالرِّجَالُ : عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ ، وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ ، وَحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ .
وَالنِّسْوَةُ : هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ ، وَسَارَةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ ، وَقَيْنَتَا بَنْتِ خَطَلٍ وَفَرْتَنَى وَقُرَيْبَة ، فَلَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - دُخُولَ مَكَّةَ دَفَعَ رَايَةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ إِلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ، فَلَمَّا سَارَ بِهَا سَمِعَهُ بَعْضُ الْمُهَاجِرِينَ وَهُوَ يَقُولُ :
﴿﴾ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ الْيَوْمَ تُسْبَى الْحُرْمَهْ ﴿﴾ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ :
الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ ، وَأَخَذَ الرَايَةَ مِنْهُ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَنْفَذَ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ ، وَمَعَهُ رَايَتُهُ لِيَدْخُلَ مِنْ كَدَاءٍ أَعْلَى مَكَّةَ وَدَارُ أَبِي سُفْيَانَ بِأَعْلَاهَا ، وَأَنْفَذَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مِنَ اللَّيْطِ أَسْفَلَ مَكَّةَ ، وَدَارُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِأَسْفَلِهَا ، وَوَصَّاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا .
66 وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ وَهُوَ يَسِيرُ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي مَعَ الْعَبَّاسِ تَمُرُّ بِهِ الْقَبَائِلُ ، فَيَرَاهَا ، فَيَقُولُ لِلْعَبَّاسِ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ سُلَيْمٌ فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ ؟ ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ أَسْلَمُ فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِأَسْلَمَ ؟ ثُمَّ تَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ : مُزَيْنَةُ فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ ؟ وَتَمُرُّ بِهِ أُخْرَى فَيَقُولُ : مَنْ هَذِهِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ : جُهَيْنَةُ ، فَيَقُولُ : مَا لِي وَلِجُهَيْنَةَ ؟ كَذَلِكَ حَتَّى جَازَتْ كَتِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْخَضْرَاءُ فَقَالَ : مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَقَالَ : هَذَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : يَا أَبَا الْفَضْلِ ، لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيكَ عَظِيمًا ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ فَقَالَ : نَعَمْ إِذًا فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ : الْحَقِ الْآنَ بِقَوْمِكَ فَحَذِّرْهُمْ : فَأَسْرَعَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ ، قَالُوا : فَمَهْ ! فَقَالَ : مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ قَالُوا : وَيْحَكَ ! تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ ! قَالَ مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ .
وَدَخَلَ الزُّبَيْرُ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ ، فَغَرَسَ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْحَجُونِ ، حَتَّى أَتَاهَا ، وَدَخَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ ، فَلَقِيَهُ بِالْخَنْدَمَةِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ، وَسُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ فِي جَمْعٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَحَابِيشِهِمْ وَحُلَفَائِهِمْ مِنْ بَنِي نُفَاثَةَ بْنِ بَكْرٍ ، فَقَاتَلَهُمْ خَالِدٌ حَتَّى قَتَلَ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا ، وَمِنْ هُذَيْلٍ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ ، فَانْهَزَمُوا أَعْظَمَ هَزِيمَةٍ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الْبَارِقَةَ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ قَالَ : مَا هَذَا وَقَدْ نَهَيْتُ عَنِ الْقِتَالِ ؟ فَقِيلَ لَهُ : إِنَّ خَالِدًا قُوبِلَ ، فَقَاتَلَ فَقَالَ : قَضَاءُ اللَّهِ خَيْرٌ ، وَكَانَ فِيمَنْ قَاتَلَ خَالِدًا حَمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ قَدْ أَعَدَّ سِلَاحًا لِلْقِتَالِ ، فَلَمَّا أَخَذَهُ لِيُقَاتِلَ فِي هَذَا الْيَوْمِ قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنَّهُ يَعْتَرِضُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ بِشَيْءٍ ، فَقَالَ لَهَا : إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَكِ بَعْضَهُمْ وَأَنْشَأَ يَقُولُ
﴿﴾ إِنْ تَقْبَلُوا الْيَوْمَ فَمَا بِيَ عِلَّهْ ﴿﴾ ﴿﴾ هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلَّهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السِّلَّهْ ﴿﴾ فَلَمَّا لَحِقَ بِعِكْرِمَةَ وَصَفْوَانَ عَادَ مُنْهَزِمًا حَتَّى دَخَلَ بَيْتَهُ ، وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : اغْلِقِي عَلَيَّ بَابِي فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ : فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فَقَالَ :
67 ﴿﴾ إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ إِذْ فَرَّ صَفْوَانُ وَفَرَّ عِكْرِمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَأَبُو يَزِيدَ قَائِمٌ كَالْمُؤْتِمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ وَاسَقْبَلَتْهُمْ بِالسُّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ ضَرْبًا فَلَا تُسْمَعُ إِلَّا غَمْغَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَهُمْ نَهِيتٌ خَلْفَنَا وَهَمْهَمَهْ ﴿﴾ ﴿﴾ لَمْ تَنْطِقِي فِي اللَّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ ﴿﴾ وَلَمَّا دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مَكَّةَ ، وَذَلِكَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ : ضُرِبَتْ لَهُ بِالْحَجُونِ قُبَّةٌ مِنْ أَدَمٍ : لِيَنْزِلَ فِيهَا عِنْدَ رَايَتِهِ الَّتِي غَرَسَهَا الزُّبَيْرُ ، فَقِيلَ لَهُ : أَلَا تَنْزِلَ مَنْزِلَكَ فَقَالَ : وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ ، وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيْهِ حِينَ دَخَلَ ، وَهُوَ يَقُولُ :
﴿﴾ يَا حَبَّذَا مَكَةَ مِنْ وَادِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَرْضٌ بِهَا أَهْلِي وَعُوَّادِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَرْضٌ بِهَا أَمْشِي وَلَا هَادِي ﴿﴾ ﴿﴾ أَرْضٌ بِهَا تَرْسَخُ أَوْتَادِي ﴿﴾ وَطَافَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْبَيْتِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقَصْوَى ، وَحَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا ، فَجَعَلَ كُلَّمَا مَرَّ بِصَنَمٍ مِنْهَا يُشِيرُ إِلَيْهِ بِقَضِيبٍ فِي يَدِهِ ، وَيَقُولُ : جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا [ الْإِسْرَاءِ : 81 ] ، فَيَقَعُ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ ، وَكَانَ أَعْظَمُهَا هُبَلَ وَهُوَ وِجَاهَ الْكَعْبَةِ ، وَجَاءَ إِلَى الْمَقَامِ ، وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْكَعْبَةِ ، فَصَلَّى خَلْفَهُ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ جَلَسَ نَاحِيَتَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ ، وَجَاءَتْهُ قُرَيْشٌ فَأَسْلَمُوا طَوْعًا وَكَرْهًا ، وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، اصْنَعْ بِنَا صُنْعَ أَخٍ كَرِيمٍ ، فَقَالَ : أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ ، ثُمَ قَالَ : مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ : لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [ يُوسُفَ : 92 ] .
ثُمَّ أَجْمَعُوا الْمُبَايَعَةَ ، فَجَلَسَ عَلَى الصَّفَا ، وَجَلَسَ عُمَرُ أَسْفَلَ مَجْلِسِهِ يَأْخُذُ عَلَى النَّاسِ ، فَبَايَعُوا عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا فَقَالَ : لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ .
وَجَاءَ النِّسَاءُ لِمُبَايَعَتِهِ وَكَانَ فِيهِنَّ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ مُتَنَكِّرَةً لِأَجْلِ صَنِيعِهَا بِحَمْزَةَ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ زَوْجُهَا حَاضِرًا ، فَلَمَّا تَكَلَّمَتْ عَرَفَهَا رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَقَالَ : إِنَّكِ لَهِنْدُ فَقَالَتْ : أَنَا هِنْدُ فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ ، عَفَا اللَّهُ عَنْكَ ، فَقَالَ : تُبَايِعِينَ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكِي بِاللَّهِ شَيْئًا ، فَقَالَتْ هِنْدُ : إِنَّكَ لَتَأْخُذُ عَلَيَّ مَا لَمْ تَأْخُذْهُ عَلَى الرِّجَالِ وَسَنُؤْتِيكَهُ قَالَ : وَلَا تَسْرِقْنَ ، فَقَالَتْ هِنْدُ : إِنِّي كُنْتُ أُصِيبُ مِنْ مَالِ أَبِي سُفْيَانَ الْهَنَّةَ وَالْهَنَّةَ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ : 68 أَنْتِ فِي حَلٍّ مِمَّا مَضَى ، فَقَالَ : وَلَا تَزِنِينَ ، فَقَالَتْ : يَا رَسُولَ وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ ؟ قَالَ : وَلَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنَّ ، قَالَتْ : قَدْ رَبَّيْنَاهُمْ صِغَارًا وَقَتَلْتَهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ كِبَارًا ، فَأَنْتَ وَهُمْ أَعْلَمُ فَضَحِكَ عُمَرُ حَتَّى اسْتَغْرَبَ . قَالَ : وَلَا تَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ تَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَيْدِيكُنَّ وَأَرْجُلِكُنَّ فَقَالَتْ : وَاللَّهِ إِنَّ إِتْيَانَ الْبُهْتَانِ لَقَبِيحٌ : وَلَبَعْضُ التَّجَاوُزِ أَمْثَلُ . قَالَ : وَلَا تَعْصِينَ فِي مَعْرُوفٍ قَالَتْ : مَا جَلَسْنَا هَذَا الْمَجْلِسَ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نَعْصِيَكَ فِي مَعْرُوفٍ ، فَقَالَ لِعُمَرَ : بَايِعْهُنَّ فَبَايَعْهُنَّ ، وَاسْتَغْفَرَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ثُمَّ أَرْسَلَ بِلَالًا إِلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ لِيَأْتِيَهُ بِمَفَاتِيحِ الْكَعْبَةِ فَأَخَذَهَا مِنْهُ وَفَتَحَ الْكَعْبَةَ ، وَدَخَلَهَا فَصَلَّى فِيهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ وَالنَّاسُ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَخَطَبَهُمْ وَدَعَا ، وَقَالَ : يَا أَيُّهَا النَاسُ كُلُّكُمْ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ فَأَذْهِبُوا عَنْكُمْ فَخْرَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ، فَهِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَلَمْ تَحِلَّ لِيَ إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ثُمَّ رَجَعَتْ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ وَلَمْ يَحِلَّ لَنَا مِنْ غَنَائِمِهَا شَيْءٌ فَلْيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ وَذَلِكَ مِنْ غَدِ يَوْمِ الْفَتْحِ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ ، وَدَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ وَدَفَعَ إِلَيْهِ الْمَفَاتِيحَ ، وَقَالَ : خُذُوهَا يَا بَنِي طَلْحَةَ تَالِدَةً خَالِدَةً ، لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ظُلْمًا ، وَدَفَعَ السِّقَايَةَ إِلَى الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَقَالَ : أُعْطِيكُمْ مَا تَرْزَؤُكُمْ وَلَا تَرْزَؤُونَهَا .
ثُمَّ بَعَثَ تَمِيمَ بْنَ أَسَدٍ الْخُزَاعِيَّ فَجَدَّدَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ ، وَحَانَ الظُّهْرُ فَأَذَّنَ بِلَالٌ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ ، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَكْعَتَيْنِ وَكَذَلِكَ صَلَّى مُدَّةَ مَقَامِهِ بِمَكَّةَ .
ثُمَّ بَثَّ السَّرَايَا إِلَى الْأَصْنَامِ الَّتِي حَوْلَ مَكَّةَ الْعُزَّى ، وَسُوَاعٍ ، وَمَنَاةَ ، فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى الْعُزَّى بِبَطْنِ نَخْلَةَ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ أَصْنَامِ قُرَيْشٍ فَكَسَرَهُ .
وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إِلَى رُهَاطٍ وَفِيهِ سُوَاعٌ وَهُوَ صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ فَكَسَرَهُ .
وَبَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيَّ إِلَى مَنَاةَ وَكَانَ صَنَمًا بِالْمُشَلَّلِ لِلْأَوْسِ وَالْخْزْرَجِ وَغَسَّانَ فَكَسَرَهُ ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدَعُ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إِلَّا كَسَرَهُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث