الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
الصفحة 776 · ص. المطبوع 385
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ ، رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى : " فَإِنْ رَعَفَ وَخَلْفَهُ مُسَافِرُونَ وَمُقِيمُونَ فَقَدَّمَ مُقِيمًا كَانَ عَلَى جَمِيعِهِمْ ، وَعَلَى الرَّاعِفِ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا : لِأَنَّهُ لَمْ يُكْمِلْ وَاحِدٌ مِنْهُمُ الصَّلَاةَ حَتَّى كَانَ فِيهَا فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ . ( قَالَ الْمُزَنِيُّ ) : هَذَا غَلَطُ الرَّاعِفِ يَبْتَدِئُ وَلَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى الْمُسَافِرِ إِتْمَامٌ ، وَلَوْ صَلَّى الْمُسْتَخْلَفُ بَعْدَ حَدَثِهِ أَرْبَعَا لَمْ يُصَلِّ هُوَ إِلَّا رَكْعَتَانِ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يَأْتَمَّ بِمُقِيمٍ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَصُورَتُهَا فِي مُسَافِرٍ صَلَّى بِمُسَافِرِينَ وَمُقِيمِينَ فَرَعَفَ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاتِهِ ، وَقَبْلَ سَلَامِهِ ، فَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَبْطُلُ بِالرُّعَافِ ، وَإِنْ غَسَلَ رُعَافَهُ ، وَعَادَ قَرِيبًا بَنَى عَلَى صَلَاتِهِ ، وَعَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ - وَهُوَ الصَّحِيحُ - قَدْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ بِالرُّعَافِ فَعَلَى هَذَا لَهُمْ حَالَانِ : حَالٌ يَسْتَخْلِفُ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ بَقِيَّةَ صَلَاتِهِمْ . وَحَالٌ يُتِمُّوا الصَّلَاةَ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَإِنْ صَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ صَلَّى الْمُقِيمُونَ أَرْبَعًا ، وَالْمُسَافِرُونَ رَكْعَتَيْنِ إِنْ شَاءُوا الْقَصْرَ ، وَكَانَ الْإِمَامُ الرَّاعِفُ بِالْخِيَارِ إِذَا اسْتَأْنَفَ الصَّلَاةَ بَيْنَ أَنْ يُتِمَّ ، أَوْ يَقْصُرَ .
وَإِنْ صَلَّوْا بِإِمَامٍ مُسْتَخْلَفٍ فَلَهُ حَالَانِ .
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَسْتَخْلِفَهُ الْإِمَامُ الرَّاعِفُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَسْتَخْلِفُوهُ لِأَنْفُسِهِمْ ، فَإِنِ اسْتَخْلَفَهُ الْإِمَامُ الرَّاعِفُ لَمْ تَخْلُ حَالُهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ :
إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا ، أَوْ مُقِيمًا ، فَإِنْ كَانَ مُسَافِرًا ، وَنَوَى الْقَصْرَ صَلَّى هُوَ وَمَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُسَافِرِينَ رَكْعَتَيْنِ ، وَصَلَّى الْمُقِيمُونَ أَرْبَعًا ، وَكَانَ لِلْإِمَامِ الرَّاعِفِ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ إِنْ شَاءَ الْقَصْرَ ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا وَجَبَ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ خَلْفَهُ مِنَ الْمُقِيمِينَ ، وَالْمُسَافِرِينَ أَنْ يُصَلُّوا أَرْبَعًا لِائْتِمَامِهِمْ بِمُقِيمٍ ، فَأَمَّا الْإِمَامُ الرَّاعِفُ : فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ أَرْبَعًا .
قَالَ الْمُزَنِيُّ : هَذَا غَلَطٌ يَجِبُ أَنْ يَلْزَمَهُ الْإِتْمَامُ لِأَنَّهُ مُسَافِرٌ لَمْ يَدْخُلْ فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ .
فَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ .
385 أَحَدُهَا : وَهُوَ جَوَابُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ : أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَضْمُونَةٌ عَلَى أَنَّ الرَّاعِفَ حِينَ غَسَلَ رُعَافَهُ رَجَعَ فَأَحْرَمَ خَلْفَ الْمُقِيمِ فَلَزِمَهُ الْإِتْمَامُ . وَلَوْ لَمْ يَرْجِعْ ، وَصَلَّى لِنَفْسِهِ مُنْفَرِدًا جَازَ لَهُ الْقَصْرُ كَمَا قَالَ الْمُزَنِيُّ .
قَالَ : وَتَعْلِيلُ الشَّافِعِيِّ يَدُلُّ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ قَوْلُهُ : لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُكْمِلِ الصَّلَاةَ حَتَّى حَمَلَ فِيهَا فِي صَلَاةِ مُقِيمٍ . فَهَذَا جَوَابٌ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا .
وَالْجَوَابُ الثَّانِي : وَهُوَ جَوَابُ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ إِنَّمَا لَزِمَهُ الْإِتْمَامُ عَلَى قَوْلِهِ فِي الْقَدِيمِ : إِنَّ الرُّعَافَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ ، فَإِذَا اسْتَخْلَفَ مُقِيمًا فِي صَلَاةٍ هُوَ فِيهَا لَزِمَهُ أَنْ يُتِمَّ لِأَنَّهُ صَارَ مُؤْتَمًّا بِمُتَمِّمٍ وَأَمَّا عَلَى قَوْلِهِ فِي الْجَدِيدِ فَلَا يَلْزَمُهُ الْإِتْمَامُ .
وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ : وَهُوَ جَوَابُ بَعْضِهِمْ أَنَّ الشَّافِعِيَّ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ، سَوَاءٌ عَادَ فَدَخَلَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ ، أَمْ لَا ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْإِتْمَامُ ، لِأَنَّهُ أَصْلٌ ، وَالْإِمَامُ الْمُسْتَخْلَفُ فَرْعُهُ ، وَالْفَرْعُ لَا يَكُونُ أَوْكَدَ حَالًا مِنْ أَصْلِهِ ، فَلَمَّا وَجَبَ عَلَى الْفَرْعِ الْإِتْمَامُ كَانَ الْأَصْلُ بِهِ أَوْلَى .
وَإِذَا كَانَ الرَّاعِفُ قَدِ اسْتَخْلَفَهُ الْقَوْمُ مَكَانَهُ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْجَوَابَ عَلَى مَا مَضَى مِنَ اسْتِخْلَافِ الرَّاعِفِ لَهُ سَوَاءٌ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الرَّاعِفَ إِذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ فَلَهُ أَنْ يَقْصُرَ بِكُلِّ حَالٍ ، أَعْنِي الرَّاعِفَ : لِأَنَّ الْمُسْتَخْلَفَ ، وَإِنْ كَانَ مُقِيمًا فَلَيْسَ بِفَرْعٍ لِلرَّاعِفِ فَيَلْزَمُهُ حُكْمُ صَلَاتِهِ فِي الْإِتْمَامِ ، فَعَلَى هَذَا لَوِ اسْتَخْلَفَ الْمُقِيمُونَ مُقِيمًا ، وَالْمُسَافِرُونَ مُسَافِرًا جَازَ وَصَلَّى الْمُقِيمُونَ مَعَ إِمَامِهِمْ أَرْبَعًا ، وَصَلَّى الْمُسَافِرُونَ مَعَ إِمَامِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، وَكَذَلِكَ لَوِ افْتَرَقُوا ثَلَاثَ فِرَقٍ ، وَأَكْثَرَ وَقَدَّمَتْ كُلُّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ إِمَامًا جَازَ ، وَلَوْ كَانَ إِمَامُهُمْ قَبْلَ الْحَدَثِ وَاحِدًا إِذَا قِيلَ بِجَوَازِ الِاسْتِخْلَافِ . نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَيْهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث