الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الثاني
فَصْلٌ : فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْجُمْعَةَ مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ ، فَوُجُوبُهَا مُعْتَبَرٌ بِسَبْعِ شَرَائِطَ ، وَهِيَ الْبُلُوغُ ، وَالذُّكُورِيَّةُ ، وَالْعَقْلُ ، وَالْحُرِّيَّةُ ، وَالْإِسْلَامُ ، وَالصِّحَّةُ ، وَالِاسْتِيطَانُ ، فَهَذِهِ سَبْعُ 403 شَرَائِطَ تُعْتَبَرُ فِي وُجُوبِ الْجُمْعَةِ اثْنَانِ مِنْهُمَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الْجُمْعَةِ وَجَوَازِهَا ، وَالْخَمْسَةُ الْبَاقِيَةُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا دُونَ جَوَازِهَا .
فَأَمَّا الشَّرْطَانِ اللَّذَانِ هُمَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا وَجَوَازِهَا فِيهِمَا : الْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ : لِأَنَّ فَقْدَ الْعَقْلِ يُمْنَعُ مِنَ التَّكَلُّفِ ، وَعَدَمَ الْإِسْلَامِ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ . ثُمَّ النَّاسُ فِي الْجُمْعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ : ضَرْبٌ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ ، وَضَرْبٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ ، وَضَرْبٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ .
فَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ ، وَيَلْزَمُهُمْ إِتْيَانُهَا ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ إِذَا حَضَرُوا فَهُمُ : الَّذِينَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهِمُ الشَّرَائِطُ السَّبْعَةُ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فَهُمُ : الْمُقِيمُونَ فِي غَيْرِ أَوْطَانِهِمْ ، كَرَجُلٍ دَخَلَ بِالْبَصْرَةِ فَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا سَنَةً لِطَلَبِ عِلْمٍ ، أَوْ تِجَارَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى وَطَنِهِ ، فَهَؤُلَاءِ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ لِمُقَامِهِمْ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْعِقَادِ الْجُمْعَةِ بِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمْعَةُ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ انْعَقَدَتْ بِهِ الْجُمْعَةُ كَالْمُسْتَوْطِنِ .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَجَّ حِجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَأَقَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ، فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمْعَةَ ، وَلَا أَمَرَ بِهَا أَهْلَ مَكَّةَ .
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ اجْتَمَعَا عِنْدَ الرَّشِيدِ ، فَسَأَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ، هَلْ كَانَتْ جُمْعَةً أَوْ ظُهْرًا ؟ فَقَالَ : جُمْعَةٌ : لِأَنَّهُ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ جُمْعَةٍ لَأَخَّرَ الْخُطْبَةَ . ثُمَّ سَأَلَ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : كَانَتْ ظُهْرًا : لِأَنَّهُ أَسَرَّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ جُمْعَةً لَجَهَرَ ، فَقَالَ الرَّشِيدُ : صَدَقْتَ . وَقَدْ نُقِلَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ فَهُمُ : الْمَرْضَى ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي حُضُورِهَا ، وَانْعَقَدَتْ بِهِمُ الْجُمْعَةُ إِذَا حَضَرُوهَا لِزَوَالِ عُذْرِهِمْ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِينَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حُضُورُهَا وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ إِذَا حَضَرُوا فَهُمْ ثَلَاثَةُ 404 أَصْنَافٍ : النِّسَاءُ ، وَالْعَبِيدُ ، وَالْمُسَافِرُونَ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَاهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ ، فِي أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ إِذَا حَضَرُوهَا خِلَافَ الْمَرِيضِ : لِبَقَاءِ أَعْذَارِهِمْ وَإِنْ حَضَرُوهَا ، وَهُوَ الْأُنُوثَةُ وَالرِّقُّ ، وَالسَّفَرُ ، وَزَوَالِ عُذْرِ الْمَرِيضِ إِذَا حَضَرَ .
فَأَمَّا الشَّرْطَانِ اللَّذَانِ هُمَا شَرْطٌ فِي وُجُوبِهَا وَجَوَازِهَا فِيهِمَا : الْعَقْلُ وَالْإِسْلَامُ : لِأَنَّ فَقْدَ الْعَقْلِ يُمْنَعُ مِنَ التَّكَلُّفِ ، وَعَدَمَ الْإِسْلَامِ يَمْنَعُ مِنْ جَوَازِ الْعَمَلِ . ثُمَّ النَّاسُ فِي الْجُمْعَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ : ضَرْبٌ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ ، وَضَرْبٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ ، وَضَرْبٌ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ .
فَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ ، وَيَلْزَمُهُمْ إِتْيَانُهَا ، وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ إِذَا حَضَرُوا فَهُمُ : الَّذِينَ قَدْ وُجِدَتْ فِيهِمُ الشَّرَائِطُ السَّبْعَةُ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِي تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ فَهُمُ : الْمُقِيمُونَ فِي غَيْرِ أَوْطَانِهِمْ ، كَرَجُلٍ دَخَلَ بِالْبَصْرَةِ فَنَوَى أَنْ يُقِيمَ فِيهَا سَنَةً لِطَلَبِ عِلْمٍ ، أَوْ تِجَارَةٍ ثُمَّ يَعُودُ إِلَى وَطَنِهِ ، فَهَؤُلَاءِ تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ لِمُقَامِهِمْ ، وَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي انْعِقَادِ الْجُمْعَةِ بِهِمْ فَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ : تَنْعَقِدُ بِهِمُ الْجُمْعَةُ ، لِأَنَّ كُلَّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْجُمْعَةُ انْعَقَدَتْ بِهِ الْجُمْعَةُ كَالْمُسْتَوْطِنِ .
وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ : تَجِبُ عَلَيْهِمُ الْجُمْعَةُ وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَجَّ حِجَّةَ الْوَدَاعِ ، وَأَقَامَ يَوْمَ عَرَفَةَ يَوْمَ الْجُمْعَةِ ، فَلَمْ يُصَلِّ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجُمْعَةَ ، وَلَا أَمَرَ بِهَا أَهْلَ مَكَّةَ .
وَقَدْ حُكِيَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ اجْتَمَعَا عِنْدَ الرَّشِيدِ ، فَسَأَلَ الرَّشِيدُ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَرَفَةَ ، هَلْ كَانَتْ جُمْعَةً أَوْ ظُهْرًا ؟ فَقَالَ : جُمْعَةٌ : لِأَنَّهُ خَطَبَ قَبْلَ الصَّلَاةِ ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ جُمْعَةٍ لَأَخَّرَ الْخُطْبَةَ . ثُمَّ سَأَلَ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، فَقَالَ : كَانَتْ ظُهْرًا : لِأَنَّهُ أَسَرَّ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ جُمْعَةً لَجَهَرَ ، فَقَالَ الرَّشِيدُ : صَدَقْتَ . وَقَدْ نُقِلَتْ هَذِهِ الْحِكَايَةُ عَنْ مَالِكٍ ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأَبِي يُوسُفَ رَحِمَهُ اللَّهُ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ وَتَنْعَقِدُ بِهِمْ فَهُمُ : الْمَرْضَى ، وَإِنَّمَا لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ لِمَا يَلْحَقُهُمْ مِنَ الْمَشَقَّةِ فِي حُضُورِهَا ، وَانْعَقَدَتْ بِهِمُ الْجُمْعَةُ إِذَا حَضَرُوهَا لِزَوَالِ عُذْرِهِمْ .
وَأَمَّا الضَّرْبُ الَّذِينَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ حُضُورُهَا وَلَا تَنْعَقِدُ بِهِمْ إِذَا حَضَرُوا فَهُمْ ثَلَاثَةُ 404 أَصْنَافٍ : النِّسَاءُ ، وَالْعَبِيدُ ، وَالْمُسَافِرُونَ ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَثْنَاهُمْ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ ، فِي أَنَّهَا لَمْ تَنْعَقِدْ بِهِمْ إِذَا حَضَرُوهَا خِلَافَ الْمَرِيضِ : لِبَقَاءِ أَعْذَارِهِمْ وَإِنْ حَضَرُوهَا ، وَهُوَ الْأُنُوثَةُ وَالرِّقُّ ، وَالسَّفَرُ ، وَزَوَالِ عُذْرِ الْمَرِيضِ إِذَا حَضَرَ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث