الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الرابع عشر
الصفحة 7966 · ص. المطبوع 356
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى - : " وَإِنْ صَالَحَهُمُ الْإِمَامُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ فَالطَّاعَةُ نَقْضُهُ ، كَمَا صَنَعَ النَبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي النِّسَاءِ وَقَدْ أَعْطَى الْمُشْرِكِينَ فِيهِنَّ مَا أَعْطَاهُمْ فِي الرِّجَالِ وَلَمْ يَسْتَثْنِ ، فَجَاءَتْهُ أُمُّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ مُسْلِمَةً مُهَاجِرَةً ، فَجَاءَ أَخَوَاهَا يَطْلُبَانِهَا فَمَنَعَهَا مِنْهُمَا ، وَأَخْبَرَ أَنَّ اللَّهَ مَنَعَ الصُلْحَ فِي النِّسَاءِ وَحَكْمَ فِيهِنَّ غَيْرَ حُكْمِهِ فِي الرِّجَالِ ، وَبِهَذَا قُلْنَا لَوْ أَعْطَى الْإِمَامُ قَوْمًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ الْأَمَانَ عَلَى أَسِيرٍ فِي أَيْدِيهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ مَالٍ ، ثَمَّ جَاءُوهُ لَمْ يَحِلَّ لَهُ إِلَّا نَزْعُهُ مِنْهُمْ بِلَا عِوَضٍ ، وَإِنَّ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إِلَى أَنَّ النَبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - رَدَّ أَبَا جَنْدَلِ بْنَ سُهَيْلٍ إِلَى أَبِيهِ ، وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ ، إِلَى أَهْلِهِ ، قِيلَ أَهْلُوهُمْ أَشْفَقُ النَّاسِ عَلَيْهِمْ وَأَحْرَصُهُمْ عَلَى سَلَامَتِهِمْ ، وَلَعَّلَهُمْ يَقُونَهُمْ بِأَنْفُسِهِمْ مِمَّا يُؤْذِيهِمْ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونُوا مُتَّهَمِينَ عَلَى أَنْ يَنَالُوا بِتَلَفٍ أَوْ عَذَابٍ ، وَإِنَّمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ دِينَهُمْ فَكَانُوا يُشَدِّدُونَ عَلَيْهِمْ بِتَرْكِ دِينِهِمْ كَرْهًا ، وَقَدْ وَضَعَ اللَّهُ الْمَأْثَمَ فِي إِكْرَاهِهِمْ ، أَوَلَا تَرَى أَنَّ النِّسَاءَ إِذَا أُرِيدَ بِهِنَّ الْفِتْنَةُ ضَعُفْنَ وَلَمْ يَفْهَمْنَ فَهْمَ الرِّجَالِ ، وَكَانَ التَّقِيَّةُ تَسَعُهُنَ ، وَكَانَ فِيهِنَّ أَنْ يُصِيبَهُنَّ أَزْوَاجُهُنَ وَهُنَّ حَرَامٌ عَلَيْهِنَّ ، قَالَ وَإِنْ جَاءَتْنَا امْرَأَةٌ مُهَادِنَةٌ أَوْ مُسْلِمَةٌ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إِلَى مَوْضِعِ الْإِمَامِ فَجَاءَ سِوَى زَوْجِهَا فِي طَلَبِهَا مُنِعَ مِنْهَا بِلَا عِوَضٍ . وَإِنْ جَاءَ زَوْجُهَا فَفِيهَا قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمُا يُعْطَى مَا أَنْفَقَ وَهُوَ مَا دَفَعَ إِلَيْهَا مِنَ الْمَهْرِ .
وَالْآخَرُ لَا يُعْطَى ، وَقَالَ فِي آخِرِ الْجَوَابِ وَأَشْبَهُهُمَا أَنْ لَا يُعْطَوْا عِوَضًا ( قَالَ الْمُزَنِيُّ : ) هَذَا أَشْبَهُ بِالْحَقِّ عِنْدِي " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَا يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَعْقِدَ الْهُدْنَةَ عَلَى شُرُوطٍ مَحْظُورَةٍ قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا .
فَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى مَالٍ يَحْمِلُهُ إِلَيْهِمْ ، فَهُوَ مَحْظُورٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى خَرَاجٍ يَضْرِبُونَهُ عَلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى رَدِّ مَا غَنِمَ مِنْ سَبْيِ ذَرَارِيهِمْ : لِأَنَّهَا أَمْوَالٌ مَغْنُومَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَدَّ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - سَبْيَ هَوَازِنَ عَلَيْهِمْ .
قِيلَ : إِنَّمَا رَدَّهُمْ عَلَيْهِمْ بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ تَفَضُّلًا عَلَيْهِمْ ، فَخَالَفَ الْتِزَامَهُ لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ عَقْدٍ .
وَمِنْهَا أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ أَوِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ ، فَلَا يَجُوزُ .
356 وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى تَرْكِ قِتَالِهِمْ عَلَى الْأَبَدِ ، لِمَا فِيهِ مِنْ تَعْطِيلِ الْجِهَادِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ ، وَلَيْسَ بِهِ حَاجَةٌ إِلَى مُهَادَنَتِهِمْ : لِقُوَّتِهِ عَلَيْهِمْ وَعَدَمِ النَّفْعِ بِمُهَادَنَتِهِمْ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ أَكْثَرَ مِنْ عَشْرِ سِنِينَ ، وَإِنْ كَانَ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى إِظْهَارِ مَنَاكِيرِهِمْ فِي بِلَادِنَا مِنْ صُلْبَانِهِمْ وَخُمُورِهِمْ وَخَنَازِيرِهِمْ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى إِسْقَاطِ الْجِزْيَةِ عَمَّنْ أَقَامَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى تَعْشِيرِ أَمْوَالِنَا إِذَا دَخَلْنَا إِلَيْهِمْ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُهَادِنَهُمْ عَلَى أَلَّا نَسْتَنْقِذَ أَسْرَانَا مِنْهُمْ ، فَهَذِهِ وَمَا شَاكَلَهَا مَحْظُورَةٌ ، قَدْ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا ، فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُهَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ ، فَإِنْ شُرِطَتْ بَطَلَتْ ، وَوَجَبَ عَلَى الْإِمَامِ نَقْضُهَا : لِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ رُدُّوا الْجَهَالَاتِ إِلَى السُّنَنِ ، وَلَا تَبْطُلُ الْهُدْنَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ شَرْطًا فِيهَا : لِأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْبُيُوعِ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ الَّتِي تَبْطُلُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ : لِمَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ مِنْ جَهَالَةِ الثَّمَنِ ، وَلَيْسَتْ بِأَوْكَدَ فِي عُقُودِ الْمُنَاكَحَاتِ الَّتِي لَا تَبْطُلُ بِفَسَادِ الْمَهْرِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يُعْلِمَهُمْ بُطْلَانَ الشُّرُوطِ قَبْلَ مُطَالَبَتِهِمْ بِهَا ، فَإِنْ طَالَبُوهُ بِالْتِزَامِهَا أَعْلَمَهُمْ حِينَئِذٍ بُطْلَانَهَا فِي شَرْعِنَا ، وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَنَا الْعَمَلُ بِهَا .
فَإِنْ دَعَوْهُ إِلَى نَقْضِ الْهُدْنَةِ نَقَضَهَا ، إِلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْهُمُ الِاصْطِلَامَ ، فَيَجُوزُ لِلضَّرُورَةِ ، أَنْ يَلْتَزِمَهَا مَا كَانَ عَلَى ضَرُورَتِهِ كَمَا قُلْنَا فِي بَذْلِ الْمَالِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث