الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الخامس عشر
الصفحة 8176 · ص. المطبوع 169
فَصْلٌ : فَإِذَا أُحِلَّ لَهُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ بِالشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ ، كَانَ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا مَا يُمْسِكُ رَمَقَهُ ، كَيْفَمَا سَاغَهُ طَبْخًا وَقَلْيًا ، وَشَيًّا ، وَنِيئًا ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يَتَجَاوَزَ بِالْأَكْلِ بَعْدَ إِمْسَاكِ الرَّمَقِ إِلَى أَبَدٍ يَنْتَهِي إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ ، فِيهِ قَوْلَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَيْسَ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى إِمْسَاكِ الرَّمَقِ ، وَمَا بَعْدَهُ إِلَى حَدِّ الشِّبَعِ حَرَامٌ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيُّ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَأْكُلُ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى الشِّبَعِ ، وَلَا يُحَرَّمُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا زَادَ عَلَى حَدِّ الشِّبَعِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ .
وَدَلِيلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ فِي تَحْرِيمِ الشِّبَعِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : 169 وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ [ الْأَنْعَامِ : 119 ] وَالضَّرُورَةُ تَزُولُ بِإِمْسَاكِ الرَّمَقِ ، فَدَلَّتْ عَلَى تَحْرِيمِ مَا زَادَ عَلَيْهِ : وَلِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَمَاسِكَ الرَّمَقِ قَبْلَ أَكْلِهَا حَرُمَتْ عَلَيْهِ كَذَلِكَ . إِذَا صَارَ بِهَا مُتَمَاسِكَ الرَّمَقِ وَجَبَ أَنْ تَحْرُمَ عَلَيْهِ : لِأَنَّهُ غَيْرُ مُضْطَرٍّ إِلَيْهَا فِي الْحَالَيْنِ : وَلِأَنَّ ارْتِفَاعَ الضَّرُورَةِ مُوجِبٌ لِارْتِفَاعِ حُكْمِهَا ، كَمَا أَنَّ حُدُوثَ الضَّرُورَةِ مُوجِبٌ لِحُدُوثِ حُكْمِهَا .
وَلَوْ جَازَ أَنْ تَرْتَفِعَ الضَّرُورَةُ ، وَلَا يَرْتَفِعَ حُكْمُهَا لَجَازَ أَنْ تَحْدُثَ ، وَلَا يَحْدُثَ حُكْمُهَا .
دَلِيلُ الْقَوْلِ الثَّانِي : أَنَّ الشِّبَعَ مِنْهَا حَلَالٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ [ الْبَقَرَةِ : 173 ] فَعَمَّ الْإِبَاحَةَ بِرَفْعِ الْمَأْثَمِ ، وَقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حِينَ ۝ سُئِلَ عَنِ الْمَيْتَةِ ، فَقَالَ : مَا لَمْ تَصْطَبِحُوا أَوْ تَغْتَبِقُوا أَوْ تَحْتَفِئُوا بَقْلًا فَشَأْنُكُمْ بِهَا فَعَمَّ إِبَاحَتَهَا : وَلِأَنَّ مَا حَلَّ أَكْلُهُ ، حَلَّ الِاكْتِفَاءُ مِنْهُ ، كَالطَّعَامِ طَرْدًا وَالْحَرَامِ عَكْسًا : وَلِأَنَّهُ مُضْطَرٌّ إِلَى الشِّبَعِ لِحِفْظِ قُوَّتِهِ : لِأَنَّ إِمْسَاكَ الرَّمَقِ لَا لُبْثَ لَهُ ، وَتَتَعَقَّبُهُ الضَّرُورَةُ بَعْدَهُ إِلَى إِمْسَاكِهِ بِغَيْرِهِ ، وَقَدْ لَا يَجِدُ الْمَيْتَةَ بَعْدَهَا ، فَكَانَ الشِّبَعُ أَمْسَكُ لِرَمَقِهِ ، وَأَحْفَظُ لِحَيَاتِهِ ، وَلَئِنْ كَانَ إِمْسَاكُ الرَّمَقِ فِي الِابْتِدَاءِ مُعْتَبَرًا فَقَدْ لَا يَكُونُ فِي الِانْتِهَاءِ مُعْتَبَرًا بِعُدْمِ الطَّوَلِ فِي نِكَاحِ الْأَمَةِ ، شَرْطٌ فِي ابْتِدَاءِ الْعَقْدِ ، وَلَيْسَ بِشَرْطٍ بَعْدَ الْعَقْدِ ، فَإِذَا تَقَرَّرَ تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ مِنْهُمَا أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ مِنْهَا إِلَّا مَا أَمْسَكَ الرَّمَقَ ، فَأَكْلُ هَذَا الْقَدْرِ مِنْهَا مُبَاحٌ لَهُ وَوَاجِبٌ عَلَيْهِ ، لِإِحْيَاءِ نَفْسِهِ بِهِ : لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ [ النِّسَاءِ : 29 ] فَإِنْ تَرَكَ أَكْلَ مَا يُمْسِكُ الرَّمَقَ حَتَّى مَاتَ أَثِمَ ، وَإِنْ أَكَلَ مَا زَادَ عَلَى إِمْسَاكِ الرَّمَقِ كَانَ آثِمًا ، وَمَا أَكَلَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ حَرَامٌ .
وَإِنْ قُلْنَا بِالْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ يَأْكُلُ مِنْهَا حَتَّى يَشْبَعَ كَانَ أَكْلُ مَا أَمْسَكَ الرَّمَقَ وَاجِبًا عَلَيْهِ ، وَكَانَ أَكْلُ مَا زَادَ عَلَيْهِ إِلَى الشِّبَعِ مُبَاحًا لَهُ : لِأَنَّ الْوُجُوبَ مُخْتَصٌّ بِمَا أَحْيَا النَّفْسَ ، وَهُوَ إِمْسَاكُ الرَّمَقِ وَالزِّيَادَةُ عَلَيْهِ لِلْحَاجَةِ وَحِفْظِ الْقُوَّةِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَأَكْلُ مَا زَادَ عَلَى حَدِّ الشِّبَعِ حَرَامٌ : لِأَنَّهُ لَا تَدْعُو إِلَيْهِ ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث