الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء الخامس عشر
الصفحة 8308 · ص. المطبوع 271
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَإِنْ قَالَ أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ ، فَإِنْ كَانَ يَعْنِي حَلَفْتُ قَدِيمًا ، فَلَيْسَتْ بِيَمِينٍ حَادِثَةٍ ، وَإِنْ أَرَادَ بِهَا يَمِينًا ، فَهِيَ يَمِينٌ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : قَوْلُهُ : " أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ " يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ يَمِينًا فِي الْحَالِ أَوْ 271 يَكُونَ إِخْبَارًا عَنْ يَمِينٍ مَاضِيَةٍ . وَإِذَا احْتَمَلَ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لَمْ يَخْلُ حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنْ يُرِيدَ يَمِينًا فِي الْحَالِ فَتَكُونَ يَمِينًا مُنْعَقِدَةً ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ [ الْأَنْعَامِ : 109 ] .
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَقُولَهُ مُطْلَقًا لَمْ تَقْتَرِنْ بِهِ إِرَادَةٌ ، فَتَكُونُ يَمِينًا : لِأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَنَ بِإِطْلَاقِهَا عُرْفَانِ ، عُرْفُ شَرْعٍ وَعُرْفُ اسْتِعْمَالٍ . فَعُرْفُ الشَّرْعِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْآيَةِ وَعُرْفُ الِاسْتِعْمَالِ قَوْلُهُمْ فِي أَيْمَانِهِمْ : أَقْسَمْتُ بِاللَّهِ لَأَفْعَلَنَّ كَذَا ، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ إِطْلَاقُهُ مَحْمُولًا عَلَى الْعُرْفَيْنِ مِنَ انْعِقَادِ الْيَمِينِ وَلُزُومِ الْكَفَّارَةِ .
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يُرِيدَ بِهِ يَمِينًا حَلَفَ بِهَا مُنْعَقِدَةً ، فَإِنْ عُلِمَ تَقَدُّمُ يَمِينِهِ كَانَ الْعِلْمُ بِهَا مُوَافِقًا لِإِرَادَتِهِ ، فَلَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ فِي الْحَالِ ، وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ لَهُ يَمِينٌ مُتَقَدِّمَةٌ ، فَقَدْ قَالَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ : لَا تَكُونُ يَمِينًا ، لِاحْتِمَالِ مَا قَالَ فِي كِتَابِ الْإِيلَاءِ : تَكُونُ يَمِينًا مُنْعَقِدَةً اعْتِبَارًا بِعُرْفِ الشَّرْعِ وَالِاسْتِعْمَالِ ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : الْجَمْعُ بَيْنَ الْجَوَابَيْنِ وَتَخْرِيجُهُ فِي الْيَمِينِ وَالْإِيلَاءِ عَلَى قَوْلَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : تَنْعَقِدُ فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِيلَاءِ .
وَالثَّانِي : لَا تَنْعَقِدُ فِي الْأَيْمَانِ وَالْإِيلَاءِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : حَمْلُ الْجَوَابِ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَيَلْزَمُ فِي الْإِيلَاءِ وَلَا يَلْزَمُ فِي الْأَيْمَانِ : لِأَنَّ فِي الْإِيلَاءِ حَقًّا لِآدَمِيِّينَ ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِإِرَادَتِهِ ، وَهُوَ فِي الْأَيْمَانِ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ ، فَجَازَ أَنْ يَدِينَ فِيهِ عَلَى إِرَادَتِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث