الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الصفحة 8496
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : " وَلَوْ حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةً فَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ أَوْ نَحَلَهُ أَوْ أَعْمَرَهُ فَهُوَ هِبَةٌ ، فَإِنْ أَسْكَنَهُ فَإِنَّمَا هِيَ عَارِيَةٌ لَمْ يُمْلِكْهُ إِيَّاهَا ، فَمَتَى شَاءَ رَجَعَ فِيهَا ، وَكَذَلِكَ إِنْ حُبِسَ عَلَيْهِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، إِذَا حَلَفَ لَا يَهَبُ لَهُ هِبَةً ، فَالْهِبَةُ مِمَّا تَبَرَّعَ بِتَمْلِيكِهِ مِنَ الْأَعْيَانِ فِي حَيَاتِهِ مِنْ غَيْرِ عِوَضٍ يَتَمَلَّكُ عَنْهَا ، فَيَحْنَثُ بِالْهِبَةِ إِذَا قَبَضَهَا بَعْدَ الْعَقْدِ وَلَا يَحْنَثُ بِالْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَيَحْنَثُ بِالْهَدِيَّةِ إِذَا قُبِضَتْ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْهَا عُقْدَةٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ يُعْتَبَرُ فِي الْهِبَاتِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْهَدَايَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِهَا فِي كِتَابِ الْعَطَايَا وَيَحْنَثُ بِالْعُمْرَى وَالرُّقْبَى ؛ لِأَنَّهَا مِنَ الْهِبَاتِ ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ الْعُمْرَى لِمَنْ وُهِبَتْ لَهُ ، وَهَذَا مِمَّا وَافَقَ عَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ ، ثُمَّ إِذَا قُبِضَتِ الْهِبَةُ عَنْ عَقْدٍ تَقَدَّمَهَا ، فَفِي زَمَانِ حِنْثِهِ وَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيْنِ حَتَّى يَمْلِكَ الْهِبَةَ :
أَحَدُهُمَا : بِالْقَبْضِ ، فَعَلَى هَذَا يَحْنَثُ وَقْتَ إِقْبَاضِهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَدُلُّ الْقَبْضُ عَلَى مِلْكِهَا وَقْتَ عَقْدِهَا ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ حَانِثًا وَقْتَ الْعَقْدِ .
وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ إِذَا عَقَدَ الْهِبَةَ وَنَقَلَ أَوْ سَلَّمَ فَلَمْ يَقْبَلْهَا الْمَوْهُوبُ لَهُ فَرَدَّهَا ، فَفِي حِنْثِهِ وَجْهَانِ :
أَحَدُهُمَا : لَا يَحْنَثُ ؛ لِأَنَّ الْهِبَةَ لَمْ تَتِمَّ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْقَبْضِ .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّهُ يَحْنَثُ لِتَعَلُّقِهَا بِفِعْلِهِ ، تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِهِ : إِنَّهَا تُمْلَكُ بِالْعَقْدِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث