الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء السابع عشر
الصفحة 8893 · ص. المطبوع 112
فَصْلٌ : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي : فِي صِفَةِ التَّغْلِيظِ بِمَكَانِهِ وَزَمَانِهِ .
112 أَمَّا الْمَكَانُ ، فَيُعْتَبَرُ بِأَشْرَفِ الْبِقَاعِ مِنَ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ بِمَكَّةَ ، فَبَيْنَ الْبَيْتِ وَالْمَقَامِ ، وَتُصَانُ الْكَعْبَةُ عَنْهُ .
وَأَمَّا الْحِجْرُ ، فَقَدْ أَحْلَفَ عُمَرُ أَهْلَ الْقَسَامَةِ فِيهِ ، وَلَوْ صِينَ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى : لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَيْتِ .
وَإِنْ كَانَ بِالْمَدِينَةِ ، فَفِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مِنْبَرِهِ ، كَمَا أَحْلَفَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ : يَحْلِفُ عِنْدَ الْمِنْبَرِ ، لَا عَلَيْهِ ، لِأَنَّ عُلُوَّ الْمِنْبَرِ تَشْرِيفٌ يُصَانُ عَنْ مَأْثَمِ الْأَيْمَانِ ، لَكِنْ يَرْقَى عَلَيْهِ الْحَاكِمُ الْمُسْتَحْلِفُ ، لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْوِلَايَاتِ ، وَلَا يَرْقَى عَلَيْهِ الطَّالِبُ إِلَّا أَنْ يَرْقَى عَلَيْهِ الْحَالِفُ ، لِوُجُوبِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْخَصْمَيْنِ .
وَإِنْ كَانَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ ، فَفِي مَسْجِدِهَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ ، لِأَنَّهَا أَشْرَفُ بِقَاعِهِ ، وَيُسْتَحْلَفُ قَائِمًا ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، لِأَنَّ الْمَنَابِرَ مَقَامَاتُ الْوُقُوفُ فِي الْوُلَاةِ ، فَكَانَ فِي الِاسْتِحْلَافِ أَوْلَى ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ الْمُسْتَحْلِفُ جَالِسًا عِنْدَ قِيَامِ الْحَاكِمِ ، لِأَنَّهُ هُوَ الْمَزْجُورُ دُونَ الْمُسْتَحْلَفِ .
فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى إِذَا تَغَلَّظَتْ عَلَيْهِمُ الْأَيْمَانُ ، فَفِي كَنَائِسِهِمْ ، وَبِيَعِهِمْ : لِأَنَّهَا وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَشْرَفَ الْبِقَاعِ عِنْدَنَا ، فَهِيَ أَشْرَفُهَا عِنْدَهُمْ ، وَهُمُ الْمَزْجُورُونَ بِهَا ، فَاعْتَبَرْنَا مَا هُوَ أَشْرَفُ فِي مُعْتَقَدِهِمْ لَا فِي مُعْتَقَدِنَا .
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ ، فَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ [ الْمَائِدَةِ : 106 ] . أَنَّهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ ، وَلِأَنَّهُ وَقْتٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ ، وَتُجَابُ فِيهِ الدَّعَوَاتُ .
فَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى ، فَبَعْدَ صَلَاتِهِمُ الَّتِي يَرَوْنَهَا أَعْظَمَ صَلَوَاتِهِمْ .
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْعَدَدِ فَفِي الْحُقُوقِ الَّتِي شُرِعَ فِيهَا الْعَدَدُ ، وَهِيَ الدِّمَاءُ : تُغَلَّظُ بِخَمْسِينَ يَمِينًا ، وَفِي اللِّعَانِ بِخَمْسَةِ أَيْمَانٍ .
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِاللَّفْظِ : فَهُوَ أَنْ يُذْكَرَ مَعَ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ صِفَاتِ ذَاتِهِ الْخَارِجَةِ عَنِ الْعُرْفِ الْمَأْلُوفِ فِي لَغْوِ الْيَمِينِ ، مَا يَكُونُ أَزْجَرَ وَأَرْدَعَ عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ فِي صِفَةِ الْيَمِينِ . وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْوَعْظِ ، فَيَكُونُ قَبْلَ الْيَمِينِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [ آلِ عِمْرَانَ : 77 ] . 113 وَبِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ مَنْ حَلَفَ يَمِينًا فَاجِرَةً ، لِيَقْتَطِعَ مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ ، وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ " .
فَأَمَّا الْإِحْلَافُ بِالْمُصْحَفِ تَغْلِيظًا ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ ، وَقَدْ حَكَّاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ بَعْضِ قُضَاتِهِمُ اسْتِحْسَانًا ، وَلَيْسَ بِمُسْتَحَبٍّ عِنْدَهُ ، وَإِنْ أَجَازَهُ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ مَنْ كَانَ حَالِفًا ، فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيُصْمِتْ " ، وَهَلْ يُجْزِئُ الْحَلِفُ بِهِ عَنِ الْحَلِفِ بِاللَّهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : يُجْزِئُ ، وَيَسْقُطُ بِهِ وُجُوبَ الْيَمِينِ ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الْحِنْثِ بِهِمَا ، وَوُجُوبِ التَّكْفِيرِ فِيهِمَا .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي : لَا يُجْزِئُ ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ وُجُوبُ الْيَمِينِ ، لِأَنَّ مِنَ الْفُقَهَاءِ مَنْ يُعَلِّقُ عَلَيْهِ حِنْثًا ، وَلَا يُوجِبُ بِهِ تَكْفِيرًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث