الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الجزء السابع عشر
الصفحة 8979 · ص. المطبوع 197
مَسْأَلَةٌ : قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " وَإِذَا كَانَ هَكَذَا كَانَ تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ أَوْلَى مَحْبُوبًا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " ۝ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ ، ۝ وَسَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ يَقْرَأُ ، فَقَالَ " لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ ، وَتَحْسِينِ الصَّوْتِ بِأَيِّ وَجْهٍ مَا كَانَ ، وَأَحَبُّ مَا يُقْرَأُ إِلَيَّ حَدْرًا وَتَحْزِينًا . قَالَ الْمُزَنِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : سَمِعْتُ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : لَوْ كَانَ مَعْنَى " يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ " عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ ، لَكَانَ يَتَغَانَى وَتَحْسِينُ الصَّوْتِ هُوَ يَتَغَنَّى ، وَلَكِنَّهُ يُرَادُ بِهِ تَحْسِينُ الصَّوْتِ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : أَمَّا تَحْسِينُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ حَدْرًا وَتَحْزِينًا فَمُسْتَحَبٌّ ، لِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ۝ مَا أَذِنَ اللَّهُ لِشَيْءٍ كَإِذْنِهِ لِنَبِيٍّ حَسَنِ التَّرَنُّمِ بِالْقُرْآنِ " وَرُوِيَ : ۝ حُسْنُ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ زِينَةُ الْقُرْآنِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ " أَذِنَ اللَّهُ " أَيْ : مَا اسْتَمَعَ اللَّهُ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ [ الِانْشِقَاقِ : 2 ] . أَيْ : سَمِعَتْ لَهُ وَحُقَّ لَهَا أَنْ تَسْمَعَ .
وَرَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : " ۝ حَسِّنُوا الْقُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ " .
وَرَوَى الزُّهْرِيُّ ، عَنْ عَمْرَةَ ، عَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ قِرَاءَةَ أَبِي مُوسَى ، فَقَالَ : " ۝ لَقَدْ أُوتِيَ هَذَا مِنَ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ " .
197 وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَكَ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكَ تَسْمَعُنِي لَحَبَّرْتَهُ تَحْبِيرًا "
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ۝ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ ، فَلْيَقْرَأْ بِقِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ " يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ ، لِحُسْنِ أَدَائِهِ ، وَصِحَّةِ تَرْتِيلِهِ ، وَتَحْقِيقِ أَلْفَاظِهِ .
وَكَانَ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ذَا صَوْتٍ حَسَنٍ ، وَأَدَاءٍ صَحِيحٍ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ۝ لَقَدْ أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ .
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي قِرَاءَتِهِ عَلَيْهِ .
فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِيَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ بَعْدَهُ ، فَلَا يَسْتَنْكِفُ شَرِيفٌ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى مَشْرُوفٍ ، وَلَا كَبِيرٌ عَلَى صَغِيرٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لِيَسْمَعَ النَّاسُ قِرَاءَتَهُ وَأَدَاءَهُ ، فَيَأْخُذُونَ عَنْهُ .
وَقَالَ آخَرُونَ : أَرَادَ بِهِ تَفْضِيلَ أُبَيٍّ بِذَلِكَ ، وَلِأَنَّ فِي تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقُرْآنِ تَحْرِيكَ الْقُلُوبِ بِالْحَزَنِ وَالْخُشُوعِ ، وَإِنْذَارِ النُّفُوسِ بِالْحَزَنِ وَالْخُضُوعِ ، فَيَكُونُ أَبْعَثَ عَلَى الطَّاعَةِ وَأَمْنَعَ مِنَ الْمَعْصِيَةِ .
وَرُوِيَ ۝ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فِي تَهَجُّدِهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا [ النِّسَاءِ : 41 ] . فَبَكَى حَتَّى عَلَا نَحِيبُهُ ، وَلَمْ يَزَلْ يُرَدِّدُهَا حَتَّى تَحَزَّنَ صَوْتُهُ .
وَمَرَّ بَعْضُ أَهْلِ الْبِطَالَةِ ، وَقَدْ هَمَّ بِمَعْصِيَةٍ وَقَتْلِ نَفْسٍ ، بِصَالِحٍ الْمُرِّيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا [ الْفُرْقَانِ : 23 ] . فَانْزَجَرَ بِهَا ، وَأَلْقَى السِّكِّينَ مِنْ يَدِهِ ، وَخَرَّ مَغْشِيًّا عَلَى وَجْهِهِ ، وَتَابَ ، وَصَارَ نَاسِكًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث