روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء السادس
الصفحة 1228 · ص. المطبوع 141
الرُّكْنُ الرَّابِعُ : الصِّيغَةُ ، فَنَتَكَلَّمُ فِي طَرَفِ الْإِيجَابِ ، ثُمَّ طَرَفِ الْقَبُولِ ، أَمَّا الْإِيجَابُ فَلَا بُدَّ مِنْهُ ، بِأَنْ يَقُولَ : أَوْصَيْتُ لَهُ بِكَذَا ، أَوْ أَعْطُوهُ ، أَوِ ادْفَعُوا إِلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِي كَذَا ، أَوْ هُوَ لَهُ ، أَوْ جَعَلْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي ، أَوْ مَلَّكْتُهُ ، أَوْ وَهَبْتُهُ لَهُ بَعْدَ مَوْتِي . أَمَّا إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى قَوْلِهِ : وَهَبْتُهُ لَهُ ، وَنَوَى الْوَصِيَّةَ ، فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَكُونُ وَصِيَّةً ؛ لِأَنَّهُ أَمْكَنَ تَنْفِيذُهُ فِي مَوْضُوعِهِ الصَّرِيحِ ، وَهُوَ التَّمْلِيكُ النَّاجِزُ . وَلَوْ قَالَ : هَذَا لَهُ ، فَهُوَ إِقْرَارٌ يُؤَاخَذُ بِهِ ، وَلَا يُجْعَلُ كِنَايَةً عَنِ الْوَصِيَّةِ ، إِلَّا أَنْ يَقُولَ : هُوَ لَهُ مِنْ مَالِي ، أَوْ يَقُولَ : عَبْدِي هَذَا لِفُلَانٍ ، فَيَصِحُّ كِنَايَةً عَنِ الْوَصِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصْلُحُ إِقْرَارًا . وَلَوْ قَالَ : عَيَّنْتُهُ لَهُ ، فَهَذَا كِنَايَةٌ ؛ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ التَّعْيِينَ لِلتَّمْلِيكِ بِالْوَصِيَّةِ ، وَالتَّعْيِينَ لِلْإِعَارَةِ وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْكِتَابَةِ مَعَ النِّيَّةِ بِلَا خِلَافٍ ، لِمَا سَبَقَ فِي " كِتَابِ الْبَيْعِ " : أَنَّ مَا يُقْبَلُ مَقْصُودُهُ التَّعْلِيقُ بِالْإِغْرَارِ ، كَالْكِتَابَةِ ، وَالْخَلْعِ ، يَنْعَقِدُ 141 بِالْكِتَابَةِ مَعَ النِّيَّةِ ، وَالْوَصِيَّةُ تَقْبَلُ التَّعْلِيقَ بِالْإِغْرَارِ ، فَأَوْلَى أَنْ تَنْعَقِدَ بِالْكِتَابَةِ . وَلَوْ كَتَبَ : إِنِّي أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا ، قَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا يَنْعَقِدُ إِذَا كَانَ الشَّخْصُ نَاطِقًا ، كَمَا لَوْ قِيلَ لَهُ : أَوْصَيْتُ لِفُلَانٍ بِكَذَا ؟ فَأَشَارَ : أَنْ نَعَمْ . وَلَوْ وُجِدَ لَهُ كِتَابُ وَصِيَّةٍ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَلَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَضْمُونِهِ ، أَوْ كَانَ قَدْ أَشْهَدَ جَمَاعَةً أَنَّ الْكِتَابَ خَطِّي ، وَمَا فِيهِ وَصِيَّتِي ، وَلَمْ يُطْلِعْهُمْ عَلَى مَا فِيهِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْأَصْحَابِ : لَا تَنْفُذُ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ ، وَلَا يُعْمَلُ بِمَا فِيهِ حَتَّى يَشْهَدَ الشُّهُودُ بِهِ مُفَصَّلًا . وَنَقَلَ الْإِمَامُ ، وَالْمُتَوَلِّي : أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ : يَكْفِي الْإِشْهَادُ عَلَيْهِ مُبْهَمًا . وَرَوَى أَبُو الْحَسَنِ الْعَبَّادِيُّ أَنَّهُ قَالَ : يَكْفِي الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ إِشْهَادٍ ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " ۝ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ " عِنْدَهُ أَشْعَرَ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ الْكِتَابَةِ .
وَاعْلَمْ أَنَّ انْعِقَادَ الْوَصِيَّةِ بِالْكِتَابَةِ لَيْسَ بِبَعِيدٍ وَإِنِ اسْتَبْعَدُوهُ ; لِأَنَّ الْكِتَابَةَ كَكِنَايَاتِ الْأَلْفَاظِ . وَقَدْ سَبَقَ فِي الْبَيْعِ ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي انْعِقَادِ الْبَيْعِ وَنَحْوِهِ بِالْكِنَايَاتِ . وَذَكَرْنَا الْآنَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ أَشَدُّ قَبُولًا لِلْكِنَايَاتِ . فَإِذَا كَتَبَ ، وَقَالَ : نَوَيْتُ الْوَصِيَّةَ لِفُلَانٍ ، أَوِ اعْتَرَفَ وَرَثَتُهُ بِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ وَجَبَ أَنْ يَصِحَّ .
فَرْعٌ
لَوِ اعْتُقِلَ لِسَانُهُ صَحَّتْ وَصِيَّتُهُ بِالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث