روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء السابع
الصفحة 1368 · ص. المطبوع 56
السَّبَبُ الثَّانِي : عُصُوبَةُ مَنْ عَلَى حَاشِيَةِ النَّسَبِ ، كَالْأَخِ وَالْعَمِّ وَبَنِيهِمَا ، فَلَا تُزَوَّجُ بِهَا الصَّغِيرَةُ بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا . وَأَمَّا الْبَالِغَةُ ، فَإِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا ، فَلَهُمْ تَزْوِيجُهَا بِإِذْنِهَا الصَّرِيحِ . وَإِنْ زُوِّجَتْ بِغَيْرِ رِضَاهَا ، لَمْ يَنْعَقِدْ . وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا ، فَلَهُمْ تَزْوِيجُهَا إِذَا اسْتَأْذَنُوهَا . وَهَلْ يَكْفِي سُكُوتُهَا ، أَمْ يُشْتَرَطُ صَرِيحُ نُطْقِهَا ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : الْأَوَّلُ . وَحُكِيَ وَجْهٌ : أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِلِاسْتِئْذَانِ أَصْلًا ، بَلْ إِذَا عَقَدَ بَيْنَ يَدَيْهَا وَلَمْ تُنْكِرْ ، كَانَ رِضًى . وَالصَّحِيحُ الِاشْتِرَاطُ . وَإِذَا اكْتَفَيْنَا بِالسُّكُوتِ ، حَصَلَ الرِّضَى ، ضَحِكَتْ ، أَمْ بَكَتْ ، إِلَّا إِذَا بَكَتْ مَعَ الصِّيَاحِ وَضَرْبِ الْخَدِّ ، فَلَا يَكُونُ رِضًى . 56 وَإِذَا أَرَادَ الْأَبُ تَزْوِيجَ الْبِكْرِ بِغَيْرِ كُفْءٍ ، فَاسْتَأْذَنَهَا ، فَهَلْ يَكْفِي السُّكُوتُ ؟ فِيهِ الْوَجْهَانِ .
قُلْتُ : وَنَقَلَ الرَّافِعِيُّ فِي آخِرِ " كِتَابِ النِّكَاحِ " عَنْ فَتَاوَى الْقَاضِي حُسَيْنٍ الْجَزْمَ بِصِحَّةِ النِّكَاحِ إِذَا اسْتَأْذَنَهَا وَلِيٌّ فِي تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ كُفْءٍ فَسَكَتَتْ . قَالَ صَاحِبُ " الْبَيَانِ " : قَالَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ : إِذَا اسْتَأْذَنَ الْوَلِيُّ الْبِكْرَ فِي أَنْ يُزَوِّجَهَا بِغَيْرِ نَقْدِ الْبَلَدِ ، أَوْ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ ، لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهَا إِذْنًا فِي ذَلِكَ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
فَرْعٌ
قَالَ : أُزَوِّجُكِ بِشَخْصٍ ؟ فَسَكَتَتْ ، قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : الْأَلْيَقُ بِمَذْهَبِنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ رِضًى ، لِأَنَّ الرِّضَا بِالْمَجْهُولِ لَا يُتَصَوَّرُ . وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : هَذَا يُخَرَّجُ عَلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ تَعْيِينُ الزَّوْجِ فِي الْإِذْنِ . وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ ، فَلَا يَضُرُّ الْجَهْلُ إِذَا اكْتَفَيْنَا بِالسُّكُوتِ .
قُلْتُ : هَذَا الَّذِي أَوْرَدَهُ الرَّافِعِيُّ ، هُوَ الصَّوَابُ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
فَرْعٌ
قَالَ : أَيَجُوزُ أَنْ أُزَوِّجَكِ ؟ فَقَالَتْ : لِمَ لَا يَجُوزُ ؟ أَوْ قَالَ : أَتَأْذَنِينَ ؟ فَقَالَتْ : لِمَ لَا آذَنُ ؟ حَكَى بَعْضُهُمْ : أَنَّهُ لَيْسَ بِإِذْنٍ ، وَلَكَ أَنْ تَقُولَ : هَذَا مُشْعِرٌ بِرِضَاهَا ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ سُكُوتِهَا .
قُلْتُ : الْمُخْتَارُ أَنَّهُ إِذْنٌ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
57 فَرْعٌ
قَالَتْ : وَكَّلْتُكَ بِتَزْوِيجِي ، فَالَّذِي لَقِينَاهُمْ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَا يَعُدُّونَهُ إِذْنًا ، لِأَنَّ تَوْكِيلَ الْمَرْأَةِ فِي النِّكَاحِ بَاطِلٌ ، لَكِنَّ الْمَسْأَلَةَ غَيْرُ مَسْطُورَةٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ إِذْنًا ، كَمَا إِذَا فَسَدَتِ الْوَكَالَةُ ، نَفَذَ التَّصَرُّفُ بِالْإِذْنِ .
قُلْتُ : هَذَا عَجَبٌ مِنَ الْإِمَامِ الرَّافِعِيِّ ، وَالْمَسْأَلَةُ مَنْصُوصَةٌ لِلشَّافِعِيِّ . قَالَ صَاحِبُ " الْبَيَانِ " : يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَأْذَنَ لِوَلِيِّهَا غَيْرِ الْمُجْبِرِ بِلَفْظِ ( الْإِذْنِ ) ، وَيَجُوزُ بِلَفْظِ الْوَكَالَةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - ، لِأَنَّ الْمَعْنَى فِيهِمَا وَاحِدٌ ، فَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ نَقْلًا وَدَلِيلًا . وَلَوْ أَذِنَتْ لَهُ ، ثُمَّ رَجَعَتْ ، لَمْ يَصِحَّ تَزْوِيجُهَا ، كَالْمُوَكِّلِ إِذَا عَزَلَ الْوَكِيلَ ، فَإِنْ زَوَّجَهَا الْوَلِيُّ بَعْدَ الْعَزْلِ قَبْلَ الْعِلْمِ ، فَفِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى بَيْعِ الْوَكِيلِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
فَرْعٌ
فِي " فَتَاوَى " الْبَغَوِيِّ : أَنَّ الَّتِي يُعْتَبَرُ إِذْنُهَا فِي تَزْوِيجِهَا إِذَا قَالَتْ لِوَلِيِّهَا وَهِيَ فِي نِكَاحٍ أَوْ عِدَّةٍ : أَذِنْتُ لَكَ فِي تَزْوِيجِي إِذَا فَارَقَنِي زَوْجِي أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتِي ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَصِحَّ الْإِذْنُ ، كَمَا لَوْ قَالَ الْوَلِيُّ لِلْوَكِيلِ : زَوِّجْ بِنْتِي إِذَا فَارَقَهَا زَوْجُهَا أَوِ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا . وَفِي هَذَا التَّوْكِيلِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ : أَنَّهُ لَا يَصِحُّ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْوَكَالَةِ . وَفِيهَا أَنَّهُ لَوْ قِيلَ لِلْبِكْرِ : رَضِيتِ بِمَا تَفْعَلُهُ أُمُّكِ ؟ وَهِيَ تَعْرِفُ أَنَّهُمْ يَعْنُونَ النِّكَاحَ ، فَقَالَتْ : رَضِيتُ ، لَمْ يَكُنْ إِذْنًا ، لِأَنَّ الْأُمَّ لَا تَعْقِدُ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَتْ : رَضِيتُ بِمَا يَفْعَلُ الْوَلِيُّ . وَلَوْ قَالَتْ : رَضِيتُ بِالتَّزْوِيجِ بِمَنْ تَخْتَارُهُ أُمِّي ، جَازَ . وَلَوْ قَالَتْ : 58 رَضِيتُ إِنْ رَضِيَتْ أُمِّي ، لَا يَجُوزُ . وَلَوْ قَالَتْ : رَضِيتُ إِنْ رَضِيَ وَلِيِّي . فَإِنْ أَرَادَتِ التَّعْلِيقَ ، لَمْ يَجُزْ . وَإِنْ أَرَادَتْ : إِنِّي رَضِيتُ بِمَا يَفْعَلُهُ الْوَلِيُّ ، كَانَ إِذْنًا . وَفِيهَا : لَوْ أَذِنَتْ فِي التَّزْوِيجِ بِأَلْفٍ ، ثُمَّ قِيلَ لَهَا عِنْدَ الْعَقْدِ : بِخَمْسِمِائَةٍ ، فَسَكَتَتْ وَهِيَ بِكْرٌ ، كَانَ سُكُوتُهَا إِذْنًا فِي تَزْوِيجِهَا بِخَمْسِمِائَةٍ . وَلَوْ قِيلَ ذَلِكَ لِأُمِّهَا وَهِيَ حَاضِرَةٌ ، فَسَكَتَتْ ، لَمْ يَكُنْ إِذْنًا .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث