روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء العاشر
47 الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي أَحْكَامِ الْإِمَامِ وَفِيهِ مَسَائِلُ :
إِحْدَاهَا : تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَادِلًا أَوْ جَائِرًا .
الثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَبَاعَدَ إِقْلِيمَاهُمَا ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ : يَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي إِقْلِيمَيْنِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ ، فَإِنْ عُقِدَتِ الْبَيْعَةُ لِرَجُلَيْنِ مَعًا ، فَالْبَيْعَتَانِ بَاطِلَتَانِ ، وَإِنْ تَرَتَّبَتَا فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ ، ثُمَّ إِنْ جَهِلَ الثَّانِي وَمُبَايِعُوهُ بَيْعَةَ الْأَوَّلِ ، لَمْ يُعَزَّرُوا ، وَإِلَّا فَيُعَزَّرُونَ ، وَلَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ ، أَوْ شَكَكْنَا فِي مَعِيَّتِهِمَا وَتَعَاقُبِهِمَا ، فَلْيَكُنْ كَمَا سَبَقَ فِي الْجُمُعَتَيْنِ ، وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا وَتَعَيَّنَ ، وَاشْتَبَهَ ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ ، فَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يَكُنْ الِانْتِظَارُ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ تَبْطُلُ الْبَيْعَتَانِ ، وَتُسْتَأْنَفُ بَيْعَةٌ لِأَحَدِهِمَا ، وَفِي جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى غَيْرِهِمَا خِلَافٌ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ الْمَنْعُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ الْأَسْبَقُ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يَحْلِفِ الْآخَرُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ قَطَعَا التَّنَازُعَ ، وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا الْأَمْرَ لِلْآخَرِ ، لَمْ تَثْبُتِ الْإِمَامَةُ لَهُ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِسَبْقِهِ ، قَالَ : وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِسَبْقِ صَاحِبِهُ ، خَرَجَ مِنْهَا الْمُقِرُّ ، وَلَا تَثْبُتُ لِلْآخَرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ الْمُقِرُّ مَعَ آخَرَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِنْ كَانَ يَدَّعِي اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي التَّقْدِيمَ ، لَمْ تُسْمَعْ لِلتَّكَاذُبِ فِي قَوْلَيْهِ .
48 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا ثَبَتَتِ الْإِمَامَةُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، فَجَاءَ آخَرُ ، فَقَهَرَهُ ، انْعَزَلَ الْأَوَّلُ ، وَصَارَ الْقَاهِرُ الثَّانِي إِمَامًا .
الرَّابِعَةُ : لَا يَجُوزُ خَلْعُ الْإِمَامِ بِلَا سَبَبٍ ، فَلَوْ خَلَعُوهُ ، لَمْ يَنْخَلِعْ ، وَلَوْ خَلَعَ الْإِمَامُ نَفْسَهُ ، نُظِرَ ، إِنْ خَلَعَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا ، انْعَزَلَ ، ثُمَّ إِنْ وَلَّى غَيْرَهُ قَبْلَ عَزْلِ نَفْسِهِ ، انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ ، وَإِلَّا فَيُبَايِعُ النَّاسُ غَيْرَهُ ، وَإِنْ عَزَلَ نَفْسَهُ بِلَا عُذْرٍ ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا : لَا يَنْعَزِلُ ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ " الْبَيَانِ " وَغَيْرُهُ ، وَالثَّانِي : يَنْعَزِلُ ; لِأَنَّ إِلْزَامَهُ الِاسْتِمْرَارَ قَدْ يَضُرُّ بِهِ فِي آخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَالثَّالِثُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ : إِنْ لَمْ يَظْهَرْ عُذْرٌ ، فَعَزَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُوَلِّ غَيْرَهُ ، أَوْ وَلَّى مَنْ هُوَ دُونَهُ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ، وَإِنْ وَلَّى مِثْلَهُ ، أَوْ أَفْضَلَ ، فَفِي الِانْعِزَالِ وَجْهَانِ ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ عَزْلُ وَلِيِّ الْعَهْدِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : نَعَمْ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ : لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا لَهُ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ .
قُلْتُ : قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ أَصَحُّ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَلَوْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ ، وَعَهِدَ إِلَى ثَانٍ ، ثُمَّ عَزَلَ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ أَوَّلًا نَفْسَهُ ، فَعَهْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْنَافِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْخَامِسَةُ : سَبَقَ فِي بَابِ الْأَوْصِيَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ ، وَيَنْعَزِلُ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُنْسِيهِ الْعُلُومَ ، وَبِالْجُنُونِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيَفِيقُ ، وَزَمَنُ الْإِفَاقَةِ أَكْثَرُ ، وَيُمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ، وَيَنْعَزِلُ بِالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِثِقَلِ السَّمْعِ ، وَتَمْتَمَةِ اللِّسَانِ ، وَفِي مَنْعِهِمَا ابْتِدَاءَ الْوِلَايَةِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَطْعَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ ، لَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّوَامِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
49 قُلْتُ : وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ مَسَائِلُ ، إِحْدَاهَا : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَوْ أُسِرَ الْإِمَامُ ، لَزِمَ الْأُمَّةَ اسْتِنْقَاذُهُ ، وَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ مَا دَامَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ بِقِتَالٍ أَوْ فِدَاءٍ ، فَإِنْ أُيِسَ مِنْهُ ، نُظِرَ ، إِنْ أَسَرَهُ كُفَّارٌ ، خَرَجَ مِنَ الْإِمَامَةِ ، وَعَقَدُوهَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ عُهِدَ بِالْإِمَامَةِ وَهُوَ أَسِيرٌ ، نُظِرَ إِنْ كَانَ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِهِ ، لَمْ يَصِحَّ عَهْدُهُ ; لِأَنَّهُ عَهْدٌ بَعْدَ انْعِزَالِهِ ، وَإِنْ عُهِدَ قَبْلَ الْيَأْسِ ، صَحَّ عَهْدُهُ لِبَقَاءِ وِلَايَتِهِ ، وَتَسْتَقِرُّ إِمَامَةُ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ بِالْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِ الْعَاهِدِ لِانْعِزَالِهِ ، وَلَوْ خَلَصَ مِنْ أَسْرِهِ ، نُظِرَ إِنْ خَلَصَ بَعْدَ الْيَأْسِ ، لَمْ تُعَدْ إِمَامَتُهُ ، بَلْ تَسْتَقِرُّ لِوَلِيِّ عَهْدِهِ ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الْيَأْسِ ، فَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ ، وَأَمَّا إِذَا أَسَرَهُ بُغَاةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ ، فَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ وَكَانَتِ الْبُغَاةُ لَا إِمَامَ لَهُمْ ، فَالْأَسِيرُ عَلَى إِمَامَتِهِ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ هُوَ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ ، فَإِنْ قَدَرَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاسْتِنَابَةِ ، فَإِنْ خَلَعَ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ ، أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَصِرِ الْمُسْتَنَابُ إِمَامًا ، وَإِنْ كَانَ لِلْبُغَاةِ الَّذِينَ أَسَرُوهُ إِمَامٌ نَصَّبُوهُ ، خَرَجَ الْأَسِيرُ مِنَ الْإِمَامَةِ إِنْ أُيِسَ مِنْ خَلَاصِهِ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا ، فَإِنْ خَلَصَ الْأَسِيرُ ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : تَجِبُ نَصِيحَةُ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ .
الثَّالِثَةُ : يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْإِمَامِ : الْخَلِيفَةُ وَالْإِمَامُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَيُقَالُ أَيْضًا : خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : وَيُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
إِحْدَاهَا : تَجِبُ طَاعَةُ الْإِمَامِ فِي أَمْرِهِ وَنَهْيِهِ مَا لَمْ يُخَالِفْ حُكْمَ الشَّرْعِ ، سَوَاءٌ كَانَ عَادِلًا أَوْ جَائِرًا .
الثَّانِيَةُ : لَا يَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَإِنْ تَبَاعَدَ إِقْلِيمَاهُمَا ، وَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ : يَجُوزُ نَصْبُ إِمَامَيْنِ فِي إِقْلِيمَيْنِ ; لِأَنَّهُ قَدْ يُحْتَاجُ إِلَيْهِ ، وَهَذَا اخْتِيَارُ الْإِمَامِ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ هُوَ الْأَوَّلُ ، فَإِنْ عُقِدَتِ الْبَيْعَةُ لِرَجُلَيْنِ مَعًا ، فَالْبَيْعَتَانِ بَاطِلَتَانِ ، وَإِنْ تَرَتَّبَتَا فَالثَّانِيَةُ بَاطِلَةٌ ، ثُمَّ إِنْ جَهِلَ الثَّانِي وَمُبَايِعُوهُ بَيْعَةَ الْأَوَّلِ ، لَمْ يُعَزَّرُوا ، وَإِلَّا فَيُعَزَّرُونَ ، وَلَوْ عُرِفَ سَبْقُ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يَتَعَيَّنْ ، أَوْ شَكَكْنَا فِي مَعِيَّتِهِمَا وَتَعَاقُبِهِمَا ، فَلْيَكُنْ كَمَا سَبَقَ فِي الْجُمُعَتَيْنِ ، وَلَوْ سَبَقَ أَحَدُهُمَا وَتَعَيَّنَ ، وَاشْتَبَهَ ، وَقَفَ الْأَمْرُ حَتَّى يَظْهَرَ ، فَإِنْ طَالَتِ الْمُدَّةُ ، وَلَمْ يَكُنْ الِانْتِظَارُ ، فَقَدْ ذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّهُ تَبْطُلُ الْبَيْعَتَانِ ، وَتُسْتَأْنَفُ بَيْعَةٌ لِأَحَدِهِمَا ، وَفِي جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى غَيْرِهِمَا خِلَافٌ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ الْمَنْعُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَلَوِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ أَنَّهُ الْأَسْبَقُ ، لَمْ تُسْمَعْ دَعْوَاهُ ، وَلَمْ يَحْلِفِ الْآخَرُ ; لِأَنَّ الْحَقَّ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَلَوْ قَطَعَا التَّنَازُعَ ، وَسَلَّمَ أَحَدُهُمَا الْأَمْرَ لِلْآخَرِ ، لَمْ تَثْبُتِ الْإِمَامَةُ لَهُ ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ بَيِّنَةٍ بِسَبْقِهِ ، قَالَ : وَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بِسَبْقِ صَاحِبِهُ ، خَرَجَ مِنْهَا الْمُقِرُّ ، وَلَا تَثْبُتُ لِلْآخَرِ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُ الْمُقِرُّ مَعَ آخَرَ ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ إِنْ كَانَ يَدَّعِي اشْتِبَاهَ الْأَمْرِ قَبْلَ الْإِقْرَارِ ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي التَّقْدِيمَ ، لَمْ تُسْمَعْ لِلتَّكَاذُبِ فِي قَوْلَيْهِ .
48 الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إِذَا ثَبَتَتِ الْإِمَامَةُ بِالْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ ، فَجَاءَ آخَرُ ، فَقَهَرَهُ ، انْعَزَلَ الْأَوَّلُ ، وَصَارَ الْقَاهِرُ الثَّانِي إِمَامًا .
الرَّابِعَةُ : لَا يَجُوزُ خَلْعُ الْإِمَامِ بِلَا سَبَبٍ ، فَلَوْ خَلَعُوهُ ، لَمْ يَنْخَلِعْ ، وَلَوْ خَلَعَ الْإِمَامُ نَفْسَهُ ، نُظِرَ ، إِنْ خَلَعَ لِعَجْزِهِ عَنِ الْقِيَامِ بِأُمُورِ الْمُسْلِمِينَ لِهَرَمٍ أَوْ مَرَضٍ وَنَحْوِهِمَا ، انْعَزَلَ ، ثُمَّ إِنْ وَلَّى غَيْرَهُ قَبْلَ عَزْلِ نَفْسِهِ ، انْعَقَدَتْ وِلَايَتُهُ ، وَإِلَّا فَيُبَايِعُ النَّاسُ غَيْرَهُ ، وَإِنْ عَزَلَ نَفْسَهُ بِلَا عُذْرٍ ، فَفِيهِ أَوْجُهٌ : أَصَحُّهَا : لَا يَنْعَزِلُ ، وَبِهِ قَطَعَ صَاحِبُ " الْبَيَانِ " وَغَيْرُهُ ، وَالثَّانِي : يَنْعَزِلُ ; لِأَنَّ إِلْزَامَهُ الِاسْتِمْرَارَ قَدْ يَضُرُّ بِهِ فِي آخِرَتِهِ وَدُنْيَاهُ ، وَالثَّالِثُ وَبِهِ قَطَعَ الْبَغَوِيُّ : إِنْ لَمْ يَظْهَرْ عُذْرٌ ، فَعَزَلَ نَفْسَهُ وَلَمْ يُوَلِّ غَيْرَهُ ، أَوْ وَلَّى مَنْ هُوَ دُونَهُ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ، وَإِنْ وَلَّى مِثْلَهُ ، أَوْ أَفْضَلَ ، فَفِي الِانْعِزَالِ وَجْهَانِ ، وَهَلْ لِلْإِمَامِ عَزْلُ وَلِيِّ الْعَهْدِ ؟ قَالَ الْمُتَوَلِّي : نَعَمْ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ : لَا ; لِأَنَّهُ لَيْسَ نَائِبًا لَهُ بَلْ لِلْمُسْلِمِينَ .
قُلْتُ : قَوْلُ الْمَاوَرْدِيُّ أَصَحُّ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَلَوْ عَزَلَهُ الْإِمَامُ ، وَعَهِدَ إِلَى ثَانٍ ، ثُمَّ عَزَلَ الْمَعْهُودَ إِلَيْهِ أَوَّلًا نَفْسَهُ ، فَعَهْدُ الثَّانِي بَاطِلٌ ، وَلَا بُدَّ مِنِ اسْتِئْنَافِهِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
الْخَامِسَةُ : سَبَقَ فِي بَابِ الْأَوْصِيَاءِ أَنَّ الْإِمَامَ لَا يَنْعَزِلُ بِالْفِسْقِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِالْإِغْمَاءِ ; لِأَنَّهُ مُتَوَقَّعُ الزَّوَالِ ، وَيَنْعَزِلُ بِالْمَرَضِ الَّذِي يُنْسِيهِ الْعُلُومَ ، وَبِالْجُنُونِ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : فَلَوْ كَانَ يُجَنُّ وَيَفِيقُ ، وَزَمَنُ الْإِفَاقَةِ أَكْثَرُ ، وَيُمَكَّنُ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ بِالْأُمُورِ ، لَمْ يَنْعَزِلْ ، وَيَنْعَزِلُ بِالْعَمَى وَالصَّمَمِ وَالْخَرَسِ ، وَلَا يَنْعَزِلُ بِثِقَلِ السَّمْعِ ، وَتَمْتَمَةِ اللِّسَانِ ، وَفِي مَنْعِهِمَا ابْتِدَاءَ الْوِلَايَةِ خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ قَطْعَ إِحْدَى الْيَدَيْنِ أَوِ الرِّجْلَيْنِ ، لَا يُؤَثِّرُ فِي الدَّوَامِ وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ .
49 قُلْتُ : وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ مَسَائِلُ ، إِحْدَاهَا : قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : لَوْ أُسِرَ الْإِمَامُ ، لَزِمَ الْأُمَّةَ اسْتِنْقَاذُهُ ، وَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ مَا دَامَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ بِقِتَالٍ أَوْ فِدَاءٍ ، فَإِنْ أُيِسَ مِنْهُ ، نُظِرَ ، إِنْ أَسَرَهُ كُفَّارٌ ، خَرَجَ مِنَ الْإِمَامَةِ ، وَعَقَدُوهَا لِغَيْرِهِ ، فَإِنْ عُهِدَ بِالْإِمَامَةِ وَهُوَ أَسِيرٌ ، نُظِرَ إِنْ كَانَ بَعْدَ الْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِهِ ، لَمْ يَصِحَّ عَهْدُهُ ; لِأَنَّهُ عَهْدٌ بَعْدَ انْعِزَالِهِ ، وَإِنْ عُهِدَ قَبْلَ الْيَأْسِ ، صَحَّ عَهْدُهُ لِبَقَاءِ وِلَايَتِهِ ، وَتَسْتَقِرُّ إِمَامَةُ الْمَعْهُودِ إِلَيْهِ بِالْيَأْسِ مِنْ خَلَاصِ الْعَاهِدِ لِانْعِزَالِهِ ، وَلَوْ خَلَصَ مِنْ أَسْرِهِ ، نُظِرَ إِنْ خَلَصَ بَعْدَ الْيَأْسِ ، لَمْ تُعَدْ إِمَامَتُهُ ، بَلْ تَسْتَقِرُّ لِوَلِيِّ عَهْدِهِ ، وَإِنْ خَلَصَ قَبْلَ الْيَأْسِ ، فَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ ، وَأَمَّا إِذَا أَسَرَهُ بُغَاةٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ كَانَ مَرْجُوَّ الْخَلَاصِ ، فَهُوَ عَلَى إِمَامَتِهِ ، وَإِنْ لَمْ يُرْجَ وَكَانَتِ الْبُغَاةُ لَا إِمَامَ لَهُمْ ، فَالْأَسِيرُ عَلَى إِمَامَتِهِ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ أَنْ يَسْتَنِيبُوا عَنْهُ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ هُوَ عَلَى الِاسْتِنَابَةِ ، فَإِنْ قَدَرَ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِالِاسْتِنَابَةِ ، فَإِنْ خَلَعَ الْأَسِيرُ نَفْسَهُ ، أَوْ مَاتَ ، لَمْ يَصِرِ الْمُسْتَنَابُ إِمَامًا ، وَإِنْ كَانَ لِلْبُغَاةِ الَّذِينَ أَسَرُوهُ إِمَامٌ نَصَّبُوهُ ، خَرَجَ الْأَسِيرُ مِنَ الْإِمَامَةِ إِنْ أُيِسَ مِنْ خَلَاصِهِ ، وَعَلَى أَهْلِ الِاخْتِيَارِ فِي دَارِ الْعَدْلِ عَقْدُ الْإِمَامَةِ لِمَنْ يَصْلُحُ لَهَا ، فَإِنْ خَلَصَ الْأَسِيرُ ، لَمْ يَعُدْ إِلَى الْإِمَامَةِ لِخُرُوجِهِ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : تَجِبُ نَصِيحَةُ الْإِمَامِ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ .
الثَّالِثَةُ : يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلْإِمَامِ : الْخَلِيفَةُ وَالْإِمَامُ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَيُقَالُ أَيْضًا : خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ : وَيُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ ذَلِكَ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي أَوَاخِرِ كِتَابِ الْأَذْكَارِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث