روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء العاشر
قُلْتُ : وَمِنَ الْأَحْوَالِ الَّتِي لَا يُسَلَّمُ فِيهَا حَالَةُ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْخُطْبَةِ عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ سَبَقَ فِيهَا ، وَأَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ ، فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْوَاحِدِيُّ الْمُفَسِّرُ مِنْ أَصْحَابِنَا : الْأَوْلَى تَرْكُ السَّلَامِ عَلَيْهِ ، قَالَ : فَإِنْ سَلَّمَ ، كَفَاهُ الرَّدُّ بِالْإِشَارَةِ ، وَإِنْ رَدَّ بِاللَّفْظِ ، اسْتَأْنَفَ الِاسْتِعَاذَةِ ، ثُمَّ يَقْرَأُ ، وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ وَيَجِبُ الرَّدُّ بِاللَّفْظِ ، وَأَمَّا الْمُلَبِّي فِي الْإِحْرَامِ فَيُكْرَهُ السَّلَامُ عَلَيْهِ ، فَإِنْ سَلَّمَ ، رَدَّ عَلَيْهِ لَفْظًا ، نُصَّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَجِّ ، وَلَوْ سَلَّمَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَسْتَحِقُّ فِيهَا جَوَابًا ، هَلْ يَشْرَعُ الرَّدُّ ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ ، أَمَّا الْمُشْتَغِلُ بِالْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ وَنَحْوِهِمَا ، فَيُكْرَهُ لَهُ الرَّدُّ كَمَا سَبَقَ فِي بَابِ الِاسْتِطَابَةِ ، وَأَمَّا الْأَكْلُ وَمَنْ فِي الْحَمَّامِ ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الرَّدُّ ، وَأَمَّا الْمُصَلِّي ، فَيُسَنُّ لَهُ الرَّدُّ إِشَارَةً كَمَا سَبَقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
233 الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ : التَّحِيَّةُ بِالطَّلْبَقَةِ وَهِيَ : أَطَالَ اللَّهُ بَقَاكَ ، وَحَنْيُ الظَّهْرِ ، وَتَقْبِيلُ الْيَدِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسَلِّمِ بِهَا ، وَلَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْيَدِ لِزُهْدٍ وَعِلْمٍ وَكِبَرِ سِنٍّ ، وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ ، وَيُكْرَهُ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَطْمَعَ فِي قِيَامِ الْقَوْمِ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُكْرِمُوهُ ، وَيُسَنُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ إِذَا قَالَ الْعَاطِسُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالتَّشْمِيتُ أَنْ يَقُولَ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، أَوْ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ ، وَيُكَرِّرُ التَّشْمِيتَ إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ ، فَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ ، وَيُسَنُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يُجِيبَ الْمُشَمِّتَ ، فَيَقُولُ : يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ، أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ ، وَتُسَنُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةُ الْقَادِمِ وَمُعَانَقَتُهُ .
قُلْتُ : قَدِ اخْتَصَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي السَّلَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ فِي كِتَابِ " الْأَذْكَارِ " جُمَلًا نَفِيسَةً مُوَضَّحَةً بِدَلَائِلِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَعَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ، وَضَمَمْتُ إِلَيْهَا مُهِمَّاتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَا لَا يَسْتَغْنِي رَاغِبٌ فِي الْخَيْرِ عَنْ مَعْرِفَةِ مِثْلِهَا ، وَقَدْ خَلَّلْتُ بَعْضَهَا فِيمَا سَبَقَ ، وَأَنَا أَرْمُزُ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْبَاقِي إِنْ - شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْ ذَلِكَ ، السُّنَّةُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلَامِ رَفْعًا يَسْمَعُهُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ سَمَاعًا مُحَقَّقًا ، وَلَا يَزِيدُ رَفْعُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِذَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِمْ ، زَادَ فِي الرَّفْعِ وَاسْتَظْهَرَ ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ عِنْدَهُمْ نِيَامٌ ، خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْأَيْقَاظَ وَلَا يُوقِظُ النِّيَامَ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ بِالْيَدِ وَنَحْوِهَا بِلَا لَفْظٍ خِلَافُ الْأُولَى ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَاللَّفْظِ ، فَحَسَنٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْسِلَ سَلَامَهُ إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ ، وَيُلْزِمُ 234 الرَّسُولَ أَنْ يَبَلِّغَهُ ، فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ وَيَجِبُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْفَوْرِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبْلِغِ أَيْضًا ، فَيَقُولُ : وَعَلَيْهِ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهُ ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ ، ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَعَمَلُ الْأُمَّةِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ فَضَعِيفٌ ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَلَاقِينَ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ : " أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ تَعَالَى مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ " وَلَوْ مَشَى فِي سُوقٍ ، أَوْ شَارِعٍ يَطْرُقُ كَثِيرًا ، وَنَحْوُهُ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْمُتَلَاقَوْنَ ، قَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " : إِنَّمَا يُسَلِّمُ هُنَا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْجَمِيعِ ، تَعَطَّلَ عَنْ كُلِّ مُهِمٍّ ، وَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْعُرْفِ ، قَالَ : وَلَوْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ يَعُمُّهُمْ سَلَامٌ ، اقْتَصَرَ عَلَى سَلَامٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِمْ ، وَمَا زَادَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ ، فَهُوَ أَدَبٌ ، وَيَكْفِي أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ ، فَإِنْ زَادُوا ، فَأَفْضَلُ ، فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا لَا يَنْتَشِرُ فِيهِمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ ، كَالْجَامِعِ وَالْمَجْلِسِ الْحَفْلِ ، فَسُنَّةُ السَّلَامِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ إِذَا شَاهَدَهُمْ ، وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا سُنَّةَ السَّلَامِ فِي حَقِّ مَنْ سَمِعَهُ ، وَيَدْخُلُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي الرَّدِّ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ ، فَإِنْ جَلَسَ فِيهِمْ ، سَقَطَ عَنْهُ سُنَّةُ السَّلَامِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ ، وَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ سُنَّةَ السَّلَامِ حَصَلَتْ بِالسَّلَامِ عَلَى أَوَّلِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ وَاحِدٌ ، فَإِنْ أَعَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ ، كَانَ أَدَبًا ، وَالثَّانِي : أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَحْصُلْ ، قَالَ : فَعَلَى الْأَوَّلِ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنِ الْأَوَّلِينَ بَرْدِ وَاحِدٍ مِنَ الْآخِرِينَ ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَسْقُطُ ، وَلَعَلَّ الثَّانِي أَصَحُّ ، وَلَا يَتْرُكُ السَّلَامَ لِكَوْنِهِ يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ .
قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَأَمَّا التَّحِيَّةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَمَّامِ بِقَوْلِ : طَابَ 235 حَمَّامُكَ وَنَحْوِهِ ، فَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا شَيْءٌ ، لَكِنْ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ حِفْظًا لِوِدِّهِ : أَدَامَ اللَّهُ لَكَ هَذَا النَّعِيمَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا ابْتَدَأَ الْمَارُّ فَقَالَ : صَبَّحَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، أَوْ بِالسَّعَادَةِ ، أَوْ قَوَّاكَ اللَّهُ ، أَوْ لَا أَوْحَشَ اللَّهُ مِنْكَ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْعُرْفِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا ، لَكِنْ لَوْ دَعَا لَهُ قُبَالَتَهُ كَانَ حَسَنًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَأْدِيبَهُ وَتَأْدِيبَ غَيْرِهِ لِتَخَلُّفِهِ وَإِهْمَالِهِ السَّلَامَ .
وَإِذَا قَصَدَ بَابَ إِنْسَانٍ وَهُوَ مُغْلَقٌ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ ، ثُمَّ يَسْتَأْذِنَ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ ؟ فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، أَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، انْصَرَفَ . وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " خِلَافًا فِي تَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ وَعَكْسِهِ ، وَاخْتَارَ مَذْهَبًا ثَالِثًا ، فَقَالَ : إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ ، قَدَّمَ السَّلَامَ ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ عَيْنُهُ ، قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ ، فَقَدْ صَحَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ بِدَقِّ الْبَابِ وَنَحْوِهِ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَلْيَقُلْ : فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ، أَوْ فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ ، أَوِ الْمَعْرُوفُ بِكَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ تَعْرِيفٌ تَامٌّ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ : أَنَا ، أَوِ الْخَادِمُ ، أَوِ الْمُحِبُّ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِهِ ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَإِنْ تَضَمَّنَ تَبْجِيلًا لَهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُخَاطَبُ إِلَّا بِهِ ، بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ ، أَوْ يَقُولَ : الْقَاضِي فُلَانٌ ، أَوِ الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوْ نَحْوُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ : أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ إِلَى آخِرِهِ ، فَيُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَتِمَاتٍ ، فَأَمَّا أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ ، فَقَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى كَرَاهَتِهِ ، وَأَمَّا حَنْيُ الظَّهْرِ فَمَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ، وَلَا يُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ وَصَلَاحٍ .
236 وَأَمَّا الْقِيَامُ ، فَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ وِلَادَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِصِيَانَةٍ ، وَيَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ جُزْءًا فِي ذَلِكَ ضَمَّنْتُهُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً وَآثَارًا وَأَفْعَالَ السَّلَفِ وَأَقْوَالَهُمُ الدَّالَّةَ لِمَا ذَكَرْتُهُ ، وَأَجَبْتُ عَمَّا خَالَفَهَا ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَهُمْ لَهُ ، فَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ ، وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ أَوْضَحْتُهَا مَعَ مَعْنَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي جُزْءِ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسَلِّمِ بِهَا ، فَلَا نُوَافِقُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ ، فَإِنْ كَانَ لِزُهْدِ صَاحِبِ الْيَدِ وَصَلَاحِهِ ، أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ وَصِيَانَتِهِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، فَمُسْتَحَبٌّ ، وَإِنْ كَانَ لِدُنْيَاهُ وَثَرْوَتِهِ وَشَوْكَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا يَجُوزُ ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ ، وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ خَدَّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَبِنْتِهِ الصَّغِيرَةِ وَسَائِرَ أَطْرَافِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ وَمَحَبَّةِ الْقَرَابَةِ ، فَسُنَّةٌ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَكَذَا قُبْلَةُ وَلَدِ صَدِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ لَا يَشْتَهُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْوَالِدُ وَغَيْرُهُ ، بَلِ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِالشَّهْوَةِ حَرَامٌ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ لِلتَّبَرُّكِ .
وَسُنَّ تَقْبِيلُ وَجْهِ صَاحِبِهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ ، وَمُعَانَقَتُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِمَا ، وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الْوَجْهِ لِغَيْرِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ ، فَمَكْرُوهَانِ ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ 237 فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا ، وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ ، فَسُنَّةٌ عِنْدَ التَّلَاقِي ، سَوَاءٌ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ، فَلَا أَصْلَ لِتَخْصِيصِهِ ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَافَحَةِ ، وَقَدْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى الْمُصَافَحَةِ ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَ الْمُصَافَحَةِ الْبَشَاشَةُ بِالْوَجْهِ وَالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِهَا .
وَيُسَنُّ زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَالْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَإِكْرَامُهُمْ وَبِرُّهُمْ وَصِلَتُهُمْ ، وَضَبْطُ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضُونَهُ وَفِي وَقْتٍ لَا يَكْرَهُونَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ أَخِيهِ الصَّالِحِ أَنْ يَزُورَهُ ، وَأَنْ يُكْثِرَ زِيَارَتَهُ إِذَا لَمْ يَشُقَّ ، وَأَمَّا الْعَاطِسُ ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ قَالَهُ وَأَسْمَعُ نَفْسَهُ ، وَلَوْ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَانَ أَفْضَلَ ، فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَيُسَنُّ بِمَنْ جَاءَهُ الْعُطَاسُ ، أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ وَنَحْوَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَيَخْفِضَ صَوْتَهُ ، وَتَشْمِيتُهُ إِلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ زَادَ ، دَعَا لَهُ بِالشِّفَاءِ ، وَلَا يُشَمِّتُهُ حَتَّى يَسْمَعَ تَحْمِيدَهُ ، وَأَقَلُّ التَّشْمِيتِ وَجَوَابُهُ أَنْ يَسْمَعَهُ ، وَلَوْ قَالَ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ ، لَمْ يُشَمَّتْ ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمَدَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَشَمِّتُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ " وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَإِشَاعَتُهُ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَسَاهَلُونَ فِيهِ ، وَإِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى ، يُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ الْحَمْدَ ، وَلَوْ سَمِعَ حَمْدَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ ، يُشَمِّتُهُ السَّامِعُونَ فَقَطْ ، وَلَوْ عَطَسَ يَهُودِيٌّ ، فَلْيَقُلْ : يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ، وَلَا يَقُلَّ : يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ ، فَفِيهِ 238 حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَلَوْ تَثَاءَبَ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ ، وَأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَسَوَاءً كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَيُسْتَحَبُّ إِجَابَةُ مَنْ نَادَاهُ ، بِلَبَّيْكَ ، وَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ : مَرْحَبًا ، وَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ، أَوْ حَفِظَكَ اللَّهُ وَنَحْوُهُمَا ، وَيُسَنُّ لِمَنْ أَحَبَّ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ ، وَهَذَا الْبَابُ وَاسِعٌ جِدًّا ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ مُقْنِعٌ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِي كِتَابِ " الْأَذْكَارِ " وَفِيهِ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ ، وَإِنَّمَا بَسَطْتُ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَسُنَنٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهَا ، وَيَكْثُرُ الْعَمَلُ بِهَا ، فَهِيَ أَوْلَى مِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَقَعُ فِي الْعَادَةِ ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ التَّوْفِيقَ لِلْخَيِّرَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
233 الرَّابِعَةَ عَشَرَةَ : التَّحِيَّةُ بِالطَّلْبَقَةِ وَهِيَ : أَطَالَ اللَّهُ بَقَاكَ ، وَحَنْيُ الظَّهْرِ ، وَتَقْبِيلُ الْيَدِ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ ، لَكِنْ لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسَلِّمِ بِهَا ، وَلَا يُكْرَهُ تَقْبِيلُ الْيَدِ لِزُهْدٍ وَعِلْمٍ وَكِبَرِ سِنٍّ ، وَتُسَنُّ الْمُصَافَحَةُ ، وَيُكْرَهُ لِلدَّاخِلِ أَنْ يَطْمَعَ فِي قِيَامِ الْقَوْمِ ، وَيُسْتَحَبُّ لَهُمْ أَنْ يُكْرِمُوهُ ، وَيُسَنُّ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ وَهُوَ سُنَّةٌ عَلَى الْكِفَايَةِ كَمَا سَبَقَ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ ، وَإِنَّمَا يُسَنُّ إِذَا قَالَ الْعَاطِسُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَالتَّشْمِيتُ أَنْ يَقُولَ : يَرْحَمُكَ اللَّهُ ، أَوْ يَرْحَمُكَ رَبُّكَ ، وَيُكَرِّرُ التَّشْمِيتَ إِذَا تَكَرَّرَ الْعُطَاسُ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ مَزْكُومٌ ، فَيَدْعُو لَهُ بِالشِّفَاءِ ، وَيُسَنُّ لِلْعَاطِسِ أَنْ يُجِيبَ الْمُشَمِّتَ ، فَيَقُولُ : يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ، أَوْ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ ، وَتُسَنُّ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ وَزِيَارَةُ الْقَادِمِ وَمُعَانَقَتُهُ .
قُلْتُ : قَدِ اخْتَصَرَ الْإِمَامُ الرَّافِعِيُّ الْكَلَامَ فِي السَّلَامِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ فِيهِ فِي كِتَابِ " الْأَذْكَارِ " جُمَلًا نَفِيسَةً مُوَضَّحَةً بِدَلَائِلِهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ مَعَ آيَاتٍ مِنَ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ، وَضَمَمْتُ إِلَيْهَا مُهِمَّاتٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِمَا لَا يَسْتَغْنِي رَاغِبٌ فِي الْخَيْرِ عَنْ مَعْرِفَةِ مِثْلِهَا ، وَقَدْ خَلَّلْتُ بَعْضَهَا فِيمَا سَبَقَ ، وَأَنَا أَرْمُزُ إِلَى جُمْلَةٍ مِنَ الْبَاقِي إِنْ - شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - فَمِنْ ذَلِكَ ، السُّنَّةُ أَنْ يَرْفَعَ صَوْتَهُ بِالسَّلَامِ رَفْعًا يَسْمَعُهُ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِمْ سَمَاعًا مُحَقَّقًا ، وَلَا يَزِيدُ رَفْعُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِذَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِمْ ، زَادَ فِي الرَّفْعِ وَاسْتَظْهَرَ ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَى أَيْقَاظٍ عِنْدَهُمْ نِيَامٌ ، خَفَضَ صَوْتَهُ بِحَيْثُ يُسْمِعُ الْأَيْقَاظَ وَلَا يُوقِظُ النِّيَامَ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، وَالْإِشَارَةُ بِالسَّلَامِ بِالْيَدِ وَنَحْوِهَا بِلَا لَفْظٍ خِلَافُ الْأُولَى ، فَإِنْ جَمَعَ بَيْنَ الْإِشَارَةِ وَاللَّفْظِ ، فَحَسَنٌ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ حَدِيثُ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَلَوَى بِيَدِهِ بِالتَّسْلِيمِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُرْسِلَ سَلَامَهُ إِلَى مَنْ غَابَ عَنْهُ ، وَيُلْزِمُ 234 الرَّسُولَ أَنْ يَبَلِّغَهُ ، فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ وَيَجِبُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ ، وَقَدْ سَبَقَ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْمُرْسَلَ إِلَيْهِ رَدُّ السَّلَامِ عَلَى الْفَوْرِ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبْلِغِ أَيْضًا ، فَيَقُولُ : وَعَلَيْهِ وَعَلَيْكَ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهُ وَبَرَكَاتُهُ ، وَلَوْ سَلَّمَ عَلَى إِنْسَانٍ ، ثُمَّ لَقِيَهُ عَلَى قُرْبٍ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ عَلَيْهِ ثَانِيًا وَثَالِثًا وَأَكْثَرَ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَبْدَأَ بِالسَّلَامِ قَبْلَ كُلِّ كَلَامٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ وَعَمَلُ الْأُمَّةِ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ مَشْهُورٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ السَّلَامِ قَبْلَ الْكَلَامِ فَضَعِيفٌ ، وَيُسْتَحَبُّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُتَلَاقِينَ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ لِلْحَدِيثِ الْحَسَنِ : " أَوْلَى النَّاسِ بِاللَّهِ تَعَالَى مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسَّلَامِ " وَلَوْ مَشَى فِي سُوقٍ ، أَوْ شَارِعٍ يَطْرُقُ كَثِيرًا ، وَنَحْوُهُ مِمَّا يَكْثُرُ فِيهِ الْمُتَلَاقَوْنَ ، قَالَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " : إِنَّمَا يُسَلِّمُ هُنَا عَلَى بَعْضِ النَّاسِ دُونَ بَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ سَلَّمَ عَلَى الْجَمِيعِ ، تَعَطَّلَ عَنْ كُلِّ مُهِمٍّ ، وَخَرَجَ بِهِ عَنِ الْعُرْفِ ، قَالَ : وَلَوْ دَخَلَ عَلَى جَمَاعَةٍ قَلِيلَةٍ يَعُمُّهُمْ سَلَامٌ ، اقْتَصَرَ عَلَى سَلَامٍ وَاحِدٍ عَلَيْهِمْ ، وَمَا زَادَ مِنْ تَخْصِيصِ بَعْضِهِمْ ، فَهُوَ أَدَبٌ ، وَيَكْفِي أَنْ يَرُدَّ أَحَدُهُمْ ، فَإِنْ زَادُوا ، فَأَفْضَلُ ، فَإِنْ كَانُوا جَمِيعًا لَا يَنْتَشِرُ فِيهِمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ ، كَالْجَامِعِ وَالْمَجْلِسِ الْحَفْلِ ، فَسُنَّةُ السَّلَامِ أَنْ يَبْدَأَ بِهِ إِذَا شَاهَدَهُمْ ، وَيَكُونُ مُؤَدِّيًا سُنَّةَ السَّلَامِ فِي حَقِّ مَنْ سَمِعَهُ ، وَيَدْخُلُ فِي فَرْضِ الْكِفَايَةِ فِي الرَّدِّ كُلُّ مَنْ سَمِعَهُ ، فَإِنْ جَلَسَ فِيهِمْ ، سَقَطَ عَنْهُ سُنَّةُ السَّلَامِ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ ، وَإِنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَسْمَعْهُ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ سُنَّةَ السَّلَامِ حَصَلَتْ بِالسَّلَامِ عَلَى أَوَّلِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ وَاحِدٌ ، فَإِنْ أَعَادَ السَّلَامَ عَلَيْهِمْ ، كَانَ أَدَبًا ، وَالثَّانِي : أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَمْ تَحْصُلْ ، قَالَ : فَعَلَى الْأَوَّلِ يَسْقُطُ فَرْضُ الرَّدِّ عَنِ الْأَوَّلِينَ بَرْدِ وَاحِدٍ مِنَ الْآخِرِينَ ، وَعَلَى الثَّانِي لَا يَسْقُطُ ، وَلَعَلَّ الثَّانِي أَصَحُّ ، وَلَا يَتْرُكُ السَّلَامَ لِكَوْنِهِ يَغْلُبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الْمُسَلَّمَ عَلَيْهِ لَا يَرُدُّ .
قَالَ الْمُتَوَلِّي : وَأَمَّا التَّحِيَّةُ عِنْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الْحَمَّامِ بِقَوْلِ : طَابَ 235 حَمَّامُكَ وَنَحْوِهِ ، فَلَا أَصْلَ لَهُ ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ، فَلَمْ يَصِحَّ فِي هَذَا شَيْءٌ ، لَكِنْ لَوْ قَالَ لِصَاحِبِهِ حِفْظًا لِوِدِّهِ : أَدَامَ اللَّهُ لَكَ هَذَا النَّعِيمَ ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الدُّعَاءِ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ - إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى - وَإِذَا ابْتَدَأَ الْمَارُّ فَقَالَ : صَبَّحَكَ اللَّهُ بِخَيْرٍ ، أَوْ بِالسَّعَادَةِ ، أَوْ قَوَّاكَ اللَّهُ ، أَوْ لَا أَوْحَشَ اللَّهُ مِنْكَ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْعُرْفِ ، لَمْ يَسْتَحِقَّ جَوَابًا ، لَكِنْ لَوْ دَعَا لَهُ قُبَالَتَهُ كَانَ حَسَنًا إِلَّا أَنْ يُرِيدَ تَأْدِيبَهُ وَتَأْدِيبَ غَيْرِهِ لِتَخَلُّفِهِ وَإِهْمَالِهِ السَّلَامَ .
وَإِذَا قَصَدَ بَابَ إِنْسَانٍ وَهُوَ مُغْلَقٌ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يُسَلِّمَ ، ثُمَّ يَسْتَأْذِنَ فَيَقُولُ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، أَأَدْخُلُ ؟ فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، أَعَادَ ذَلِكَ ثَانِيًا وَثَالِثًا ، فَإِنْ لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ ، انْصَرَفَ . وَذَكَرَ صَاحِبُ " الْحَاوِي " خِلَافًا فِي تَقْدِيمِ السَّلَامِ عَلَى الِاسْتِئْذَانِ وَعَكْسِهِ ، وَاخْتَارَ مَذْهَبًا ثَالِثًا ، فَقَالَ : إِنْ وَقَعَتْ عَيْنُ الْمُسْتَأْذِنِ عَلَى صَاحِبِ الْبَيْتِ قَبْلَ دُخُولِهِ ، قَدَّمَ السَّلَامَ ، وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَلَيْهِ عَيْنُهُ ، قَدَّمَ الِاسْتِئْذَانَ ، وَالصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ تَقْدِيمُ السَّلَامِ ، فَقَدْ صَحَتْ فِيهِ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ ، وَإِذَا اسْتَأْذَنَ بِدَقِّ الْبَابِ وَنَحْوِهِ ، فَقِيلَ : مَنْ أَنْتَ ؟ فَلْيَقُلْ : فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ ، أَوْ فُلَانٌ الْفُلَانِيُّ ، أَوِ الْمَعْرُوفُ بِكَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ بِحَيْثُ يَحْصُلُ تَعْرِيفٌ تَامٌّ ، وَيُكْرَهُ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى قَوْلِهِ : أَنَا ، أَوِ الْخَادِمُ ، أَوِ الْمُحِبُّ ، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُعْرَفُ بِهِ ، وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ ، وَلَا بَأْسَ أَنْ يَصِفَ نَفْسَهُ بِمَا يُعْرَفُ بِهِ وَإِنْ تَضَمَّنَ تَبْجِيلًا لَهُ إِذَا لَمْ يَعْرِفْهُ الْمُخَاطَبُ إِلَّا بِهِ ، بِأَنْ يُكَنِّيَ نَفْسَهُ ، أَوْ يَقُولَ : الْقَاضِي فُلَانٌ ، أَوِ الشَّيْخُ فُلَانٌ أَوْ نَحْوُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ الرَّافِعِيُّ : إِذَا قَالَ : أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ إِلَى آخِرِهِ ، فَيُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى تَتِمَاتٍ ، فَأَمَّا أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ ، فَقَدْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ عَلَى كَرَاهَتِهِ ، وَأَمَّا حَنْيُ الظَّهْرِ فَمَكْرُوهٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْهُ ، وَلَا يُغْتَرُّ بِكَثْرَةِ مَنْ يَفْعَلُهُ مِمَّنْ يُنْسَبُ إِلَى عِلْمٍ وَصَلَاحٍ .
236 وَأَمَّا الْقِيَامُ ، فَالَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِمَنْ فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ مِنْ عِلْمٍ أَوْ صَلَاحٍ أَوْ وِلَادَةٍ أَوْ وِلَايَةٍ مَصْحُوبَةٍ بِصِيَانَةٍ ، وَيَكُونُ عَلَى جِهَةِ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ لَا لِلرِّيَاءِ وَالْإِعْظَامِ ، وَعَلَى هَذَا اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْجُمْهُورِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ ، وَقَدْ جَمَعْتُ جُزْءًا فِي ذَلِكَ ضَمَّنْتُهُ أَحَادِيثَ صَحِيحَةً وَآثَارًا وَأَفْعَالَ السَّلَفِ وَأَقْوَالَهُمُ الدَّالَّةَ لِمَا ذَكَرْتُهُ ، وَأَجَبْتُ عَمَّا خَالَفَهَا ، وَأَمَّا الدَّاخِلُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُحِبَّ قِيَامَهُمْ لَهُ ، فَفِي الْحَدِيثِ الْحَسَنِ : " مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ النَّاسُ قِيَامًا ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ ، وَقَدْ رُوِيَ بِأَلْفَاظٍ أَوْضَحْتُهَا مَعَ مَعْنَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي جُزْءِ التَّرْخِيصِ فِي الْقِيَامِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَا يُمْنَعُ الذِّمِّيُّ مِنْ تَعْظِيمِ الْمُسَلِّمِ بِهَا ، فَلَا نُوَافِقُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا تَقْبِيلُ الْيَدِ ، فَإِنْ كَانَ لِزُهْدِ صَاحِبِ الْيَدِ وَصَلَاحِهِ ، أَوْ عِلْمِهِ أَوْ شَرَفِهِ وَصِيَانَتِهِ وَنَحْوِهِ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ ، فَمُسْتَحَبٌّ ، وَإِنْ كَانَ لِدُنْيَاهُ وَثَرْوَتِهِ وَشَوْكَتِهِ وَوَجَاهَتِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَمَكْرُوهٌ شَدِيدُ الْكَرَاهَةِ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي : لَا يَجُوزُ ، وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ ، وَأَمَّا تَقْبِيلُهُ خَدَّ وَلَدِهِ الصَّغِيرِ وَبِنْتِهِ الصَّغِيرَةِ وَسَائِرَ أَطْرَافِهِ عَلَى وَجْهِ الشَّفَقَةِ وَالرَّحْمَةِ وَاللُّطْفِ وَمَحَبَّةِ الْقَرَابَةِ ، فَسُنَّةٌ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهِ كَثِيرَةٌ مَشْهُورَةٌ ، وَكَذَا قُبْلَةُ وَلَدِ صَدِيقِهِ وَغَيْرِهِ مِنَ الْأَطْفَالِ الَّذِينَ لَا يَشْتَهُونَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَمَّا التَّقْبِيلُ بِشَهْوَةٍ فَحَرَامٌ بِالِاتِّفَاقِ ، وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْوَالِدُ وَغَيْرُهُ ، بَلِ النَّظَرُ إِلَيْهِ بِالشَّهْوَةِ حَرَامٌ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ وَالْقَرِيبِ بِالِاتِّفَاقِ ، وَلَا بَأْسَ بِتَقْبِيلِ وَجْهِ الْمَيِّتِ الصَّالِحِ لِلتَّبَرُّكِ .
وَسُنَّ تَقْبِيلُ وَجْهِ صَاحِبِهِ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ ، وَمُعَانَقَتُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِيهِمَا ، وَأَمَّا الْمُعَانَقَةُ وَتَقْبِيلُ الْوَجْهِ لِغَيْرِ الْقَادِمِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ ، فَمَكْرُوهَانِ ، صَرَّحَ بِهِ الْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ 237 فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا ، وَأَمَّا الْمُصَافَحَةُ ، فَسُنَّةٌ عِنْدَ التَّلَاقِي ، سَوَاءٌ فِيهِ الْحَاضِرُ وَالْقَادِمُ مِنْ سَفَرٍ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِيهَا كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَأَمَّا مَا اعْتَادَهُ النَّاسُ مِنَ الْمُصَافَحَةِ بَعْدَ صَلَاتَيِ الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ ، فَلَا أَصْلَ لِتَخْصِيصِهِ ، لَكِنْ لَا بَأْسَ بِهِ ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْمُصَافَحَةِ ، وَقَدْ حَثَّ الشَّرْعُ عَلَى الْمُصَافَحَةِ ، وَجَعَلَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنَ الْبِدَعِ الْمُبَاحَةِ ، وَيُسْتَحَبُّ مَعَ الْمُصَافَحَةِ الْبَشَاشَةُ بِالْوَجْهِ وَالدُّعَاءِ بِالْمَغْفِرَةِ وَغَيْرِهَا .
وَيُسَنُّ زِيَارَةُ الصَّالِحِينَ وَالْإِخْوَانِ وَالْجِيرَانِ وَالْأَصْدِقَاءِ وَالْأَقَارِبِ وَإِكْرَامُهُمْ وَبِرُّهُمْ وَصِلَتُهُمْ ، وَضَبْطُ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِهِمْ وَمَرَاتِبِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ ، وَيَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ زِيَارَتُهُ عَلَى وَجْهٍ يَرْتَضُونَهُ وَفِي وَقْتٍ لَا يَكْرَهُونَهُ ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَطْلُبَ مِنْ أَخِيهِ الصَّالِحِ أَنْ يَزُورَهُ ، وَأَنْ يُكْثِرَ زِيَارَتَهُ إِذَا لَمْ يَشُقَّ ، وَأَمَّا الْعَاطِسُ ، فَيُسَنُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي صَلَاةٍ قَالَهُ وَأَسْمَعُ نَفْسَهُ ، وَلَوْ قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، كَانَ أَفْضَلَ ، فَفِيهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَيُسَنُّ بِمَنْ جَاءَهُ الْعُطَاسُ ، أَنْ يَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ وَنَحْوَهُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَيَخْفِضَ صَوْتَهُ ، وَتَشْمِيتُهُ إِلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ ، فَإِنْ زَادَ ، دَعَا لَهُ بِالشِّفَاءِ ، وَلَا يُشَمِّتُهُ حَتَّى يَسْمَعَ تَحْمِيدَهُ ، وَأَقَلُّ التَّشْمِيتِ وَجَوَابُهُ أَنْ يَسْمَعَهُ ، وَلَوْ قَالَ لَفْظًا آخَرَ غَيْرَ الْحَمْدِ لِلَّهِ ، لَمْ يُشَمَّتْ ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمَدَ اللَّهَ تَعَالَى ، فَشَمِّتُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى ، فَلَا تُشَمِّتُوهُ " وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَنْبَغِي حِفْظُهُ وَإِشَاعَتُهُ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ يَتَسَاهَلُونَ فِيهِ ، وَإِذَا لَمْ يَحْمَدِ اللَّهَ تَعَالَى ، يُسْتَحَبُّ لِمَنْ عِنْدَهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ الْحَمْدَ ، وَلَوْ سَمِعَ حَمْدَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ ، يُشَمِّتُهُ السَّامِعُونَ فَقَطْ ، وَلَوْ عَطَسَ يَهُودِيٌّ ، فَلْيَقُلْ : يَهْدِيكُمُ اللَّهُ ، وَلَا يَقُلَّ : يَرْحَمُكُمُ اللَّهُ ، فَفِيهِ 238 حَدِيثٌ صَحِيحٌ ، وَلَوْ تَثَاءَبَ ، فَالسُّنَّةُ أَنْ يَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ ، وَأَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَمِهِ ، ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَسَوَاءً كَانَ فِي صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا ، وَيُسْتَحَبُّ إِجَابَةُ مَنْ نَادَاهُ ، بِلَبَّيْكَ ، وَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ وَرَدَ عَلَيْهِ : مَرْحَبًا ، وَأَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ : جَزَاكَ اللَّهُ خَيْرًا ، أَوْ حَفِظَكَ اللَّهُ وَنَحْوُهُمَا ، وَيُسَنُّ لِمَنْ أَحَبَّ أَخًا لَهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يُخْبِرَهُ أَنَّهُ يُحِبُّهُ ، وَهَذَا الْبَابُ وَاسِعٌ جِدًّا ، وَفِيمَا ذَكَرْتُهُ مُقْنِعٌ ، وَقَدْ أَوْضَحْتُ جَمِيعَ ذَلِكَ بِدَلَائِلِهِ الصَّحِيحَةِ الْمُتَظَاهِرَةِ فِي كِتَابِ " الْأَذْكَارِ " وَفِيهِ مَا لَا يُسْتَغْنَى عَنْ مِثْلِهِ مِنْ أَشْبَاهِهِ ، وَإِنَّمَا بَسَطْتُ هَذَا الْفَصْلَ عَلَى خِلَافِ الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَحْكَامٌ وَسُنَنٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهَا ، وَيَكْثُرُ الْعَمَلُ بِهَا ، فَهِيَ أَوْلَى مِنْ نَوَادِرِ الْمَسَائِلِ الَّتِي لَا تَقَعُ فِي الْعَادَةِ ، وَأَسْأَلُ اللَّهَ الْكَرِيمَ التَّوْفِيقَ لِلْخَيِّرَاتِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث