روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الثاني
الصفحة 248 · ص. المطبوع 110
بَابٌ
التَّكْفِينُ
تَقَدَّمَ أَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ . وَيُسْتَحَبُّ فِي لَوْنِ الْكَفَنِ الْبَيَاضُ ، وَجِنْسُهُ فِي حَقِّ كُلِّ مَيِّتٍ ، مَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ ، فَيَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَرِيرِ ، لَكِنْ يُكْرَهُ ، وَيَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ بِهِ .
قُلْتُ : وَلَنَا وَجْهٌ شَاذٌّ مُنْكَرٌ : أَنَّهُ يَحْرُمُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَرِيرِ . وَأَمَّا الْمُزَعْفَرُ ، وَالْمُعَصْفَرُ ، فَلَا يَحْرُمُ تَكْفِينُهَا فِيهِ ، لَكِنْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ . وَفِي وَجْهٍ : لَا يُكْرَهُ . قَالَ أَصْحَابُنَا : يُعْتَبَرُ فِي الْأَكْفَانِ الْمُبَاحَةِ حَالُ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ كَانَ مُكْثِرًا ، فَمِنْ جِيَادِ الثِّيَابِ ، وَإِنْ كَانَ مُتَوَسِّطًا ، فَأَوْسَطُهَا ، وَإِنْ كَانَ مُقِلًّا ، فَخَشِنُهَا . قَالُوا : وَتُكْرَهُ الْمُغَالَاةُ فِيهِ . قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ ، وَصَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) : وَالْمَغْسُولُ أَوْلَى 110 مِنَ الْجَدِيدِ . وَاتَّفَقُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ تَحْسِينِ الْكَفَنِ فِي الْبَيَاضِ ، وَالنَّظَافَةِ ، وَسُبُوغِهِ ، وَكَثَافَتِهِ ، لَا فِي ارْتِفَاعِهِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
فَصْلٌ
أَقَلُّ الْكَفَنِ ثَوْبٌ ، وَأَكْمَلُهُ لِلرِّجَالِ ثَلَاثَةٌ ، وَفِي قَدْرِ الثَّوْبِ الْوَاجِبِ ، وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ ، وَيَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَوْرَةِ الْمُكَفَّنِ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ . وَالثَّانِي : مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ إِلَّا رَأْسَ الْمُحْرِمِ ، وَوَجْهَ الْمُحْرِمَةِ .
قُلْتُ : أَصَحُّهُمَا : الْأَوَّلُ . وَصَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
وَإِذَا كُفِّنَ فِيمَا لَا يَعُمُّ الرَّأْسَ وَالرِّجْلَيْنِ ، سُتِرَ الرَّأْسُ . وَالثَّوْبُ الْوَاجِبُ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى لَا تَنْفُذُ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ بِإِسْقَاطِهِ . وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِمَا . وَلَوْ لَمْ يُوصِ فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ : يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ ، وَبَعْضُهُمْ : بِثَلَاثَةٍ ، فَالْمَذْهَبُ يُكَفَّنُ بِثَلَاثَةٍ . وَقِيلَ : وَجْهَانِ . أَحَدُهُمَا : بِثَوْبٍ . وَأَصَحُّهُمَا : بِثَلَاثَةٍ ، وَلَوِ اتَّفَقَتِ الْوَرَثَةُ عَلَى ثَوْبٍ ، قَالَ فِي ( التَّهْذِيبِ ) : يَجُوزُ . وَفِي ( التَّتِمَّةِ ) : إِنَّهُ عَلَى الْخِلَافِ .
قُلْتُ : قَوْلُ ( التَّتِمَّةِ ) أَقْيَسُ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دُيُونٌ مُسْتَغْرِقَةٌ ، فَقَالَ الْغُرَمَاءُ : ثَوْبٌ ، فَثَوْبٌ عَلَى الْأَصَحِّ .
فَرْعٌ
مَحَلُّ الْكَفَنِ : رَأْسُ مَالِ التَّرِكَةِ ، يُقَدَّمُ عَلَى الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا وَالْمِيرَاثِ ، لَكِنْ لَا يُبَاعُ الْمَرْهُونُ فِي الْكَفَنِ ، وَلَا الْجَانِي ، وَلَا مَا وَجَبَتْ فِيهِ الزَّكَاةُ .
111 قُلْتُ : وَيُلْحَقُ بِالثَّلَاثَةِ ، الْمَالُ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ حَقُّ الرُّجُوعِ بِإِفْلَاسِ الْمَيِّتِ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَوَّلِ الْفَرَائِضِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
فَإِنْ لَمْ يَتْرُكْ مَالًا ، فَكَفَنُهُ عَلَى مَنْ هُوَ فِي نَفَقَتِهِ ، فَعَلَى الْقَرِيبِ كَفَنُ قَرِيبِهِ ، وَعَلَى السَّيِّدِ كَفَنُ عَبْدِهِ ، وَأُمِّ وَلَدِهِ ، وَمَكَاتَبِهِ ، وَسَوَاءٌ فِي أَوْلَادِهِ كَانُوا صِغَارًا ، أَوْ كِبَارًا ، تَجِبُ عَلَيْهِ أَكْفَانُهُمْ ، لِأَنَّهُمْ عَاجِزُونَ بِالْمَوْتِ ، وَنَفَقَةُ عَاجِزِهِمْ وَاجِبَةٌ . وَيَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ كَفَنُهَا ، وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهَا عَلَى الْأَصَحِّ . فَعَلَى هَذَا ، لَوْ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ مَالٌ ، فَفِي مَالِهَا . أَمَّا إِذَا لَمْ يَتْرُكِ الْمَيِّتُ مَالًا ، وَلَا كَانَ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، فَيَجِبُ كَفَنُهُ وَمُؤْنَةُ تَجْهِيزِهِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، كَنَفَقَتِهِ . وَهَلْ يُكَفَّنُ مِنْهُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ ، أَمْ بِثَلَاثَةٍ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : بِثَوْبٍ . فَإِنْ قُلْنَا : ثَوْبٌ ، فَلَوْ تَرَكَ ثَوْبًا لَمْ يُزَدْ مِنْ بَيْتِ مَالٍ ، وَإِنْ قُلْنَا : ثَلَاثَةٌ ، كَمُلَتْ عَلَى الْأَصَحِّ . وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ ، فَعَلَى عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ الْكَفَنُ وَمُؤْنَةُ التَّجْهِيزِ .
قُلْتُ : قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ : إِذَا مَاتَ وَهُوَ فِي نَفَقَةِ غَيْرِهِ ، هَلْ يَلْزَمُهُ تَكْفِينُهُ بِثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ ، أَمْ بِثَوْبٍ ؟ وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : ثَوْبٌ . وَقَطَعَ هُوَ وَصَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) بِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ الْمَالِ مَالٌ ، وَلَزِمَ الْمُسْلِمِينَ تَكْفِينُهُ ، لَا يَجِبُ أَكْثَرُ مِنْ ثَوْبٍ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
فَرْعٌ
قَدَّمْنَا أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي كَفَنِ الرَّجُلِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ . فَلَوْ زِيدَ إِلَى خَمْسَةٍ ، جَازَ ، وَلَا يُسْتَحَبُّ . وَيُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِي خَمْسَةٍ ، وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ مَكْرُوهَةٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ .
112 قُلْتُ : قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ : وَلَيْسَتِ الْخَمْسَةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَالثَّلَاثَةِ لِلرَّجُلِ ، حَتَّى نَقُولَ : يُجْبَرُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهَا ، كَمَا يُجْبَرُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ . قَالَ الْإِمَامُ : وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
ثُمَّ إِنْ كُفِّنَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فِي ثَلَاثَةٍ ، فَالْمُسْتَحَبُّ ثَلَاثُ لَفَائِفَ . وَإِنْ كُفِّنَ الرَّجُلُ فِي خَمْسَةٍ ، فَثَلَاثُ لَفَائِفَ ، وَقَمِيصٌ ، وَعِمَامَةٌ ، وَتُجْعَلَانِ تَحْتَ اللَّفَائِفِ . وَإِنْ كُفِّنَتِ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةٍ ، فَقَوْلَانِ . الْجَدِيدُ : إِزَارٌ وَخِمَارٌ ، وَثَلَاثُ لَفَائِفَ . وَالْقَدِيمُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ : إِزَارٌ وَخِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَتَانِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا يُفْتَى فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ .
قُلْتُ : قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَالْمَحَامِلِيُّ : الْمَعْرُوفُ لِلشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ ، أَنَّهُ يَكُونُ فِيهَا قَمِيصٌ . قَالَا : وَالْقَوْلُ الْآخَرُ : لَا يُعْرَفُ إِلَّا عَنِ الْمُزَنِيِّ ، فَعَلَى هَذَا الَّذِي نَقَلَا ، لَا يَكُونُ إِثْبَاتُ الْقَمِيصِ مُخْتَصًّا بِالْقَدِيمِ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ - : يُشَدُّ عَلَى صَدْرِهَا ثَوْبٌ ، لِئَلَّا تَنْتَشِرَ أَكْفَانُهَا ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ . فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ : هُوَ ثَوْبٌ سَادِسٌ ، وَيُحَلُّ عَنْهَا إِذَا وُضِعَتْ فِي الْقَبْرِ . وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ : يُشَدُّ عَلَيْهَا ثَوْبٌ مِنَ الْخَمْسَةِ وَيُتْرَكُ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ الْأَصْحَابِ .
وَأَمَّا تَرْتِيبُ الْخَمْسَةِ ، فَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ : عَلَى قَوْلِ أَبِي إِسْحَاقَ : إِنْ قُلْنَا : تُقَمَّصُ ، شُدَّ عَلَيْهَا الْمِئْزَرُ ، ثُمَّ الْقَمِيصُ ، ثُمَّ الْخِمَارُ ، ثُمَّ تُلَفُّ فِي ثَوْبَيْنِ ، ثُمَّ يُشَدُّ السَّادِسُ ، وَإِنْ قُلْنَا : لَا تُقَمَّصُ ، شُدَّ الْمِئْزَرُ ، ثُمَّ الْخِمَارُ ، ثُمَّ تُلَفُّ فِي اللَّفَائِفِ ، ثُمَّ يُشَدُّ عَلَيْهَا خِرْقَةٌ . وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ سُرَيْجٍ : إِنْ قُلْنَا : تُقَمَّصُ ، شُدَّ الْمِئْزَرُ ، ثُمَّ الدِّرْعُ ، ثُمَّ الْخِمَارُ ، ثُمَّ يُشَدُّ عَلَيْهَا الْخِرْقَةُ ، ثُمَّ تُلَفُّ فِي ثَوْبٍ . وَإِنْ قُلْنَا : لَا تُقَمَّصُ ، شُدَّ الْمِئْزَرُ ، ثُمَّ الْخِمَارُ ، ثُمَّ تُلَفُّ فِي ثَوْبٍ ، ثُمَّ يُشَدُّ عَلَيْهَا آخَرُ ، ثُمَّ تُلَفُّ فِي الْخَامِسِ . وَإِذَا وَقَعَ التَّكْفِينُ فِي اللَّفَائِفِ الثَّلَاثِ ، فَفِيهَا وَجْهَانِ .
113 أَحَدُهُمَا : تَكُونُ مُتَفَاوِتَةً فِي الْأَوَّلِ ، يَأْخُذُ مَا بَيْنَ سُرَّتِهِ وَرُكْبَتَيْهِ . وَالثَّانِي : مِنْ عُنُقِهِ إِلَى كَعْبِهِ . وَالثَّالِثُ : يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ . وَأَصَحُّهُمَا : تَكُونُ مُتَسَاوِيَةً فِي الطُّولِ وَالْعَرْضِ ، يَأْخُذُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمِيعَ بَدَنِهِ . وَلَا فَرْقَ فِي التَّكْفِينِ فِي الثَّلَاثِ ، بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَإِنَّمَا يَفْتَرِقَانِ فِي الْخَمْسَةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
فَرْعٌ
يُسْتَحَبُّ تَبْخِيرُ الْكَفَنِ بِالْعُودِ ، إِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَيِّتُ مُحْرِمًا ، فَتُنْصَبُ مِبْخَرَةٌ ، وَتُوضَعُ الْأَكْفَانُ عَلَيْهَا لِيُصِيبَهَا دُخَانُ الْعُودِ ، ثُمَّ تُبْسَطُ أَحْسَنُ اللَّفَائِفِ وَأَوْسَعُهَا ، وَيُذَرُّ عَلَيْهَا حَنُوطٌ ، وَتُبْسَطُ الثَّانِيَةُ فَوْقَهَا ، وَيُذَرُّ عَلَيْهَا حَنُوطٌ ، وَتُبْسَطُ الثَّالِثَةُ الَّتِي تَلِي الْمَيِّتَ فَوْقَهَا ، وَيُذَرُّ عَلَيْهَا حَنُوطٌ وَكَافُورٌ ، ثُمَّ يُوضَعُ الْمَيِّتُ فَوْقَهَا مُسْتَلْقِيًا ، وَيُؤْخَذُ قَدْرٌ مِنَ الْقُطْنِ الْمَحْلُوجِ ، وَيُجْعَلُ عَلَيْهِ حَنُوطٌ وَكَافُورٌ ، وَيُدَسُّ بَيْنَ أَلْيَتَيْهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِالْحَلْقَةِ لِيَرُدَّ شَيْئًا يَتَعَرَّضُ لِلْخُرُوجِ ، وَلَا يُدْخِلُهُ فِي بَاطِنِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ : أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، ثُمَّ يَسُدُّ أَلْيَتَيْهِ وَيَسْتَوْثِقُ بِأَنْ يَأْخُذَ خِرْقَةً ، وَيَشُقَّ رَأْسَهَا ، وَيَجْعَلَ وَسَطَهَا عَنْ أَلْيَتَيْهِ وَعَانَتِهِ ، وَيَشُدُّهَا فَوْقَ السُّرَّةِ بِأَنْ يَرُدَّ مَا يَلِي ظَهْرَهُ إِلَى سُرَّتِهِ ، وَيَعْطِفَ الشِّقَّيْنِ الْآخَرَيْنِ عَلَيْهِ . وَلَوْ شَدَّ شِقًّا مِنْ كُلِّ رَأْسٍ عَلَى فَخِذِهِ ، وَمِثْلَهُ عَلَى الْفَخِذِ الثَّانِيَةِ ، جَازَ . وَقِيلَ : يَشُدُّهَا عَلَيْهِ بِالْخَيْطِ ، وَلَا يَشُقُّ طَرَفَيْهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُ شَيْئًا مِنَ الْقُطْنِ وَيَضَعُ عَلَيْهِ قَدْرًا مِنَ الْكَافُورِ وَالْحَنُوطِ ، وَيُجْعَلُ عَلَى مَنَافِذِ الْبَدَنِ مِنَ الْمِنْخَرَيْنِ ، وَالْأُذُنَيْنِ ، وَالْعَيْنَيْنِ ، وَالْجِرَاحَاتِ النَّافِذَةِ ، دَفْعًا لِلْهَوَامِّ ، وَيَجْعَلُ الطِّيبَ عَلَى مَسَاجِدِهِ ، وَهِيَ الْجَبْهَةُ ، وَالْأَنْفُ ، وَبَاطِنُ الْكَفَّيْنِ ، وَالرُّكْبَتَانِ ، وَالْقَدَمَانِ ، فَيَجْعَلُ الطِّيبَ عَلَى قُطْنٍ ، وَيُجْعَلُ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاضِعِ . وَقِيلَ : يُجْعَلُ عَلَيْهَا بِلَا قُطْنٍ . ثُمَّ يُلْقَى الْكَفَنُ عَلَيْهِ بِأَنْ يَثْنِيَ مِنَ الثَّوْبِ الَّذِي يَلِي 114 الْمَيِّتَ طَرَفُهُ الَّذِي يَلِي شِقَّهُ الْأَيْسَرَ ، عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ ، وَالَّذِي يَلِي الْأَيْمَنَ عَلَى الْأَيْسَرِ ، كَمَا يَفْعَلُ الْحَيُّ بِالْقِبَاءِ ، ثُمَّ يَلُفُّ الثَّانِيَ وَالثَّالِثَ كَذَلِكَ . وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ : أَنَّهُ يَبْدَأُ بِالطَّرَفِ الَّذِي يَلِي شِقَّهُ الْأَيْمَنَ . وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَطَعَ بِهِ .
وَإِذَا لَفَّ الْكَفَنَ عَلَيْهِ ، جَمَعَ الْفَاضِلَ عِنْدَ رَأْسِهِ جَمْعَ الْعِمَامَةِ ، وَرَدَّ عَلَى وَجْهِهِ وَصَدْرِهِ إِلَى حَيْثُ بَلَغَ ، وَمَا فَضَلَ عِنْدَ رِجْلَيْهِ يُجْعَلُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ وَالسَّاقَيْنِ . وَيَنْبَغِي أَنْ يُوضَعَ الْمَيِّتُ عَلَى الْأَكْفَانِ أَوَّلًا ، بِحَيْثُ إِذَا لُفَّ عَلَيْهِ كَانَ الْفَاضِلُ عِنْدَ رَأْسِهِ أَكْثَرَ ، ثُمَّ تُشَدُّ الْأَكْفَانُ عَلَيْهِ بِشَدَّادٍ ، خِيفَةَ انْتِشَارِهَا عِنْدَ الْحَمْلِ ، فَإِذَا وُضِعَ فِي الْقَبْرِ . نُزِعَ . وَفِي كَوْنِ الْحَنُوطِ مُسْتَحَبًّا ، أَوْ وَاجِبًا ، وَجْهَانِ . أَصَحُّهُمَا : مُسْتَحَبٌّ .
قُلْتُ : مَذْهَبُنَا أَنَّ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ كَالْكَبِيرِ فِي اسْتِحْبَابِ تَكْفِينِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ . وَقَالَ الضَّيْمَرِيُّ : لَا يُسْتَحَبُّ أَنْ يُعِدَّ لِنَفْسِهِ كَفَنًا لِئَلَّا يُحَاسَبَ عَلَيْهِ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ ، إِلَّا إِذَا كَانَ مِنْ جِهَةٍ يُقْطَعُ بِحِلِّهَا ، أَوْ مِنْ أَثَرِ بَعْضِ أَهْلِ الْخَيْرِ مِنَ الْعُلَمَاءِ ، أَوِ الْعُبَّادِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ ادِّخَارَهُ حَسَنٌ . وَقَدْ صَحَّ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ فِعْلُهُ . - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث