روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
الصفحة 686 · ص. المطبوع 70
فَصْلٌ
فِي الطَّوَارِئِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْعَقْدِ قَبْلَ الْقَبْضِ
وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ .
الْأَوَّلُ : مَا يُنْشِؤُهُ الرَّاهِنُ مِنَ التَّصَرُّفَاتِ ، فَكُلُّ مُزِيلٍ لِلْمِلْكِ ، كَالْبَيْعِ ، وَالْإِعْتَاقِ ، وَالْإِصْدَاقِ ، وَجَعْلِهِ أُجْرَةً ، وَالرَّهْنِ ، وَالْهِبَةِ مَعَ الْقَبْضِ وَالْكِتَابَةِ ، وَالْوَطْءِ مَعَ الْإِحْبَالِ ، يَكُونُ رُجُوعًا عَنِ الرَّهْنِ إِذَا وُجِدَ قَبْلَ الْقَبْضِ . وَالتَّزْوِيجُ ، وَالْوَطْءُ بِلَا إِحْبَالٍ ، لَيْسَ بِرُجُوعٍ ، بَلْ رَهْنُ الْمُزَوَّجَةِ ابْتِدَاءً جَائِزٌ . وَأَمَّا الْإِجَارَةُ ، فَإِنْ جَوَّزْنَا رَهْنَ الْمُسْتَأْجِرِ وَبَيْعَهُ ، فَلَيْسَ بِرُجُوعٍ ، وَإِلَّا ، فَرُجُوعٌ عَلَى الْأَصَحِّ . وَالتَّدْبِيرُ ، رُجُوعٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَنْصُوصِ .
قُلْتُ : قَالَ أَصْحَابُنَا الْعِرَاقِيُّونَ وَصَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " : إِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ إِلَى مُدَّةٍ تَنْقَضِي قَبْلَ مَحَلِّ الدَّيْنِ لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا قَطْعًا ، وَإِلَّا فَعَلَى الْخِلَافِ وَالْبِنَاءِ الْمَذْكُورِ .
70 وَالْأَصَحُّ عَلَى الْجُمْلَةِ : أَنَّهَا لَيْسَتْ رُجُوعًا مُطْلَقًا ، وَنَصَّ عَلَيْهِ فِي " الْأُمِّ " وَقَطَعَ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَغَوِيُّ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
النَّوْعُ الثَّانِي : مَا يَعْرِضُ لِلْمُتَعَاقِدَيْنَ ، فَإِنْ مَاتَ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَنَصَّ : أَنَّهُ يَبْطُلُ بِمَوْتِ الرَّاهِنِ دُونَ الْمُرْتَهِنِ ، وَفِيهِمَا طُرُقٌ . أَصَحُّهَا . فِيهِمَا قَوْلَانِ . أَظْهَرُهُمَا : لَا يَبْطُلُ فِيهِمَا ؛ لِأَنَّ مَصِيرَهُ إِلَى اللُّزُومِ ، فَلَا يَبْطُلُ بِمَوْتِهِمَا كَالْبَيْعِ . وَالثَّانِي : يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ جَائِزٌ ، فَبَطَلَ كَالْوِكَالَةِ . وَالطَّرِيقُ الثَّانِي : تَقْرِيرُ النَّصَّيْنِ ؛ لِأَنَّ الْمَرْهُونَ بَعْدَ مَوْتِ الرَّاهِنِ ، مِلْكٌ لِوَارِثِهِ . وَفِي إِبْقَاءِ الرَّهْنِ ضَرَرٌ عَلَيْهِمْ ، وَفِي مَوْتِ الْمُرْتَهِنِ يَبْقَى الدَّيْنُ وَالْوَارِثُ مُحْتَاجٌ إِلَى الْوَثِيقَةِ حَاجَةَ مَيِّتِهِ . وَالثَّالِثُ : الْقَطْعُ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ فِيهِمَا . فَإِذَا قُلْنَا بِالْقَوْلَيْنِ ، فَقِيلَ : هُمَا مُخْتَصَّانِ بِرَهْنِ التَّبَرُّعِ . فَأَمَّا الْمَشْرُوطُ فِي بَيْعٍ ، فَلَا يَبْطُلُ قَطْعًا لِتَأَكُّدِهِ . وَالْمَذْهَبُ : طَرْدُهُمَا فِي النَّوْعَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ .
فَإِذَا أَبْقَيْنَا الرَّهْنَ ، قَامَ وَارِثُ الرَّاهِنِ مَقَامَهُ فِي الْإِقْبَاضِ ، وَوَارِثُ الْمُرْتَهِنِ فِي الْقَبْضِ ، وَسَوَاءٌ أَبْطَلْنَاهُ أَمْ لَا ، وَلَمْ يَتَحَقَّقِ الْوَفَاءُ بِالرَّهْنِ الْمَشْرُوطِ ، ثَبَتَ الْخِيَارُ فِي فَسْخِ الْبَيْعِ . وَلَوْ جُنَّ أَحَدُهُمَا ، أَوْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَإِنْ قُلْنَا : لَا يَبْطُلُ بِالْمَوْتِ ، فَهُنَا أَوْلَى ، وَإِلَّا ، فَوَجْهَانِ . فَإِنْ لَمْ نُبْطِلْهُ ، فَجُنَّ الْمُرْتَهِنُ ، قَبَضَ مَنْ يَنْظُرُ فِي مَالِهِ . فَإِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ الرَّاهِنُ وَكَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، فَعَلَ مَا فِيهِ الْمَصْلَحَةُ مِنَ الْفَسْخِ وَالْإِجَازَةِ . وَإِنْ جُنَّ الرَّاهِنُ ، فَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، وَخَافَ النَّاظِرُ فَسْخَ الْمُرْتَهِنِ إِنْ لَمْ يُسَلِّمْهُ ، وَالْحَظُّ فِي الْإِمْضَاءِ ، سَلَّمَهُ . وَإِنْ لَمْ يَخَفْ ، أَوْ كَانَ الْحَظُّ فِي الْفَسْخِ ، أَوْ كَانَ رَهْنَ تَبَرُّعٍ لَمْ يُسَلِّمْهُ ، كَذَا أَطْلَقُوهُ ، وَمُرَادُهُمْ : إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً وَلَا غِبْطَةً ؛ لِأَنَّهُمَا تُجَوِّزَانِ رَهْنَ مَالِ الْمَجْنُونِ ابْتِدَاءً ، فَالِاسْتِدَامَةُ أَوْلَى . وَلَوْ طَرَأَ عَلَى أَحَدِهِمَا حَجْرُ سَفَهٍ ، أَوْ فَلَسٍ لَمْ يَبْطُلْ عَلَى الْمَذْهَبِ .
النَّوْعُ الثَّالِثُ : مَا يَعْرِضُ فِي الْمَرْهُونِ . فَلَوْ رَهَنَ عَصِيرًا وَأَقْبَضَهُ ، فَانْقَلَبَ فِي 71 يَدِ الْمُرْتَهِنِ خَمْرًا ، بَطَلَ الرَّهْنُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ الْجُمْهُورُ ، لِخُرُوجِهِ عَنِ الْمَالِيَّةِ . وَقِيلَ : إِنْ عَادَ خَلًّا ، بَانَ أَنَّ الرَّهْنَ لَمْ يَبْطُلْ ، وَإِلَّا ، بَانَ بُطْلَانُهُ ، فَإِنْ أَبْطَلْنَا ، فَلَا خِيَارَ لِلْمُرْتَهَنِ إِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ; لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي يَدِهِ ، فَإِنْ عَادَ خَلًّا ، عَادَ الرَّهْنُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، كَمَا يَعُودُ الْمِلْكُ . وَمُرَادُهُمْ بِبُطْلَانِهِ أَوَّلًا : ارْتِفَاعُ حُكْمِهِ مَا دَامَ خَمْرًا ، وَلَمْ يُرِيدُوا اضْمِحْلَالَ أَثَرِهِ بِالْكُلِّيَّةِ . وَلَوْ رَهْنَ شَاةً فَمَاتَتْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ ، فَدَبَغَ جِلْدَهَا لَمْ يَعُدْ رَهَنًا عَلَى الْأَصَحِّ ، وَاخْتَارَهُ الْأَكْثَرُونَ ؛ لِأَنَّ مَالِيَّتَهُ حَدَّثَتْ بِالْمُعَالَجَةِ ، بِخِلَافِ الْخَمْرِ ، وَلِأَنَّ الْعَائِدَ غَيْرُ ذَلِكَ الْمِلْكِ . وَلَوِ انْقَلَبَ خَمْرًا قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَفِي بُطْلَانِهِ الْبُطْلَانَ الْكُلِّيَّ ، وَجْهَانِ .
أَحَدُهُمَا : نَعَمْ ، لِاخْتِلَالِهِ فِي حَالِ ضَعْفِ الرَّهْنِ ، وَعَدَمِ لُزُومِهِ . وَالثَّانِي : لَا ، كَمَا بَعْدَ الْقَبْضِ . وَمُقْتَضَى كَلَامِهِمْ ، تَرْجِيحُ هَذَا .
قُلْتُ : قَدْ قَطَعَ صَاحِبَا " الشَّامِلِ " وَ " الْبَيَانِ " بِالْأَوَّلِ ، وَلَكِنَّ الثَّانِيَ أَصَحُّ ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
قَالَ فِي " التَّهْذِيبِ " وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ لَوْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي بَيْعٍ ، ثَبُتَ الْخِيَارُ لِلْمُرْتَهَنِ ، لَأَنَّ الْخَلَّ دُونَ الْعَصِيرِ . وَلَا يَصِحُّ الْإِقَبَاضُ فِي حَالِ الْخَمْرِيَّةِ ، فَلَوْ فَعَلَ وَعَادَ خَلًّا ، فَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي : لَا بُدَّ مِنَ اسْتِئْنَافِ قَبْضٍ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ : لَا بُدَّ مِنَ اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ ، ثُمَّ الْقَبْضُ فِيهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِيمَا إِذَا رَهَنَهُ مَا هُوَ فِي يَدِهِ .
فَرْعٌ
لَوِ انْقَلَبَ الْمَبِيعُ خَمْرًا قَبْلَ الْقَبْضِ ، فَالْكَلَامُ فِي انْقِطَاعِ الْبَيْعِ وَعَوْدِهِ إِذَا عَادَ خَلًّا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ فِي انْقِلَابِ الْعَصِيرِ الْمَرْهُونِ خَمْرًا بَعْدَ الْقَبْضِ .
قُلْتُ : هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ ، وَقَطَعَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعِرَاقِيِّينَ ، 72 مِنْهُمْ صَاحِبُ " الشَّامِلِ " بِأَنَّهُ يَبْطُلُ الْبَيْعُ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرَّهْنِ بَعْدَ الْقَبْضِ ، بِأَنَّ الرَّهْنَ عَادَ تَبَعًا لِمِلْكِ الرَّاهِنِ ، وَهُنَا يَعُودُ مِلْكَ الْبَائِعِ لِعَدَمِ الْبَيْعِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَبِيعَ مِلْكَ الْمُشْتَرِي . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ جَنَى الْمَرْهُونَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ أَرْشٌ ، وَقُلْنَا : رَهْنُ الْجَانِي ابْتِدَاءً فَاسِدٌ ، فَفِي بُطْلَانِ الرَّهْنِ وَجْهَانِ ، كَتَخَمُّرِ الْعَصِيرِ ، وَهُنَا أَوْلَى بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ ، لِدَوَامِ الْمِلْكِ فِي الْجَانِي . قَالَ الْإِمَامُ : وَإِبَاقُ الْمَرْهُونِ قَبْلَ الْقَبْضِ يَخْرُجُ عَلَى وَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ انْتَهَى إِلَى حَالَةٍ تَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الرَّهْنِ .
قُلْتُ : أَصَحُّهُمَا : لَا يَبْطُلُ ، وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث