روضة الطالبين وعمدة المفتين
روضة الطالبين وعمدة المفتين · الجزء الرابع
الصفحة 695 · ص. المطبوع 94
فَصْلٌ
مُؤْنَةُ الرَّهْنِ الَّتِي يَبْقَى بِهَا ، كَنَفَقَةِ الْعَبْدِ وَكُسْوَتِهِ ، وَعَلَفِ الدَّابَّةِ عَلَى الرَّاهِنِ . وَفِي مَعْنَاهَا ، سَقْيُ الْأَشْجَارِ وَالْكُرُومِ ، وَمُؤْنَةُ الْجِدَادِ ، وَتَجْفِيفُ الثِّمَارِ ، وَأُجْرَةُ الِاصْطَبْلِ ، وَالْبَيْتِ الَّذِي يُحْفَظُ فِيهِ الْمَتَاعُ الْمَرْهُونُ إِذَا لَمْ يَتَبَرَّعُ بِهِ مَنْ هُوَ فِي يَدِهِ ، وَأُجْرَةُ مَنْ يَرُدُّ الْآبِقَ ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ . وَحَكَى الْإِمَامُ وَالْمُتَوَلِّي وَجْهَيْنِ ، فِي أَنَّ هَذِهِ الْمُؤَنَ ، هَلْ يُجْبَرُ عَلَيْهَا الرَّاهِنُ حَتَّى يَقُومَ بِهَا مِنْ خَالِصِ مَالِهِ ، أَصَحُّهُمَا : الْإِجْبَارُ ، حِفْظًا لِلْوَثِيقَةِ . وَالثَّانِي : عَنِ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ : لَا يُجْبَرُ ، بَلْ يَبِيعُ الْقَاضِي جُزْءًا مِنْهُ فِيهَا بِحَسْبِ الْحَاجَةِ . وَفَرَّعَ الْإِمَامُ عَلَى هَذَا ، أَنَّ النَّفَقَةَ لَوْ كَانَتْ تَأْكُلُ الرَّهْنَ قَبْلَ الْأَجَلِ ، أُلْحِقَ فِي ذَلِكَ بِمَا يَفْسَدُ قَبْلَ الْأَجَلِ ، فَيُبَاعُ وَيُجْعَلُ ثَمَنُهُ رَهْنًا ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَكَذَا أَصْلُهُ الْمُفَرَّعُ عَلَيْهِ . وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَصَحِّ فَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ شَيْءٌ ، أَوْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا ، بَاعَ الْحَاكِمُ جُزْءًا مِنَ الْمَرْهُونِ وَاكْتَرَى بِهِ بَيْتًا يُحْفَظُ فِيهِ الرَّهْنُ ، كَذَا قَالَهُ الْأَصْحَابُ .
94 وَأَمَّا الْمُؤْنَاتُ الدَّائِرَةُ ، فَيُشْبِهُ أَنْ يُقَالَ : حُكْمُهَا حُكْمُ مَا لَوْ هَرَبَ الْجَمَّالُ وَتَرَكَ الْجِمَالَ الْمُسْتَأْجِرَةَ ، أَوْ عَجَزَ عَنِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا .
قُلْتُ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : إِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ : أَنَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ لِأَرْجِعَ فِي مَالِ الرَّاهِنِ ، أَذِنَ لَهُ الْحَاكِمُ . فَإِنِ اتَّفَقَ وَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالنَّفَقَةِ وَالدَّيْنِ ، فَهُوَ كَفِدَائِهِ الْمَرْهُونَ الْجَانِيَ عَلَى أَنْ يَكُونَ رَهْنًا بِالدَّيْنِ وَالْفِدَاءِ ، وَقَدْ نَصَّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَفِيهِ طَرِيقَانِ تَقَدَّمَا . وَالْمَذْهَبُ : الصِّحَّةُ . فَإِنْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ الْحَاكِمُ ، أَوْ لَمْ يُمَكِّنْهُ ، وَلَمْ يَشْهَدْ ، فَلَا رُجُوعَ ، وَإِنْ أَشْهَدْ ، فَوَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى هَرَبِ الْجَمَّالُ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَا يَمْنَعُ الرَّاهِنُ مَصْلَحَةً فِي الْمَرْهُونِ ، كَفَصْدِهِ وَحِجَامَتِهِ ، وَتَوْدِيجِ الدَّابَّةِ وَبَزْغِهَا وَالْمُعَالَجَةِ بِالْأَدْوِيَةِ وَالْمَرَاهِمِ ، لَكِنْ لَا يُجْبَرُ عَلَيْهَا ، بِخِلَافِ النَّفَقَةِ . وَطَرَدَ صَاحِبُ " التَّتِمَّةِ " الْوَجْهَيْنَ فِي الْمُدَاوَاةِ . ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الْمُدَاوَاةُ مِمَّا يُرْجَى نَفْعُهُ وَيُؤْمَنُ ضَرَرُهُ ، فَذَاكَ ، وَإِنْ خِيفَ وَغَلَبَتِ السَّلَامَةُ ، فَهَلْ لِلْمُرْتَهَنِ مَنْعُهُ ؟ وَجْهَانِ .
قُلْتُ : أَصَحُّهُمَا : لَا . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَيَجْرِيَانِ فِي قَطْعِ الْيَدِ الْمُتَآكِلَةِ إِذَا كَانَ فِي قَطْعِهَا وَتَرْكِهَا خَطَرٌ . فَإِنْ كَانَ الْخَطَرُ فِي التَّرْكِ دُونَ الْقَطْعِ ، فَلَهُ الْقَطْعُ ، وَلَيْسَ لَهُ قَطْعُ سِلْعَةٍ وَأُصْبُعٍ لَا خَطَرَ فِي تَرْكِهَا ، إِذَا خِيفَ ضَرَرٌ ، فَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ السَّلَامَةَ ، فَعَلَى الْخِلَافِ . وَلَهُ خِتَانُ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فِي وَقْتِ اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ ، إِنْ كَانَ يَنْدَمِلُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ ; لِأَنَّهُ ضَرُورِيُّ ، وَالْغَالِبُ مِنْهُ السَّلَامَةُ . وَإِنْ لَمْ يَنْدَمِلْ ، وَكَانَ فِيهِ نَقْصٌ لَمْ يَجُزْ . وَكَذَا لَوْ كَانَ بِهِ عَارِضٌ يُخَافُ مَعَهُ مِنَ الْخِتَانِ .
95 قُلْتُ : كَذَا أَطْلَقَ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، أَوْ كَثِيرُونَ مِنْهُمْ ، جَوَازَ الْخِتَانِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَصَرَّحَ الْمُتَوَلِّي وَالشَّيْخُ نَصْرٌ ، بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُهَذَّبِ " وَمَنْ تَابَعَهُ : يُمْنَعُ مِنْ خِتَانِ الْكَبِيرِ دُونَ الصَّغِيرِ ، لِخَوْفِ التَّلَفِ . وَهَذَا ظَاهِرُ نَصِّهِ فِي " الْأُمِّ " وَ " الْمُخْتَصَرِ " وَيُؤَيِّدُهُ ، أَنَّهُمْ عَدُّوا عَدَمَ الْخِتَانِ عَيْبًا فِي الْكَبِيرِ ، دُونَ الصَّغِيرِ ، كَمَا سَبَقَ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَهُ تَأْبِيرُ النَّخْلِ الْمَرْهُونَةِ . وَلَوِ ازْدَحَمَتْ ، وَقَالَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ : تَحْوِيلُهَا أَنْفَعُ ، جَازَ تَحْوِيلُهَا ، وَكَذَا لَوْ رَأَوْا قَطْعَ الْبَعْضِ لِصَلَاحِ الْأَكْثَرِ . ثُمَّ مَا يُقْطَعُ مِنْهَا أَوْ يَجِفُّ ، يَبْقَى مَرْهُونًا ، بِخِلَافِ مَا يَحْدُثُ مِنَ السَّعَفِ وَيَجِفُّ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ مَرْهُونٍ ، كَالثَّمَرَةِ ، وَمَا كَانَ ظَاهِرًا مِنْهَا عِنْدَ الرَّهْنِ ، قَالَ فِي " التَّتِمَّةِ " : هُوَ مَرْهُونٌ . وَقَالَ فِي " الشَّامِلِ " : لَا فَرْقَ .
قُلْتُ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : وَمَا يَحْصُلُ مِنَ اللِّيفِ ، وَالْعَرَاجِينِ وَالْكَرَبِ ، كَالسَّعَفِ . وَالْكَرَبُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَالرَّاءِ : أُصُولُ السَّعَفِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
فَرْعٌ
لَا يُمْنَعُ مِنْ رَعْيِ الْمَاشِيَةِ وَقْتَ الْأَمْنِ ، وَتَأْوِي لَيْلًا إِلَى يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوِ الْعَدْلِ . وَلَوْ أَرَادَ الرَّاهِنُ أَنْ يُبْعِدَ فِي طَلَبِ النَّجْعَةِ ، وَبِالْقُرْبِ مَا يُبَلِّغُ مِنْهَا مَبْلَغًا ، فَلِلْمُرْتَهَنِ الْمَنْعُ ، وَإِلَّا ، فَلَا مَنْعَ ، وَتَأْوِي إِلَى يَدِ عَدْلٍ يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا ، فَيُنَصِّبُهُ الْحَاكِمُ . وَإِنْ أَرَادَ الْمُرْتَهِنُ ذَلِكَ ، وَلَيْسَ بِالْقُرْبِ مَا يَكْفِي لَمْ يُمْنَعْ . وَكَذَا لَوْ أَرَادَ نَقْلَ الْمَتَاعِ 96 مِنْ بَيْتٍ غَيْرِ مُحْرَزٍ إِلَى مُحْرَزٍ . وَلَوْ أَرَادَ الِانْتِقَالَ مِنْ مَكَانِهِمَا ، فَإِنِ انْتَقَلَا إِلَى أَرْضٍ وَاحِدَةٍ ، فَذَاكَ ، وَإِلَّا ، جُعِلَتِ الْمَاشِيَةُ مَعَ الرَّاهِنِ ، وَيَحْتَاطُ لَيْلًا كَمَا سَبَقَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث