المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1044 · ص. المطبوع 190 · الشرح
فَصْلٌ ( وَكُلُّ هَدْيٍ أَوْ إِطْعَامٍ ) مُتَعَلِّقٌ بِالْحَرَمِ أَوِ الْإِحْرَامِ ( فَهُوَ لِمَسَاكِينِ الْحَرَمِ إِنْ قَدَرَ عَلَى إِيصَالِهِ إِلَيْهِمْ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ [ الْمَائِدَةِ : 95 ] وَقَوْلِهِ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الْحَجِّ : 33 ] وَيَجِبُ نَحْرُهُ بِالْحَرَمِ ، وَيُجْزِئُ جَمِيعُهُ قَالَ : أَحْمَدُ : مَكَّةُ وَمِنًى وَاحِدٌ ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ بِمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فِي رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ الَّتِي عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا : ۝ كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ وَفِي " الْفُرُوعِ " تَوْجِيهٌ : لَا يُنْحَرُ فِي الْحَجِّ إِلَّا بِمِنًى ، وَلَا فِي الْعُمْرَةِ إِلَّا بِمَكَّةَ ، وَيَجِبُ تَفْرِقَةُ لَحْمِهِ بِالْحَرَمِ أَوْ إِطْلَاقُهُ لِمَسَاكِينِهِ ; لِأَنَّهُ مَقْصُودٌ كَالذَّبْحِ ، وَالتَّوْسِعَةُ عَلَيْهِمْ مَقْصُودَةٌ ، فَلَوْ سَلَّمَهُ لِلْفُقَرَاءِ سَلِيمًا فَذَبَحُوهُ أَجْزَأَ ، وَإِلَّا اسْتَرَدَّهُ ، وَنَحَرَهُ ، فَإِنْ أَبَى أَوْ عَجَزَ ضَمِنَهُ ، وَالطَّعَامُ كَالْهَدْيِ لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ " الْهَدْيُ وَالْإِطْعَامُ بِمَكَّةَ ، وَلِأَنَّهُ نُسُكٌ يَتَعَدَّى نَفْعُهُ إِلَى الْمَسَاكِينِ فَاخْتُصَّ بِهِمْ كَالْهَدْيِ ، وَمَسَاكِينُ الْحَرَمِ مَنْ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ مُقِيمًا كَانَ أَوْ مُجْتَازًا مِنَ الْحَاجِّ وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ بَانَ بَعْدَ الدَّفْعِ غِنَاهُ فَكَالزَّكَاةِ ، وَمَا جَازَ تَفْرِيقُهُ لَمْ يَجُزْ دَفْعُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الذِّمَّةِ كَالْحَرْبِيِّ ، وَهَلْ يَجُوزُ أَنْ يُغَدِّيَ الْمَسَاكِينَ أَوْ يُعَشِّيَهُمْ إِنْ جَازَ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ؛ فِيهِ احْتِمَالَانِ فَإِنْ تَعَذَّرَ إِيصَالُهُ إِلَى فُقَرَاءِ الْحَرَمِ فَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ يَجُوزُ ذَبْحُهُ ، وَتَفْرِيقُهُ فِي غَيْرِهِ لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [ الْبَقَرَةِ : 286 ] ( إِلَّا فِدْيَةَ الْأَذَى وَاللُّبْسِ وَنَحْوِهَا ) كَالتَّقْلِيمِ ، وَالطِّيبِ ( إِذَا وُجِدَ سَبَبُهَا فِي الْحِلِّ فَيُفَرِّقُهَا حَيْثُ 190 وُجِدَ سَبَبُهَا ) ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - أَمَرَ كَعْبًا بِهَا بِالْحُدَيْبِيَةِ ، وَهِيَ فِي الْحِلِّ ، وَاشْتَكَى الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ رَأْسَهُ فَحَلَقَهُ عَلِيٌّ ، وَنَحَرَ عَنْهُ جَزُورًا بِالسُّقْيَا . رَوَاهُ مَالِكٌ ، وَعَنْ أَحْمَدَ فِي الْحَرَمِ ، وَقَالَهُ الْخِرَقِيُّ : فِي غَيْرِ الْحَلْقِ ; لِأَنَّهُ الْأَصْلُ خُولِفَ فِيهِ لِمَا سَبَقَ ، وَاعْتَبَرَ فِي " الْمُجَرَّدِ " وَ " الْفُصُولِ " الْعُذْرَ فِي الْمَحْظُورِ ، وَإِلَّا فَغَيْرُ الْمَعْذُورِ كَسَائِرِ الْهَدْيِ ، وَعَنْهُ : فِي جَزَاءِ الصَّيْدِ حَيْثُ قَتَلَهُ كَحَلْقِ الرَّأْسِ ، وَهِيَ ضَعِيفَةٌ لِمُخَالَفَةِ الْكِتَابِ .
فَرْعٌ : وَقْتُ ذَبْحِهِ حِينَ فِعْلِهِ ، وَلَهُ الذَّبْحُ قَبْلَهُ لِعُذْرٍ كَكَفَّارَةِ قَتْلِ الْآدَمِيِّ .
( وَدَمُ الْإِحْصَارِ يُخْرِجُهُ حَيْثُ أُحْصِرَ ) مِنْ حِلٍّ أَوْ حَرَمٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمَّا أُحْصِرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ نَحَرُوا هَدْيَهُمْ وَحَلُّوا ، وَلِأَنَّهُ مَوْضِعُ تَحَلُّلِهِ فَكَانَ مَوْضِعَ ذَبْحِهِ كَالْحَرَمِ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَطْرَافِ الْحَرَمِ فَوَجْهَانِ ، وَعَنْهُ : لَيْسَ لِلْمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيِهِ إِلَّا فِي الْحَرَمِ فَيَبْعَثُهُ إِلَى الْحَرَمِ ، وَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى نَحْرِهِ فِي وَقْتِ تَحَلُّلِهِ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ; لِأَنَّهُ أَمْكَنَهُ النَّحْرُ فِي الْحَرَمِ أَشْبَهُ مَا لَوْ حُصِرَ فِيهِ ، وَحَمَلَهُ فِي " الْمُغْنِي " عَلَى مَا إِذَا كَانَ حَصْرُهُ خَاصًّا ، وَأَمَّا الْحَصْرُ الْعَامُّ فَلَا ، وَقَوْلُهُ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] وَقَوْلُهُ ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ [ الْحَجِّ : 33 ] فِي الْمُحْصَرِ ، وَلَا يُمْكِنُ قِيَاسُهُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ تَحَلُّلَ الْمَحْصَرِ مِنَ الْحِلِّ ، وَتَحَلُّلَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَرَمِ فَكَلٌّ يَنْحَرُ فِي مَوْضِعِ تَحَلُّلِهِ .
( وَأَمَّا الصِّيَامُ ) وَالْحَلْقُ وَهَدْيُ تَطَوُّعٍ ، ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، وَمَا سُمِّيَ نُسُكًا ( فَيُجْزِئُهُ بِكُلِّ مَكَانٍ ) لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا لِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ : الصَّوْمُ حَيْثُ شَاءَ لِعَدَمِ تَعَدِّي نَفْعِهِ ، وَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِمَكَانٍ بِخِلَافِ الْهَدْيِ 191 ( وَكُلُّ دَمٍ ذَكَرْنَاهُ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ أَوْ سُبُعُ بَدَنَةٍ ) لِقَوْلِهِ - تَعَالَى - : فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [ الْبَقَرَةِ : 196 ] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : شَاةٌ أَوْ شِرْكٌ فِي دَمٍ ، وَفَسَّرَ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - النُّسُكَ فِي خَبَرِ كَعْبٍ بِذَبْحِ شَاةٍ ، وَالْبَاقِي مَقِيسٌ ، فَإِنِ اخْتَارَ ذَبْحَ بَدَنَةٍ أَوْ بَقَرَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ ; لِأَنَّهُ أَوْفَرُ لَحْمًا ، وَأَنْفَعُ لِلْفُقَرَاءِ ، وَيَلْزَمُهُ كُلُّهَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَقِيلٍ كَمَا لَوِ اخْتَارَ الْأَعْلَى مِنْ خِصَالِ الْكَفَّارَةِ ، وَقِيلَ : سُبُعُهَا ، وَالْبَاقِي لَهُ أَكْلُهُ ، وَالتَّصَرُّفُ فِيهِ كَذَبْحِ سَبْعِ شِيَاهٍ ، وَهُوَ كَالْأُضْحِيَةِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، فَلَا يُجْزِئُ مَا لَا يُضَحَّى بِهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث