المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الثالث
الصفحة 1196 · ص. المطبوع 402 · الشرح
( وَإِنْ شَرَطَ ) هَذَا شُرُوعٌ فِي الشَّرْطِ الصَّحِيحِ ، وَقَدَّمَ الْفَاسِدَ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إِلَى الْعَدَمِ ( رَدَّ مَنْ جَاءَ مِنَ الرِّجَالِ مُسْلِمًا جَازَ ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - فَعَلَ ذَلِكَ . وَظَاهِرُهُ ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ ، وَمَحَلُّهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ . صَرَّحَ بِهِ الْجَمَاعَةُ فَأَمَّا مَعَ اسْتِظْهَارِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوَّتِهِمْ ، فَلَا . ( وَلَا يَمْنَعُهُمْ أَخْذَهُ ) لِأَنَّ ۝ أَبَا بَصِيرٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ فَجَاءُوا فِي طَلَبِهِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : إِنَّا لَا يَصْلُحُ فِي دِينِنَا الْغَدْرُ ، وَقَدْ عَلِمْتَ مَا عَاهَدْنَاهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَ لَكَ فَرَجًا وَمَخْرَجًا . فَرَجَعَ مَعَ الرَّجُلَيْنِ فَقَتَلَ أَحَدَهُمَا ، وَرَجَعَ فَلَمْ يَلُمْهُ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - . ( وَلَا يُجْبِرُهُ عَلَى ذَلِكَ ) لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ - لَمْ يُجْبِرْ أَبَا بَصِيرٍ ، وَلِأَنَّ فِي إِجْبَارِهِ عَلَى الْمُضِيِّ مَعَهُمْ إِجْبَارًا لَهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ . ( وَلَهُ أَنْ يَأْمُرَهُ ) سِرًّا ( بِقِتَالِهِمْ وَالْفِرَارِ مِنْهُمْ ) لِأَنَّهُ رُجُوعٌ إِلَى بَاطِلٍ فَكَانَ لَهُ الْأَمْرُ بِعَدَمِهِ ، كَالْمَرْأَةِ إِذَا سَمِعَتْ طَلَاقَهَا . وَفِي " التَّرْغِيبِ " يَعْرِضُ لَهُ أَنْ لَا يَرْجِعَ .
( وَعَلَى الْإِمَامِ حِمَايَةُ مَنْ هَادَنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ) لِأَنَّهُ أَمَّنَهُ مِمَّنْ هُوَ فِي قَبْضَتِهِ ، وَتَحْتَ 402 يَدِهِ ، وَكَذَا يَلْزَمُهُ حِمَايَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ . صَرَّحَ بِهِ أَكْثَرُ الْأَصْحَابِ ، وَتَرَكَهُ الْمُؤَلِّفُ لِظُهُورِهِ ؛ لِأَنَّهُ إِذَا وَجَبَتْ حِمَايَتُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ؛ فَلَأَنْ يَجِبَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى . فَعَلَى هَذَا لَوْ أَتْلَفَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَيْهِمْ شَيْئًا . فَعَلَيْهِ ضَمَانُهُ . ( دُونَ غَيْرِهِمْ ) أَيْ : لَيْسَ عَلَيْهِمْ حِمَايَتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَلَا حِمَايَةُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ؛ لِأَنَّ الْهُدْنَةَ الْتِزَامُ الْكَفِّ عَنْهُمْ فَقَطْ ؛ ( وَإِنْ سَبَاهُمْ كُفَّارٌ آخَرُونَ ) بِأَنْ أَغَارُوا عَلَيْهِمْ أَوْ سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا ؛ ( لَمْ يَجُزْ لَنَا شِرَاؤُهُمْ ) فِي الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّ الْأَمَانَ يَقْتَضِي رَفْعَ الْأَذَى عَنْهُمْ ، وَفِي اسْتِرْقَاقِهِمْ أَذًى لَهُمْ بِالْإِذْلَالِ بِالرِّقِّ ؛ فَلَمْ يَجُزْ كَسْبُهُمْ . وَالْوَاحِدُ كَالْكُلِّ . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ اسْتِنْقَاذُهُمْ ، وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ رِوَايَةً مَنْصُوصَةً : لَنَا شِرَاؤُهُمْ مِنْ سَابِيهِمْ ، وَذَكَرَهُ فِي " الشَّرْحِ " احْتِمَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْهُمْ ؛ فَلَا يَحْرُمُ اسْتِرْقَاقُهُمْ ، بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، وَيَنْبَنِي عَلَيْهِمَا : لَوْ ظَهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الَّذِينَ أَسَرُوهُمْ ، وَأَخَذُوا مَالَهُمْ ، وَاسْتَنْفَذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ ، لَمْ يَلْزَمْهُ رَدٌّ ، عَلَى الثَّانِي لَا الْأَوَّلِ . وَيَجُوزُ لَنَا شِرَاءُ وَلَدِهِمْ وَأَهْلِهِمْ مِنْهُ إِذَا بَاعَهُ كَحَرْبِيٍّ ، وَعَنْهُ : يَحْرُمُ كَذِمَّةٍ ؛ وَلِأَنَّهُمْ فِي أَمَانٍ مِنَّا ، وَكَمَا لَوْ سَبَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا فَبَاعَهُ مِنَّا بِخِلَافِ مَا إِذَا سَبَى بَعْضُهُمْ وَلَدَ بَعْضٍ ، وَبَاعَهُ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ .
( وَإِنْ خَافَ نَقْضَ الْعَهْدِ مِنْهُمْ ، نَبَذَ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ ) بِخِلَافِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، فَيَقُولُ لَهُمْ : قَدْ نَبَذْتُ عَهْدَكُمْ ، وَعُدْتُمْ حَرْبًا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ [ الْأَنْفَالِ : 58 ] . يَعْنِي : أَعْلَمَهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ حَتَّى 403 تَصِيرَ أَنْتَ وَهُمْ سَوَاءً فِي الْعِلْمِ ، وَيَجِبُ إِعْلَامُهُمْ قَبْلَ الْإِغَارَةِ . وَفِي " التَّرْغِيبِ " : إِنْ صَدَرَ مِنْهُمْ خِيَانَةٌ ، فَإِنْ عَلِمُوا أَنَّهَا خِيَانَةٌ أَغَظْنَاهُمْ ؛ وَإِلَّا فَوَجْهَانِ : فَلَوْ نَقَضَهُ وَفِي دَارِنَا مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَجَبَ رَدُّهُ إِلَى مَأْمَنِهِ لِأَنَّهُمْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ حَقٌّ اسْتُوفِيَ ؛ وَيُنْتَقَضُ عَهْدُ نِسَاءٍ وَذُرِّيَّةٍ تَبَعًا لَهُمْ . وَفِي جَوَازِ قَتْلِ رَهَائِنِهِمْ بِقَتْلِهِمْ رَهَائِنَنَا رِوَايَتَانِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث