المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
الصفحة 1339 · ص. المطبوع 194 · الشرح
فَصْلٌ
( الْخَامِسُ : أَنْ يَكُونَ الْمُسْلَمُ فِيهِ عَامَّ الْوُجُودِ فِي مَحِلِّهِ ) غَالِبًا بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ لِوُجُوبِ تَسْلِيمِهِ إِذَنْ ( فَإِنْ كَانَ لَا يُوجَدُ فِيهِ ) لَمْ يَصِحَّ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَسْلِيمُهُ غَالِبًا عِنْدَ وُجُوبِهِ أَشْبَهَ بَيْعَ الْآبِقِ بَلْ أَوْلَى ( أَوْ لَا يُوجَدُ إِلَّا نَادِرًا كَالسَّلَمِ فِي الْعِنَبِ ، وَالرُّطَبِ إِلَى غَيْرِ وَقْتِهِ ) ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِيهِمَا إِلَى شُبَاطَ ، أَوْ آذَارَ لَمْ يَصِحَّ ) لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ انْقِطَاعُهُ ، فَلَا يَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ الْقُدْرَةُ عَلَى تَسْلِيمِهِ عِنْدَ وُجُودِهِ ، كَمَا لَوْ أَسْلَمَ فِي جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ وُجُودُهُ حَالَ الْعَقْدِ ، وَكَذَا لَا يُشْتَرَطُ عَدَمُهُ فِي الْأَصَحِّ حَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدُوسٍ ( وَإِنْ أَسْلَمَ فِي ثَمَرَةِ بُسْتَانٍ بِعَيْنِهِ ، أَوْ قَرْيَةٍ صَغِيرَةٍ ) ، أَوْ فِي نِتَاجٍ مِنْ فَحْلِ بَنِي فُلَانٍ ، أَوْ غَنَمِهِ ، أَوْ فِي مِثْلِ هَذَا الثَّوْبِ ( لَمْ يَصِحَّ ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ تَلَفُهُ ، وَانْقِطَاعُهُ أَشْبَهَ مَا لَوْ أَسْلَمَ فِي شَيْءٍ قَدَّرَهُ بِمِكْيَالٍ مَعْلُومٍ ، أَوْ صَنْجَةٍ بِعَيْنِهَا . دَلِيلُ الْأَصْلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ۝ أَنَّهُ أَسْلَفَ إِلَيْهِ يَهُودِيٌّ مِنْ تَمْرِ حَائِطِ بَنِي فُلَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَمَّا حَائِطُ بَنِي فُلَانٍ ، فَلَا . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَرَوَاهُ الْجَوْزَجَانِيُّ فِي الْمُتَرْجِمِ ، وَقَالَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى كَرَاهَةِ هَذَا الْبَيْعِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : الْمَنْعُ مِنْهُ كَالْإِجْمَاعِ لِاحْتِمَالِ الْجَائِحَةِ . وَنَقَلَ أَبُو طَالِبٍ ، وَغَيْرُهُ يَصِحُّ إِذَا بَدَا صَلَاحُهُ ، أَوِ اسْتَحْصَدَ ، وَاحْتَجَّ بِابْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِذَا كَانَ قَدْ بَلَغَ وَأُمِنَتْ عَلَيْهِ الْجَائِحَةُ وَيُعَارِضُهُ مَا سَبَقَ ( وَإِنْ أَسْلَمَ إِلَى مَحِلٍّ يُوجَدُ فِيهِ عَامًّا ، فَانْقَطَعَ ) بِأَنْ لَمْ تَحْمِلِ الثِّمَارُ 194 تِلْكَ السَّنَةَ مَثَلًا ( خُيِّرَ ) الْمُسْلِمُ ( بَيْنَ الصَّبْرِ ) إِلَى أَنْ يُوجَدَ فَيُطَالِبَ بِهِ ( وَبَيْنَ الْفَسْخِ ) كَغَيْرِهِ ( وَالرُّجُوعِ بِرَأْسِ مَالِهِ ) أَيْ : مَعَ وُجُودِهِ ؛ لِأَنَّ الْعَقْدَ إِذَا زَالَ وَجَبَ رَدُّ الثَّمَنِ وَيَجِبُ رَدُّ عَيْنِهِ إِنْ كَانَ بَاقِيًا ؛ لِأَنَّهُ عَيْنُ حَقِّهِ ( أَوْ عِوَضِهِ إِنْ كَانَ مَعْدُومًا ) لِتَعَذُّرِ رَدِّهِ ، ثُمَّ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا اسْتَحَقَّ مِثْلَهُ ، وَإِلَّا قِيمَتُهُ كَالْمُتْلَفِ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ : خُيِّرَ ( وَفِي الْآخَرِ يَنْفَسِخُ بِنَفْسِ التَّعَذُّرِ ) لِكَوْنِ الْمُسْلِمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ بِدَلِيلِ وُجُوبِ التَّسْلِيمِ مِنْهَا أَشْبَهَ مَا لَوْ بَاعَهُ قَفِيزًا مِنْ صُبْرَةٍ فَهَلَكَتْ فَيَرْجِعُ بِرَأْسِ مَالِهِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الْأَشْهَرُ ، وَالْأَصَحُّ ، فَإِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا تَعَذَّرَ التَّسْلِيمُ فَهُوَ كَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأَبَقَ قَبْلَ الْقَبْضِ ، وَلِأَنَّهُمَا لَوْ تَرَاضَيَا عَلَى دَفْعِ الْمُسْلَمِ فِيهِ مِنْ ثَمَرَةِ الْعَامِ جَازَ ، وَإِنَّمَا أُجْبِرَ عَلَى الدَّفْعِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ بِصِفَةِ حَقِّهِ .
تَنْبِيهٌ : إِذَا أَخَّرَ الْقَبْضَ فِي أَوَانِهِ مَعَ إِمْكَانِهِ فَهَلْ يَلْزَمُهُ الصَّبْرُ إِلَى أَوَانِهِ بَعْدُ ، أَوْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْفَسْخِ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَقِيلَ : إِنْ تَعَذَّرَ بَعْضُهُ فَسَخَ الْكُلَّ ، أَوْ صَبَرَ .
فَرْعٌ : إِذَا أَسْلَمَ ذِمِّيٌّ إِلَى ذِمِّيٍّ فِي خَمْرٍ ، فَأَسْلَمَ أَحَدُهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ كُلُّ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ أَنَّ الْمُسْلِمَ يَأْخُذُ دَرَاهِمَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ اسْتِيفَاءُ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ ، وَالْآخِرَ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الْإِيفَاءُ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث