المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
فَصْلٌ
( الثَّالِثُ : بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ ) عَلَى الْغُرَمَاءِ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ بَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَلِفِعْلِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ يُحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالسَّفِيهِ ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَسَمَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ( وَيَنْبَغِي ) أَيْ : يُسْتَحَبُّ ( أَنْ يَحْضُرَهُ ) أَيِ : الْمُفْلِسُ وَقْتَ الْبَيْعِ لِفَوَائِدَ مِنْهَا : أَنْ يَحْضُرَ ثَمَنَ مَتَاعِهِ وَيَضْبُطَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْجَيِّدِ مِنْ مَتَاعِهِ ، فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا : أَنَّهُ تَكْثُرُ فِيهِ الرَّغْبَةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ ، وَوَكِيلُهُ كَهُوَ . قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " .
323 ( وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ ) ، لِأَنَّهُ لَهُمْ وَرُبَّمَا رَغِبُوا فِي شَيْءٍ فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ وَأَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ ، وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ : وَرُبَّمَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُهَا .
( وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ ) ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ ، فَلَوْ بَاعَهُ فِي غَيْرِ سُوقِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ صَحَّ ، لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ كَالْوَكَالَةِ وَيَبِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، لِأَنَّهُ أَصْلَحُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ بَاعَ بِأَغْلَبِهَا ، فَإِنْ تَسَاوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ ( وَ ) يَجِبُ أَنْ ( يَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَبِعْ فِي دَيْنِهِ كَكِتَابِهِ وَقُوتِهِ ، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِإِحْدَاهُمَا ، أَوْ كَانَتْ وَاسِعَةً تَفَضُلُ عَنْ مَسْكَنِ مِثْلِهِ بِيعَ ، وَكَذَا الْخَادِمُ إِذَا كَانَ نَفِيسًا ( وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَخْلُوَ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ، لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكُسْوَتِهِمْ ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَتَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَكُسْوَتِهَا ، وَكَذَا أَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ ، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا أَدْنَى مَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِ وَيُكْسَى وَتُتْرَكُ لَهُ آلَةُ حِرْفَةٍ ، أَوْ مَا يَتَّجِرُ بِهِ إِنْ عَدِمَهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي " الْمُوجَزِ " ، وَ " التَّبْصِرَةِ " وَفَرَسٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا . وَنَقَلَ 324 عَبْدُ اللَّهِ : يُبَاعُ الْكُلُّ إِلَّا الْمَسْكَنَ ، وَمَا يُوَارِيهِ مِنْ ثِيَابٍ وَخَادِمًا يَحْتَاجُهُ ( وَيَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ ) كَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُهُ بِيَقِينٍ ( ثُمَّ بِالْحَيَوَانِ ) ، لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْإِتْلَافِ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةٍ فِي بَقَائِهِ ( ثُمَّ بِالْأَثَاثِ ) ، لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ وَتَنَالُهُ الْأَيْدِي ( ثُمَّ بِالْعَقَارِ ) ، لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَلَفُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَبَقَاؤُهُ أَشْهَرُ لَهُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ ، وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُفْلِسِ فَقَطْ إِذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقًّا . قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " ( وَيُعْطِي الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ ) ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حَقٌّ عَلَى الْمُفْلِسِ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ ، وَقِيلَ : أُجْرَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ إِمْكَانِهِ ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَمِنَ الْمَالِ ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْمَتَاعَ وَيَحْمِلُهُ وَنَحْوِهِمَا ، وَقِيلَ : لَا يُنَادَى عَلَى عَقَارٍ بَلْ يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ . وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى ثِقَةٍ أَمْضَاهُ الْحَاكِمُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ رَدَّهُ بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ إِذَا اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهَنُ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْحَاكِمِ هُنَا نَظَرًا ، فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُفْلِسُ فِي ثِقَةٍ ، وَالْغُرَمَاءُ فِي آخَرَ قَدَّمَ الْمُتَطَوِّعَ مِنْهُمَا ، وَإِلَّا قَدَّمَ أَوْثَقَهُمَا وَأَعْرَفَهُمَا . قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا ، وَفِي " الْفُرُوعِ " قَدَّمَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَالْمُرَادُ مَعَ التَّسَاوِي ( وَيَبْدَأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ) أَيْ : إِذَا كَانَ عَبْدُهُ الْجَانِيَ ، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ يَفُوتُ بِفَوَاتِهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الْجَانِيَ ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ ( فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَرْشِ ، أَوْ ثَمَنَ الْجَانِي ) ، لِأَنَّ الْأَقَلَّ إِنْ كَانَ الْأَرْشَ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنَ الْجَانِي فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الْجَانِي عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ قُسِّمَ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ ( ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ ) كَذَا أَطْلَقَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْوَجِيزِ " 325 وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِاللُّزُومِ ( فَيَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ ) أَيْ : يُبَاعُ سَوَاءٌ كَانَ بِقَدْرِ دَيْنِهِ أَوْ لَا ، وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسُ حَيًّا ، أَوْ مَيِّتًا ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ ، وَعَنْهُ : إِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ ، أَوْ أَفْلَسَ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ قَبْضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَخْتَصُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ عَلَى الْأَصَحِّ .
( فَإِنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ) ، لِأَنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي ذَلِكَ ( وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الرَّهْنِ ( فَضْلٌ رُدَّ عَلَى الْمَالِ ) ، لِأَنَّهُ انْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ بِالْوَفَاءِ فَصَارَ كَسَائِرِ مَالِ الْمُفْلِسِ .
أَصْلٌ : لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ مُسْتَأْجِرِ الْعَيْنِ حَيْثُ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ ، وَالْمَنْفَعَةِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ ( ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ يَأْخُذُهَا ) بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ ( ثُمَّ يُقْسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ ) لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ فِي تَعَلُّقِهَا بِذِمَّةِ الْمُفْلِسِ ( عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ ) ، لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمْ وَمُرَاعَاةً لِكَمِّيَّةِ حُقُوقِهِمْ ، فَلَوْ قَضَى الْحَاكِمُ ، أَوِ الْمُفْلِسُ بَعْضَهُمْ لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ ، فَلَمْ يَجُزِ اخْتِصَاصُهُ دُونَهُمْ ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " ، وَ " الْفُصُولِ " ، وَغَيْرِهِمَا لِئَلَّا يَأْخُذَ أَحَدُهُمْ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ( فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي رِوَايَةً وَاحِدَةً ، لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا لَهُ ، فَلَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ ( وَعَنْهُ : 326 يَحِلُّ ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ رَبِّهِ ، وَلِأَنَّ الْإِفْلَاسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّيْنُ بِالْمَالِ فَأَسْقَطَ الْأَجَلَ كَالْمَوْتِ ( وَيُشَارِكُهُمْ ) كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ ، وَعَنْهُ : إِنْ وُثِّقَ لَمْ يَحِلَّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ وَالْأَجَلِ . نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ مَرْدُودٌ بِالْمَنْعِ ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُفَرَّقُ ، فَإِنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ ، بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يُوقَفُ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ إِذَا حَلَّ . نَعَمْ إِذَا حَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ شَارَكَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قِسْمَةِ الْبَعْضِ شَارَكَهُمْ فِي الْبَاقِي بِجَمِيعِ دَيْنِهِ وَيَضْرِبُ بَاقِي الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ .
( وَمَنْ مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ ) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ ( إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ ) بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ ، أَوِ الدَّيْنِ بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ ، أَوْ رَهْنٍ ، لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَوُرِّثَ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ إِذَا لَمْ يُوَثِّقُوا عَلَى الْأَشْهَرِ ، جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ لَغَلَبَةِ الضَّرَرِ ( وَعَنْهُ : يَحِلُّ ) ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، أَوِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ ، فَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِخَرَابِهَا وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا الدَّيْنَ ، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ ، وَالثَّالِثُ مَمْنُوعٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ ، لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الْمَيِّتِ ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِدَيْنِهِ ، وَعَلَى صَاحِبِ الْمَالِ لِتَأَخُّرِ حَقِّهِ ، وَقَدْ يَسْقُطُ لِتَلَفِ الْعَيْنِ ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبِلَهُ رَبُّهُ ، وَعَنْهُ : لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ كَدَيْنِهِ .
مَسَائِلُ : الْأُولَى : إِذَا وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : يَحِلُّ لِعَدَمِ 327 وَارِثٍ مُعَيَّنٍ وَلِهَذَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ الْأَرَاضِيَ ، وَإِنْ كَانَتْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالثَّانِي : يَنْتَقِلُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ .
الثَّانِيَةُ : ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا جُنَّ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " كَمَا سَبَقَ ، وَكَذَا فِي حِلِّهِ بِجُنُونٍ .
الثَّالِثَةُ : إِذَا مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَدَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، وَقُلْنَا : لَا يَحِلُّ ، وَمَالُهُ بِقَدَرِ الْحَالِّ فَهَلْ يَتْرُكُ لَهُ مَا يَخُصُّهُ لِيَأْخُذَهُ ، أَوْ يُوَفَّى الْحَالُّ ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَرَثَتِهِ صَاحِبُ الْمُؤَجَّلِ بِحِصَّتِهِ إِذَا حَلَّ ، أَوْ لَا يَرْجِعُ ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ .
الرَّابِعَةُ : إِذَا مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُمْنَعْ نَقْلُ التَّرِكَةِ إِلَى الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ تَصَرَّفُوا فِيهَا ، صَحَّ كَتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي الْجَانِي ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ فُسِخَ تَصَرُّفُهُمْ ، وَعَنْهُ : يُمْنَعُ ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ مَيِّتٍ ، وَالتَّرِكَةُ رَهْنٌ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " الدَّيْنُ ، وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُهُ مَنِ التَّصَرُّفِ نَظَرًا لَهُ ، فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، وَالْوَرَثَةِ إِلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ ، وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا : لَمْ يَحِلَّ عَلَى غَيْرِهِ .
( وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ ) لَمْ يُنْقَضْ خِلَافًا لِـ " الْكَافِي " ( رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ ) ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا شَارَكَهُمْ ، فَكَذَا إِذَا ظَهَرَ ، وَفِي " الْمُغْنِي " هِيَ قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا كَقَسْمِهِ أَرْضًا ، أَوْ مِيرَاثًا ، ثُمَّ بَانَ شَرِيكٌ ، أَوْ وَارِثٌ قَالَ الْأَزَجِّيُّ : فَلَوْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ اقْتَسَمَهَا غَرِيمَاهُ نِصْفَيْنِ ، ثُمَّ ظَهَرَ ثَالِثٌ دَيْنُهُ كَدَيْنِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِثُلُثِ مَا قَبَضَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَتْلَفَ 328 مَا قَبَضَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الثَّالِثَ يَأْخُذُ مِنَ الْآخَرِ ثُلُثَ مَا قَبَضَهُ زِيَادَةً .
فَرْعٌ : ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ : لَوْ وَصَلَ مَالٌ لِغَائِبٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً إِنْ طَالَبَا جَمِيعًا اشْتَرَكَا ، وَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا اخْتُصَّ بِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ وَعَدَمَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَمُرَادُهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ أَصْلًا ، وَإِلَّا شَارَكَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ .
( وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ ) مِنَ الدُّيُونِ ( وَلَهُ صَنْعَةٌ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) الْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُجْبَرُ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَاعَ سَرَقًا فِي دَيْنِهِ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ ، إِذِ الْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، فَكَذَا هُنَا ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ إِجْبَارُهُ عَلَيْهَا كَبَيْعِ مَالِهِ وَكَوَقْفٍ وَأُمِّ وَلَدٍ اسْتُغْنِيَ عَنْهَا ، وَالثَّانِيَةُ : لَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [ الْبَقَرَةِ : 280 ] وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِأَنَّهُ تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَقَبُولِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَزْوِيجِ أُمِّ وَلَدٍ وَرَدِّ مَبِيعٍ وَإِمْضَائِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَعَ الْأَحَظِّ وَأَخْذِ دِيَةٍ عَنْ قَوَدٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ ، وَادِّعَاءُ الْفَسْخِ فِي الْحَدِيثِ بَعِيدٌ ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ بِالِاحْتِمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ كَانَ جَائِزًا فِي وَقْتٍ فِي شَرِيعَتِنَا ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِبَيْعِهِ بَيْعُ مَنَافِعِهِ مَعَ أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ حَمْلِهِ النَّسْخَ ، وَحِينَئِذٍ يَبْقَى الْحَجْرُ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ إِلَى الْوَفَاءِ ، وَلَوْ 329 طَلَبُوا إِعَادَتَهُ لِمَا بَقِيَ بَعْدَ فَكِّ الْحَاكِمِ ، لَمْ يُجِبْهُمْ ( وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ ) ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ ، فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِهِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، وَقِيلَ : يَزُولُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ ، لِأَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ زَالَ الْحَجْرُ كَزَوَالِ حَجْرِ الْمَجْنُونِ بِزَوَالِ جُنُونِهِ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ فَزَالَ بِزَوَالِهِ بِخِلَافِ هَذَا ، وَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ وَبَحْثٍ فَوَقَفَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ ( فَإِذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ ) وَظَهَرَ لَهُ مَالٌ ( وَحُجِرَ عَلَيْهِ شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْمُشَارَكَةِ كَغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ ، وَالْآخَرِينَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا ( فَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ ) لَمْ يُجْبَرْ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ ( لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا ) ، لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ مِلْكًا لِغَرِيمِهِمْ لِتَتَعَلَّقَ حُقُوقُهُمْ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْمَرْأَةِ تَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ زَوْجِهَا لِتَتَعَلَّقَ نَفَقَتُهَا بِهِ ، وَكَالْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِمْ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ إِذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ثَبَتَ الْمَالُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ .
( الثَّالِثُ : بَيْعُ الْحَاكِمِ مَالَهُ وَقَسْمُ ثَمَنِهِ ) عَلَى الْغُرَمَاءِ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا حَجَرَ عَلَى مُعَاذٍ بَاعَ مَالَهُ فِي دَيْنِهِ وَقَسَمَ ثَمَنَهُ بَيْنَ غُرَمَائِهِ وَلِفِعْلِ عُمَرَ ، وَلِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ يُحْتَاجُ إِلَى قَضَاءِ دَيْنِهِ فَجَازَ بَيْعُ مَالِهِ بِغَيْرِ رِضَاهُ كَالسَّفِيهِ ، وَلَا يُبَاعُ إِلَّا بِثَمَنِ مِثْلِهِ الْمُسْتَقِرِّ فِي وَقْتِهِ ، أَوْ أَكْثَرَ ، لَكِنْ إِنْ كَانَ مَالُهُ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَسَمَهُ عَلَى الْغُرَمَاءِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ ، صَرَّحَ بِهِ فِي " الشَّرْحِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " ( وَيَنْبَغِي ) أَيْ : يُسْتَحَبُّ ( أَنْ يَحْضُرَهُ ) أَيِ : الْمُفْلِسُ وَقْتَ الْبَيْعِ لِفَوَائِدَ مِنْهَا : أَنْ يَحْضُرَ ثَمَنَ مَتَاعِهِ وَيَضْبُطَهُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْجَيِّدِ مِنْ مَتَاعِهِ ، فَإِذَا حَضَرَ تَكَلَّمَ عَلَيْهِ وَمِنْهَا : أَنَّهُ تَكْثُرُ فِيهِ الرَّغْبَةُ وَمِنْهَا أَنَّهُ أَطْيَبُ لِنَفْسِهِ وَأَسْكَنُ لِقَلْبِهِ ، وَوَكِيلُهُ كَهُوَ . قَالَهُ فِي " الْبُلْغَةِ " .
323 ( وَيَحْضُرَ الْغُرَمَاءُ ) ، لِأَنَّهُ لَهُمْ وَرُبَّمَا رَغِبُوا فِي شَيْءٍ فَزَادُوا فِي ثَمَنِهِ وَأَطْيَبُ لِقُلُوبِهِمْ ، وَأَبْعَدُ لِلتُّهْمَةِ قَالَ فِي " الشَّرْحِ " وَغَيْرِهِ : وَرُبَّمَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُهَا .
( وَيَبِيعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي سُوقِهِ ) ، لِأَنَّهُ أَحْوَطُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ ، فَلَوْ بَاعَهُ فِي غَيْرِ سُوقِهِ بِثَمَنِ مِثْلِهِ صَحَّ ، لِأَنَّ الْغَرَضَ تَحْصِيلُ الثَّمَنِ كَالْوَكَالَةِ وَيَبِيعَ بِنَقْدِ الْبَلَدِ ، لِأَنَّهُ أَصْلَحُ ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ نُقُودٌ بَاعَ بِأَغْلَبِهَا ، فَإِنْ تَسَاوَتْ بَاعَ بِجِنْسِ الدَّيْنِ ( وَ ) يَجِبُ أَنْ ( يَتْرُكَ لَهُ مِنْ مَالِهِ مَا تَدْعُو إِلَيْهِ حَاجَتُهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ ) ، لِأَنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا غِنَى لَهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَبِعْ فِي دَيْنِهِ كَكِتَابِهِ وَقُوتِهِ ، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ دَارَانِ يَسْتَغْنِي بِإِحْدَاهُمَا ، أَوْ كَانَتْ وَاسِعَةً تَفَضُلُ عَنْ مَسْكَنِ مِثْلِهِ بِيعَ ، وَكَذَا الْخَادِمُ إِذَا كَانَ نَفِيسًا ( وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ إِلَى أَنْ يَخْلُوَ مِنْ قَسْمِهِ بَيْنَ غُرَمَائِهِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ ، لِأَنَّ مِلْكَهُ بَاقٍ عَلَيْهِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَذَكَرَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " أَنَّهُ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضِ الْمُؤَلِّفُ لِنَفَقَةِ عِيَالِهِ وَكُسْوَتِهِمْ ، وَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ نَفَقَةِ زَوْجَتِهِ وَتَكُونُ دَيْنًا عَلَيْهِ وَكُسْوَتِهَا ، وَكَذَا أَوْلَادُهُ وَأَقَارِبُهُ ، وَالْوَاجِبُ فِيهِمَا أَدْنَى مَا يُنْفَقُ عَلَى مِثْلِهِ وَيُكْسَى وَتُتْرَكُ لَهُ آلَةُ حِرْفَةٍ ، أَوْ مَا يَتَّجِرُ بِهِ إِنْ عَدِمَهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَفِي " الْمُوجَزِ " ، وَ " التَّبْصِرَةِ " وَفَرَسٌ يَحْتَاجُ إِلَى رُكُوبِهَا . وَنَقَلَ 324 عَبْدُ اللَّهِ : يُبَاعُ الْكُلُّ إِلَّا الْمَسْكَنَ ، وَمَا يُوَارِيهِ مِنْ ثِيَابٍ وَخَادِمًا يَحْتَاجُهُ ( وَيَبْدَأُ بِبَيْعِ مَا يُسْرِعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ ) كَالْفَاكِهَةِ وَنَحْوِهَا ، لِأَنَّ بَقَاءَهُ يُتْلِفُهُ بِيَقِينٍ ( ثُمَّ بِالْحَيَوَانِ ) ، لِأَنَّهُ مُعَرَّضٌ لِلْإِتْلَافِ وَيَحْتَاجُ إِلَى مُؤْنَةٍ فِي بَقَائِهِ ( ثُمَّ بِالْأَثَاثِ ) ، لِأَنَّهُ يُخَافُ عَلَيْهِ وَتَنَالُهُ الْأَيْدِي ( ثُمَّ بِالْعَقَارِ ) ، لِأَنَّهُ لَا يُخَافُ تَلَفُهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ وَبَقَاؤُهُ أَشْهَرُ لَهُ وَأَكْثَرُ لِطُلَّابِهِ ، وَالْعُهْدَةُ عَلَى الْمُفْلِسِ فَقَطْ إِذَا ظَهَرَ مُسْتَحِقًّا . قَالَهُ فِي " الشَّرْحِ " ( وَيُعْطِي الْمُنَادِيَ أُجْرَتَهُ مِنَ الْمَالِ ) ، لِأَنَّ الْبَيْعَ حَقٌّ عَلَى الْمُفْلِسِ لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى وَفَاءِ دَيْنِهِ ، وَهَذَا إِذَا لَمْ يُوجَدْ مُتَبَرِّعٌ ، وَقِيلَ : أُجْرَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ مَعَ إِمْكَانِهِ ، لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ ، فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ فَمِنَ الْمَالِ ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْمَتَاعَ وَيَحْمِلُهُ وَنَحْوِهِمَا ، وَقِيلَ : لَا يُنَادَى عَلَى عَقَارٍ بَلْ يُعْلَمُ بِهِ أَهْلُ الْبَلَدِ ، وَقَالَهُ الْقَاضِي وَجَمَاعَةٌ . وَيُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ ثِقَةً ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْكُلُّ عَلَى ثِقَةٍ أَمْضَاهُ الْحَاكِمُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثِقَةٍ رَدَّهُ بِخِلَافِ الْمَرْهُونِ إِذَا اتَّفَقَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهَنُ عَلَى غَيْرِ ثِقَةٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ رَدُّهُ ، وَالْفَرْقُ أَنَّ لِلْحَاكِمِ هُنَا نَظَرًا ، فَإِنَّهُ قَدْ يَظْهَرُ غَرِيمٌ آخَرُ ، فَإِنِ اخْتَلَفَ الْمُفْلِسُ فِي ثِقَةٍ ، وَالْغُرَمَاءُ فِي آخَرَ قَدَّمَ الْمُتَطَوِّعَ مِنْهُمَا ، وَإِلَّا قَدَّمَ أَوْثَقَهُمَا وَأَعْرَفَهُمَا . قَالَهُ ابْنُ الْمُنَجَّا ، وَفِي " الْفُرُوعِ " قَدَّمَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا ، وَالْمُرَادُ مَعَ التَّسَاوِي ( وَيَبْدَأُ بِالْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ ) أَيْ : إِذَا كَانَ عَبْدُهُ الْجَانِيَ ، لِأَنَّ الْحَقَّ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ يَفُوتُ بِفَوَاتِهَا بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ ، فَلَوْ كَانَ هُوَ الْجَانِيَ ، فَالْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالذِّمَّةِ ( فَيَدْفَعُ إِلَيْهِ الْأَقَلَّ مِنَ الْأَرْشِ ، أَوْ ثَمَنَ الْجَانِي ) ، لِأَنَّ الْأَقَلَّ إِنْ كَانَ الْأَرْشَ فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ إِلَّا أَرْشَ الْجِنَايَةِ ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنَ الْجَانِي فَهُوَ لَا يَسْتَحِقُّ غَيْرَهُ ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِهِ ، فَعَلَى هَذَا إِذَا فَضَلَ شَيْءٌ مِنْ ثَمَنِ الْجَانِي عَنْ أَرْشِ الْجِنَايَةِ قُسِّمَ عَلَى بَقِيَّةِ الْغُرَمَاءِ ( ثُمَّ بِمَنْ لَهُ رَهْنٌ ) كَذَا أَطْلَقَهُ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْوَجِيزِ " 325 وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِاللُّزُومِ ( فَيَخْتَصُّ بِثَمَنِهِ ) أَيْ : يُبَاعُ سَوَاءٌ كَانَ بِقَدْرِ دَيْنِهِ أَوْ لَا ، وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ بِثَمَنِهِ بِشَرْطِهِ ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمُفْلِسُ حَيًّا ، أَوْ مَيِّتًا ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِعَيْنِ الرَّهْنِ وَذِمَّةِ الرَّاهِنِ بِخِلَافِ الْغُرَمَاءِ ، وَعَنْهُ : إِذَا مَاتَ الرَّاهِنُ ، أَوْ أَفْلَسَ فَالْمُرْتَهِنُ أَحَقُّ بِهِ ، وَلَمْ يُعْتَبَرْ وُجُودُ قَبْضِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ أَوْ قَبْلَهُ ، وَفِي " الرِّعَايَةِ " يَخْتَصُّ بِثَمَنِ الرَّهْنِ عَلَى الْأَصَحِّ .
( فَإِنْ فَضَلَ لَهُ فَضْلٌ ضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ ) ، لِأَنَّهُ سَاوَاهُمْ فِي ذَلِكَ ( وَإِنْ فَضَلَ مِنْهُ ) أَيْ : مِنَ الرَّهْنِ ( فَضْلٌ رُدَّ عَلَى الْمَالِ ) ، لِأَنَّهُ انْفَكَّ مِنَ الرَّهْنِ بِالْوَفَاءِ فَصَارَ كَسَائِرِ مَالِ الْمُفْلِسِ .
أَصْلٌ : لَمْ يَذْكُرِ الْمُؤَلِّفُ حُكْمَ مُسْتَأْجِرِ الْعَيْنِ حَيْثُ أَفْلَسَ الْمُؤَجِّرُ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، لِأَنَّ حَقَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِالْعَيْنِ ، وَالْمَنْفَعَةِ وَهِيَ مَمْلُوكَةٌ لَهُ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ بِخِلَافِ مَا لَوِ اسْتَأْجَرَهَا فِي الذِّمَّةِ ، فَإِنَّهُ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ لِعَدَمِ تَعَلُّقِ حَقِّهِ بِالْعَيْنِ ( ثُمَّ بِمَنْ لَهُ عَيْنُ مَالٍ يَأْخُذُهَا ) بِالشُّرُوطِ السَّابِقَةِ ( ثُمَّ يُقْسِّمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ بَاقِي الْغُرَمَاءِ ) لِتَسَاوِي حُقُوقِهِمْ فِي تَعَلُّقِهَا بِذِمَّةِ الْمُفْلِسِ ( عَلَى قَدْرِ دُيُونِهِمْ ) ، لِأَنَّ فِيهِ تَسْوِيَةً بَيْنَهُمْ وَمُرَاعَاةً لِكَمِّيَّةِ حُقُوقِهِمْ ، فَلَوْ قَضَى الْحَاكِمُ ، أَوِ الْمُفْلِسُ بَعْضَهُمْ لَمْ يَصِحَّ ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ ، فَلَمْ يَجُزِ اخْتِصَاصُهُ دُونَهُمْ ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ بَيَانُ أَنْ لَا غَرِيمَ سِوَاهُمْ بِخِلَافِ الْوَرَثَةِ ، ذَكَرَهُ فِي " التَّرْغِيبِ " ، وَ " الْفُصُولِ " ، وَغَيْرِهِمَا لِئَلَّا يَأْخُذَ أَحَدُهُمْ مَا لَا حَقَّ لَهُ فِيهِ ( فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَهُ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ ) هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الْمَعْرُوفُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي رِوَايَةً وَاحِدَةً ، لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمُفْلِسِ ، فَلَا يَسْقُطُ بِفَلَسِهِ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَلِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا لَهُ ، فَلَا يُوجِبُ حُلُولَ مَا عَلَيْهِ كَالْإِغْمَاءِ ( وَعَنْهُ : 326 يَحِلُّ ) حَكَاهَا أَبُو الْخَطَّابِ دَفْعًا لِلضَّرَرِ عَنْ رَبِّهِ ، وَلِأَنَّ الْإِفْلَاسَ يَتَعَلَّقُ بِهِ الدَّيْنُ بِالْمَالِ فَأَسْقَطَ الْأَجَلَ كَالْمَوْتِ ( وَيُشَارِكُهُمْ ) كَبَقِيَّةِ الدُّيُونِ الْحَالَّةِ ، وَعَنْهُ : إِنْ وُثِّقَ لَمْ يَحِلَّ لِزَوَالِ الضَّرَرِ وَالْأَجَلِ . نَقَلَهَا ابْنُ مَنْصُورٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقِيَاسُهُمْ عَلَى الْمَوْتِ مَرْدُودٌ بِالْمَنْعِ ، ثُمَّ بِتَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ يُفَرَّقُ ، فَإِنَّ ذِمَّةَ الْمَيِّتِ خَرِبَتْ ، بِخِلَافِ الْمُفْلِسِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يُوقَفُ لَهُ شَيْءٌ ، وَلَا يَرْجِعُ عَلَى الْغُرَمَاءِ إِذَا حَلَّ . نَعَمْ إِذَا حَلَّ قَبْلَ الْقِسْمَةِ شَارَكَهُمْ ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ قِسْمَةِ الْبَعْضِ شَارَكَهُمْ فِي الْبَاقِي بِجَمِيعِ دَيْنِهِ وَيَضْرِبُ بَاقِي الْغُرَمَاءِ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ .
( وَمَنْ مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ لَمْ يَحِلَّ ) هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِعَامَّةِ الْأَصْحَابِ ( إِذَا وَثَّقَ الْوَرَثَةُ ) بِأَقَلِّ الْأَمْرَيْنِ مِنْ قِيمَةِ التَّرِكَةِ ، أَوِ الدَّيْنِ بِكَفِيلٍ مَلِيءٍ ، أَوْ رَهْنٍ ، لِأَنَّ الْأَجَلَ حَقٌّ لِلْمَيِّتِ فَوُرِّثَ عَنْهُ كَسَائِرِ حُقُوقِهِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَحِلُّ إِذَا لَمْ يُوَثِّقُوا عَلَى الْأَشْهَرِ ، جَزَمَ بِهِ الشَّيْخَانِ لَغَلَبَةِ الضَّرَرِ ( وَعَنْهُ : يَحِلُّ ) ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ، لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَبْقَى فِي ذِمَّةِ الْمَيِّتِ ، أَوِ الْوَرَثَةِ ، أَوْ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَالِ ، فَالْأَوَّلُ مُنْتَفٍ لِخَرَابِهَا وَتَعَذُّرِ مُطَالَبَتِهِ ، وَالثَّانِي كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَلْتَزِمُوا الدَّيْنَ ، وَلَا رَضِيَ صَاحِبُ الدَّيْنِ بِذِمَمِهِمْ وَهِيَ مُخْتَلِفَةٌ مُتَبَايِنَةٌ ، وَالثَّالِثُ مَمْنُوعٌ ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْلِيقُهُ عَلَى الْأَعْيَانِ وَتَأْجِيلُهُ ، لِأَنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الْمَيِّتِ ، لِأَنَّ ذِمَّتَهُ مُرْتَهَنَةٌ بِدَيْنِهِ ، وَعَلَى صَاحِبِ الْمَالِ لِتَأَخُّرِ حَقِّهِ ، وَقَدْ يَسْقُطُ لِتَلَفِ الْعَيْنِ ، وَعَلَى الْوَرَثَةِ ، لِأَنَّهُمْ لَا يَنْتَفِعُونَ بِالْأَعْيَانِ ، وَلَا يَتَصَرَّفُونَ فِيهَا ، وَظَاهِرُهُ وَلَوْ قَبِلَهُ رَبُّهُ ، وَعَنْهُ : لَا يَحِلُّ مُطْلَقًا ، اخْتَارَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجَوْزِيُّ كَدَيْنِهِ .
مَسَائِلُ : الْأُولَى : إِذَا وَرِثَهُ بَيْتُ الْمَالِ فَوَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : يَحِلُّ لِعَدَمِ 327 وَارِثٍ مُعَيَّنٍ وَلِهَذَا لِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَ الْأَرَاضِيَ ، وَإِنْ كَانَتْ لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالثَّانِي : يَنْتَقِلُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ وَيَضْمَنُ الْإِمَامُ لِلْغُرَمَاءِ .
الثَّانِيَةُ : ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ إِذَا جُنَّ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ مُؤَجَّلٌ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَفِي " التَّلْخِيصِ " كَمَا سَبَقَ ، وَكَذَا فِي حِلِّهِ بِجُنُونٍ .
الثَّالِثَةُ : إِذَا مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ حَالٌّ وَدَيْنٌ مُؤَجَّلٌ ، وَقُلْنَا : لَا يَحِلُّ ، وَمَالُهُ بِقَدَرِ الْحَالِّ فَهَلْ يَتْرُكُ لَهُ مَا يَخُصُّهُ لِيَأْخُذَهُ ، أَوْ يُوَفَّى الْحَالُّ ، وَيَرْجِعُ عَلَى وَرَثَتِهِ صَاحِبُ الْمُؤَجَّلِ بِحِصَّتِهِ إِذَا حَلَّ ، أَوْ لَا يَرْجِعُ ؛ فِيهِ أَوْجُهٌ .
الرَّابِعَةُ : إِذَا مَاتَ ، وَعَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يُمْنَعْ نَقْلُ التَّرِكَةِ إِلَى الْوَرَثَةِ ، فَإِنْ تَصَرَّفُوا فِيهَا ، صَحَّ كَتَصَرُّفِ السَّيِّدِ فِي الْجَانِي ، فَإِنْ تَعَذَّرَ وَفَاؤُهُ فُسِخَ تَصَرُّفُهُمْ ، وَعَنْهُ : يُمْنَعُ ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " الصَّحِيحُ أَنَّهُ فِي ذِمَّةِ مَيِّتٍ ، وَالتَّرِكَةُ رَهْنٌ ، وَفِي " التَّرْغِيبِ " الدَّيْنُ ، وَإِنْ قَلَّ يَمْنَعُهُ مَنِ التَّصَرُّفِ نَظَرًا لَهُ ، فَعَلَى ذَلِكَ لَا يَصِحُّ تَصَرُّفُ كُلٍّ مِنَ الْغُرَمَاءِ ، وَالْوَرَثَةِ إِلَّا بِإِذْنِ الْآخَرِ ، وَإِنْ ضَمِنَهُ ضَامِنٌ وَحَلَّ عَلَى أَحَدِهِمَا : لَمْ يَحِلَّ عَلَى غَيْرِهِ .
( وَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ بَعْدَ قَسْمِ مَالِهِ ) لَمْ يُنْقَضْ خِلَافًا لِـ " الْكَافِي " ( رَجَعَ عَلَى الْغُرَمَاءِ بِقِسْطِهِ ) ، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَاضِرًا شَارَكَهُمْ ، فَكَذَا إِذَا ظَهَرَ ، وَفِي " الْمُغْنِي " هِيَ قِسْمَةٌ بَانَ الْخَطَأُ فِيهَا كَقَسْمِهِ أَرْضًا ، أَوْ مِيرَاثًا ، ثُمَّ بَانَ شَرِيكٌ ، أَوْ وَارِثٌ قَالَ الْأَزَجِّيُّ : فَلَوْ كَانَ لَهُ أَلْفٌ اقْتَسَمَهَا غَرِيمَاهُ نِصْفَيْنِ ، ثُمَّ ظَهَرَ ثَالِثٌ دَيْنُهُ كَدَيْنِ أَحَدِهِمَا رَجَعَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ بِثُلُثِ مَا قَبَضَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا قَدْ أَتْلَفَ 328 مَا قَبَضَهُ فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الثَّالِثَ يَأْخُذُ مِنَ الْآخَرِ ثُلُثَ مَا قَبَضَهُ زِيَادَةً .
فَرْعٌ : ذَكَرَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَتَاوِيهِ : لَوْ وَصَلَ مَالٌ لِغَائِبٍ فَأَقَامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أَنَّ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنًا وَأَقَامَ آخَرُ بَيِّنَةً إِنْ طَالَبَا جَمِيعًا اشْتَرَكَا ، وَإِنْ طَالَبَ أَحَدُهُمَا اخْتُصَّ بِهِ لِاخْتِصَاصِهِ بِمَا يُوجِبُ التَّسْلِيمَ وَعَدَمَ تَعَلُّقِ الدَّيْنِ بِمَالِهِ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَمُرَادُهُ ، وَلَمْ يُطَالِبْ أَصْلًا ، وَإِلَّا شَارَكَهُ مَا لَمْ يَقْبِضْهُ .
( وَإِنْ بَقِيَتْ عَلَى الْمُفْلِسِ بَقِيَّةٌ ) مِنَ الدُّيُونِ ( وَلَهُ صَنْعَةٌ فَهَلْ يُجْبَرُ عَلَى إِيجَارِ نَفْسِهِ لِقَضَائِهَا ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) الْأَشْهَرُ أَنَّهُ يُجْبَرُ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بَاعَ سَرَقًا فِي دَيْنِهِ بِخَمْسَةِ أَبْعِرَةٍ . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ مُسْلِمٍ الزِّنْجِيِّ ، وَفِيهِ ضَعْفٌ ، وَالْحُرُّ لَا يُبَاعُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ بَاعَ مَنَافِعَهُ ، إِذِ الْمَنَافِعُ تَجْرِي مَجْرَى الْأَعْيَانِ فِي صِحَّةِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا وَتَحْرِيمِ أَخْذِ الزَّكَاةِ ، فَكَذَا هُنَا ، وَلِأَنَّ الْإِجَارَةَ عَقْدُ مُعَاوَضَةٍ فَجَازَ إِجْبَارُهُ عَلَيْهَا كَبَيْعِ مَالِهِ وَكَوَقْفٍ وَأُمِّ وَلَدٍ اسْتُغْنِيَ عَنْهَا ، وَالثَّانِيَةُ : لَا ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ [ الْبَقَرَةِ : 280 ] وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : خُذُوا مَا وَجَدْتُمْ فَلَيْسَ لَكُمْ إِلَّا ذَلِكَ . رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِأَنَّهُ تَكَسُّبٌ لِلْمَالِ ، فَلَمْ يُجْبَرْ عَلَيْهِ كَقَبُولِ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ وَتَزْوِيجِ أُمِّ وَلَدٍ وَرَدِّ مَبِيعٍ وَإِمْضَائِهِ ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَعَ الْأَحَظِّ وَأَخْذِ دِيَةٍ عَنْ قَوَدٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَالْآيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَا صَنْعَةَ لَهُ ، وَادِّعَاءُ الْفَسْخِ فِي الْحَدِيثِ بَعِيدٌ ، لِأَنَّهُ يَلْزَمُ ثُبُوتُهُ بِالِاحْتِمَالِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ بَيْعَ الْحُرِّ كَانَ جَائِزًا فِي وَقْتٍ فِي شَرِيعَتِنَا ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ بِبَيْعِهِ بَيْعُ مَنَافِعِهِ مَعَ أَنَّهُ أَحْسَنُ مِنْ حَمْلِهِ النَّسْخَ ، وَحِينَئِذٍ يَبْقَى الْحَجْرُ بِبَقَاءِ دَيْنِهِ إِلَى الْوَفَاءِ ، وَلَوْ 329 طَلَبُوا إِعَادَتَهُ لِمَا بَقِيَ بَعْدَ فَكِّ الْحَاكِمِ ، لَمْ يُجِبْهُمْ ( وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُ الْحَجْرُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ ) ، لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِحُكْمِهِ ، فَلَا يَزُولُ إِلَّا بِهِ كَالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ لِسَفَهٍ ، وَقِيلَ : يَزُولُ بِقِسْمَةِ مَالِهِ ، لِأَنَّهُ حُجِرَ عَلَيْهِ لِأَجْلِهِ ، فَإِذَا زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ زَالَ الْحَجْرُ كَزَوَالِ حَجْرِ الْمَجْنُونِ بِزَوَالِ جُنُونِهِ ، وَالْفَرْقُ وَاضِحٌ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ بِنَفْسِهِ فَزَالَ بِزَوَالِهِ بِخِلَافِ هَذَا ، وَلِأَنَّ فَرَاغَ مَالِهِ يَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةٍ وَبَحْثٍ فَوَقَفَ ذَلِكَ عَلَى الْحَاكِمِ بِخِلَافِ الْجُنُونِ ( فَإِذَا فُكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ فَلَزِمَتْهُ دُيُونٌ ) وَظَهَرَ لَهُ مَالٌ ( وَحُجِرَ عَلَيْهِ شَارَكَ غُرَمَاءُ الْحَجْرِ الْأَوَّلِ غُرَمَاءَ الْحَجْرِ الثَّانِي ) لِأَنَّهُمْ تَسَاوَوْا فِي ثُبُوتِ حُقُوقِهِمْ فِي ذِمَّتِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَسَاوَوْا فِي الْمُشَارَكَةِ كَغُرَمَاءِ الْمَيِّتِ إِلَّا أَنَّ الْأَوَّلِينَ يَضْرِبُونَ بِبَقِيَّةِ دُيُونِهِمْ ، وَالْآخَرِينَ يَضْرِبُونَ بِجَمِيعِهَا ( فَإِنْ كَانَ لِلْمُفْلِسِ حَقٌّ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَأَبَى أَنْ يَحْلِفَ مَعَهُ ) لَمْ يُجْبَرْ لِأَنَّا لَا نَعْلَمُ صِدْقَ الشَّاهِدِ ( لَمْ يَكُنْ لِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا ) ، لِأَنَّهُمْ يُثْبِتُونَ مِلْكًا لِغَرِيمِهِمْ لِتَتَعَلَّقَ حُقُوقُهُمْ بِهِ بَعْدَ ثُبُوتِهِ ، فَلَمْ يَجُزْ كَالْمَرْأَةِ تَحْلِفُ لِإِثْبَاتِ مِلْكِ زَوْجِهَا لِتَتَعَلَّقَ نَفَقَتُهَا بِهِ ، وَكَالْوَرَثَةِ قَبْلَ مَوْتِ مَوْرُوثِهِمْ ، وَعُلِمَ مِنْهُ أَنَّ الْمُفْلِسَ إِذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ ثَبَتَ الْمَالُ وَتَعَلَّقَتْ بِهِ حُقُوقُ الْغُرَمَاءِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث