المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الرابع
الصفحة 1433 · ص. المطبوع 349 · الشرح
فَصْلٌ فِي الْإِذْنِ
( يَجُوزُ لِوَلِيِّ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ أَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، وَهُوَ الْمُرَجَّحُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : وَابْتَلُوا الْيَتَامَى [ النِّسَاءِ : 6 ] الْآيَةَ أَيِ : اخْتَبِرُوهُمْ لِتَعْلَمُوا رُشْدَهُمْ ، وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إِلَيْهِمْ مِنَ الْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ وَنَحْوِهِ ، وَلِأَنَّهُ عَاقِلٌ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ ، فَصَحَّ تَصَرُّفُهُ بِإِذْنِ وَلِيِّهِ كَالْعَبْدِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَصِحُّ حَتَّى يَبْلُغَ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُكَلَّفٍ كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ ، وَلِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ مِنْهُ عَلَى الْحَدِّ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ التَّصَرُّفُ لِخَفَائِهِ فَجَعَلَ الشَّارِعُ لَهُ ضَابِطًا ، وَهُوَ الْبُلُوغُ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ لَوْ تَصَرَّفَ بِلَا إِذْنٍ لَمْ يَصِحَّ ، وَقِيلَ : بَلَى وَيَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ ، وَبَنَاهُمَا فِي " الشَّرْحِ " عَلَى تَصَرُّفِ الْفُضُولِيِّ ( وَيَجُوزُ ذَلِكَ لِسَيِّدِ الْعَبْدِ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، لِأَنَّ الْحَجْرَ عَلَيْهِ إِنَّمَا كَانَ لِحَقِّ السَّيِّدِ فَجَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ بِإِذْنِهِ لِزَوَالِ الْمَانِعِ .
( وَلَا يَنْفَكُّ عَنْهُمَا الْحَجْرُ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُمَا فِيهِ ، وَفِي النَّوْعِ الَّذِي أُمِرَا بِهِ ) ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَصَرَّفُ بِالْإِذْنِ مِنْ جِهَةِ آدَمِيٍّ ، فَوَجَبَ أَنْ يَخْتَصَّ بِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ 349 وَأَمَرَهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ كَالْوَكِيلِ ، وَالْمُضَارِبِ ، وَفِي " الِانْتِصَارِ " رِوَايَةٌ : إِنْ أَذِنَ لِعَبْدِهِ فِي نَوْعٍ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ غَيْرِهِ مَلَكَهُ أَيْ : جَازَ أَنْ يَتَّجِرَ فِي غَيْرِهِ وَيَنْفَكَّ عَنْهُ الْحَجْرُ مُطْلَقًا ، لِأَنَّ إِطْلَاقَ الْإِذْنِ لَا يَتَبَعَّضُ كَبُلُوغِ الصَّبِيِّ ، وَجَوَابُهُ بِأَنَّهُ يُنْتَقَضُ بِمَا إِذَا أَذِنَ لَهُ فِي شِرَاءِ ثَوْبٍ يَلْبَسُهُ وَنَحْوِهِ ، وَالرِّقُّ سَبَبُ الْحَجْرِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ ، وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ أَنَّهُ كَمُضَارِبٍ فِي الْبَيْعِ نَسِيئَةً ، وَغَيْرِهِ ، وَدَلَّ كَلَامُهُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ لِاثْنَيْنِ فَأَذِنَ لَهُ أَحَدُهُمَا ، أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ التَّصَرُّفُ ، لِأَنَّهُ يَقَعُ بِمَجْمُوعِهِ ( وَإِنْ أَذِنَ لَهُ فِي جَمِيعِ أَنْوَاعِ التِّجَارَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُؤَجِّرَ نَفْسَهُ ، وَلَا يَتَوَكَّلَ لِغَيْرِهِ ) ، لِأَنَّهُ عَقْدٌ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِإِذْنٍ كَبَيْعِ نَفْسِهِ وَتَزْوِيجِهِ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَلُهُ عَنِ التِّجَارَةِ الْمَقْصُودَةِ بِالْإِذْنِ ، وَفِي إِيجَارِ عَبِيدِهِ وَبَهَائِمِهِ خِلَافٌ فِي " الِانْتِصَارِ " ، وَفِي صِحَّةِ شِرَاءِ مَنْ يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ وَامْرَأَتِهِ وَزَوْجِ رَبَّةِ الْمَالِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا صِحَّتُهُ ، وَعَلَيْهِ إِنْ صَحَّ وَعَلَيْهِ دِينٌ فَقِيلَ : يُعْتَقُ ، وَقِيلَ : يُبَاعُ فِيهِ . وَمِثْلُهُ مُضَارِبٌ ، وَالْأَشْهَرُ يَصِحُّ كَمَنْ نَذَرَ عِتْقَهُ وَشِرَاءَهُ مِنْ حَلِفٍ لَا يَمْلِكُهُ ( وَهَلْ لَهُ أَنْ يُوَكِّلَ فِيمَا يَتَوَلَّى مِثْلُهُ بِنَفْسِهِ ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ ) أَحَدُهُمَا : لَا يَجُوزُ ، جَزَمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " ، لِأَنَّهُ مُتَصَرِّفٌ بِالْإِذْنِ فَاخْتُصَّ بِمَا أُذِنَ فِيهِ ، وَالثَّانِي : بَلَى ، لِأَنَّهُ مَلَكَ التَّصَرُّفَ بِنَفْسِهِ فَمَلَكَهُ بِنَائِبِهِ كَالْمَالِكِ الرَّشِيدِ ، وَلِأَنَّهُ أَقَامَهُ مَقَامَ نَفْسِهِ ( وَإِنْ رَآهُ سَيِّدُهُ ، أَوْ وَلِيُّهُ يَتَّجِرُ ، فَلَمْ يَنْهَهُ لَمْ يَصِرْ مَأْذُونًا لَهُ ) كَتَزْوِيجِهِ وَبَيْعِهِ مَالَهُ ، لِأَنَّهُ تَصَرُّفٌ يَفْتَقِرُ إِلَى الْإِذْنِ ، فَلَمْ يَقُمِ السُّكُوتُ مَقَامَهُ ، كَمَا لَوْ تَصَرَّفَ أَحَدُهُمَا فِي الرَّهْنِ ، وَالْآخَرُ سَاكِتٌ ، وَكَتَصَرُّفِ الْأَجَانِبِ ( وَمَا اسْتَدَانَ الْعَبْدُ ) يُقَالُ اسْتَدَانَ ، وَادَّانَ ، وَتَدَيَّنَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ( فَهُوَ فِي رَقَبَتِهِ ) نَقَلَهُ الْجَمَاعَةُ ( يَفْدِيهِ سَيِّدُهُ ، أَوْ يُسَلِّمُهُ ) 350 كَالْجِنَايَةِ ( وَعَنْهُ : يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ يُتْبَعُ بِهِ بَعْدَ الْعِتْقِ ) ، لِأَنَّ صَاحِبَ الْحَقِّ رَضِيَ بِتَأْخِيرِ حَقِّهِ لِكَوْنِهِ عَامَلَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ ، فَعَلَى الْمَذْهَبِ إِنْ أَعْتَقَهُ ، فَعَلَى مَوْلَاهُ نَقَلَهُ أَبُو طَالِبٍ ( إِلَّا الْمَأْذُونَ لَهُ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ، أَوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ لِتَصَرُّفِ الْعَبْدِ حَالَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مَأْذُونٍ لَهُ ، وَلِتَصَرُّفِهِ حَالَتَانِ إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَتَصَرَّفَ بِبَيْعٍ ، أَوْ شِرَاءٍ بِعَيْنِ الْمَالِ ، فَهَذَا لَا يَصِحُّ عَلَى الْمَذْهَبِ كَالْغَاصِبِ ، وَقِيلَ : بَلَى وَيَقِفُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْفُضُولِيِّ ، الثَّانِيَةُ : أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي ذِمَّتِهِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ وَحَكَاهُمَا الْمَجْدُ رِوَايَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا : يَصِحُّ تَصَرُّفُهُ إِلْحَاقًا لَهُ بِالْمُفْلِسِ إِذِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ لِحَقِّ السَّيِّدِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَصِحُّ ، لِأَنَّهُ مَحْجُورٌ عَلَيْهِ كَالسَّفِيهِ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ مَا اشْتَرَاهُ ، أَوِ اقْتَرَضَهُ إِنْ وُجِدَ فِي يَدِهِ انْتُزِعَ مِنْهُ لِتُحَقُّقِ إِعْسَارِهِ . قَالَهُ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " التَّلْخِيصِ " ، وَإِنْ أَخَذَهُ سَيِّدُهُ لَمْ يُنْتَزَعْ مِنْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، لِأَنَّهُ وَجَدَ مَمْلُوكَهُ بِحَقٍّ ، أَشْبَهَ مَا لَوْ وَجَدَ فِي يَدِهِ صَيْدًا وَنَحْوَهُ ، وَاخْتَارَ فِي " التَّلْخِيصِ " جَوَازَ الِانْتِزَاعِ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْمِلْكَ وَقَعَ ابْتِدَاءً ، وَإِنْ تَلِفَ بِيَدِ السَّيِّدِ لَمْ يَضْمَنْهُ وَاسْتَقَرَّ ثَمَنُهُ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ أَوْ ذِمَّتِهِ عَلَى الْخِلَافِ ، وَكَذَا إِنْ تَلِفَ فِي يَدِ الْعَبْدِ ، وَعَلَى الثَّانِي وَهُوَ فَسَادُ التَّصَرُّفِ يَرْجِعُ مَالِكُ الْعَيْنِ حَيْثُ وَجَدَهَا ، فَإِنْ كَانَتْ تَالِفَةً فَلَهُ قِيمَتُهُ ، أَوْ مِثْلُهُ إِنْ كَانَ مِثْلِيًّا ، ثُمَّ إِنْ كَانَ التَّلَفُ فِي يَدِ الْعَبْدِ رَجَعَ عَلَيْهِ وَتَعَلَّقَ بِرَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ ، وَعَنْهُ : يَتَعَلَّقُ بِذِمَّتِهِ لِعُمُومِ مَا رُوِيَ عَنِ الْفُقَهَاءِ التَّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ : كَانُوا يَقُولُونَ دَيْنُ الْمَمْلُوكِ فِي ذِمَّتِهِ . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَإِنْ كَانَ التَّلَفُ بِيَدِ السَّيِّدِ فَكَذَلِكَ عَلَى مُقْتَضَى كَلَامِ الْمَجْدِ ، وَفِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " ، وَ " التَّلْخِيصِ " أَنَّهُ يَرْجِعُ إِنْ شَاءَ عَلَى السَّيِّدِ ، وَإِنْ شَاءَ عَلَى الْعَبْدِ .
351 الْحَالَةُ الثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فَمَا اسْتَدَانَهُ بِبَيْعٍ ، أَوْ قَرْضٍ فَأَشْهَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ ، لِأَنَّهُ غَرَّ النَّاسَ بِمُعَامَلَتِهِ ، وَقَيَّدَهُ فِي " الْوَسِيلَةِ " بِمَا إِذَا كَانَ قَدْرَ قِيمَتِهِ ، وَالْمَذْهَبُ مُطْلَقًا ، وَلَا فَرْقَ فِي الَّذِي اسْتَدَانَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الَّذِي أَذِنَ فِيهِ ، أَوْ لَا بِأَنْ يَأْذَنَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي الْبُرِّ فَيَتَّجِرَ فِي غَيْرِهِ ، لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ أَنْ يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهُ مَأْذُونٌ لَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا ، وَعَنْهُ : يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ كَجِنَايَتِهِ ، وَلِأَنَّهُ قَابِضٌ لِلْمَالِ ، الْمُتَصَرِّفُ فِيهِ ، الْمَأْذُونُ لَهُ ، وَعَنْهُ : يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ السَّيِّدِ لِإِذْنِهِ وَرَقَبَةِ الْعَبْدِ لِقَبْضِهِ ، وَعَنْهُ : بِذِمَّتِهِ . وَنَقَلَ صَالِحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ يُؤْخَذُ السَّيِّدُ بِمَا ادَّانَ لِمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَقَطْ . وَنَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ إِذَا ادَّانَ ، فَعَلَى سَيِّدِهِ ، وَإِنْ جَنَى ، فَعَلَى سَيِّدِهِ ، وَفِي " الرَّوْضَةِ " إِذَا أَذِنَ لَهُ مُطْلَقًا لَزِمَهُ كُلَّمَا ادَّانَ ، وَإِنْ قَيَّدَهُ بِنَوْعٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ اسْتِدَانَةً فَبِرَقَبَتِهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ ، وَبَنَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْخِلَافَ فِي أَنَّ تَصَرُّفَهُ مَعَ الْإِذْنِ هَلْ هُوَ لِسَيِّدِهِ فَيَتَعَلَّقُ مَا ادَّانَهُ بِذِمَّتِهِ كَوَكِيلِهِ ، أَوْ لِنَفْسِهِ فَيَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ ؛ فِيهِ رِوَايَتَانِ وَمَحَلُّ الْخِلَافِ مَا إِذَا ثَبَتَ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إِقْرَارِ السَّيِّدِ ، أَمَّا إِذَا أَنْكَرَهُ السَّيِّدُ ، وَلَا بَيِّنَةَ بِهِ ، فَإِنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْعَبْدِ إِنْ أَقَرَّ بِهِ ، وَإِلَّا فَهُوَ هَدَرٌ . قَالَهُ الزَّرْكَشِيُّ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِ جَرَيَانُ الْخِلَافِ .
( وَإِذَا بَاعَ السَّيِّدُ عَبْدَهُ الْمَأْذُونَ لَهُ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) هَذَا ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ ، لِأَنَّهُ مَمْلُوكُهُ ، فَلَا يَثْبُتُ لَهُ دَيْنٌ فِي ذِمَّتِهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ ( وَفِي الْآخَرِ يَصِحُّ إِذَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ بِقَدْرِ قِيمَتِهِ ، لِأَنَّهُ إِذَا قُلْنَا : إِنِ الدَّيْنَ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ فَكَأَنَّهُ صَارَ مُسْتَحَقًّا لِأَصْحَابِ الدُّيُونِ فَيَصِيرُ كَعَبْدِ غَيْرِهِ ، وَقِيلَ : يَصِحُّ مُطْلَقًا ( وَيَصِحُّ إِقْرَارُ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي قَدْرِ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ ) ، لِأَنَّ مُقْتَضَى الْإِقْرَارِ الصِّحَّةُ 352 تُرِكَ فِيمَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِيهِ سَيِّدُهُ لِحَقِّ السَّيِّدِ ، فَوَجَبَ أَنْ يَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى مُقْتَضَاهُ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ فِيمَا زَادَ لِمَا ذَكَرْنَا ( وَإِنْ حُجِرَ عَلَيْهِ ، وَفِي يَدِهِ مَالٌ ، ثُمَّ أُذِنَ لَهُ فَأَقَرَّ بِهِ ، صَحَّ ) ، لِأَنَّ الْمَانِعَ مِنْ صِحَّةِ إِقْرَارِهِ الْحَجْرُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ زَالَ ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَهُ فِيهِ صَحِيحٌ ، فَصَحَّ إِقْرَارُهُ بِهِ كَالْحُرِّ ، وَقِيلَ : لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ ( وَلَا يَبْطُلُ الْإِذْنُ بِالْإِبَاقِ ) فِي الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ لَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْإِذْنِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ ، فَلَمْ يَمْنَعِ اسْتَدَامَتَهُ ، كَمَا لَوْ غَصَبَهُ غَاصِبٌ ، أَوْ حُبِسَ بِدَيْنٍ عَلَيْهِ وَكَتَدْبِيرٍ وَاسْتِيلَادٍ ، وَقِيلَ : يَبْطُلُ بِهِ ، لِأَنَّهُ يُزِيلُ وِلَايَةَ السَّيِّدِ عَنْهُ فِي التِّجَارَةِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهُ ، وَلَا هِبَتُهُ ، وَجَوَابُهُ : بِأَنَّ سَبَبَ الْوِلَايَةِ بَاقٍ ، وَهُوَ الرِّقُّ مَعَ أَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُهُ وَهِبَتُهُ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهِ وَيَبْطُلُ بِالْمَغْصُوبِ ، وَفِيهِ بِكِتَابَةٍ وَحُرِّيَّةٍ وَأَسْرٍ خِلَافٌ فِي " الِانْتِصَارِ " ، وَفِي " الْمُوجَزِ " ، وَ " التَّبْصِرَةِ " يَزُولُ مِلْكُهُ بِحُرِّيَّةٍ وَغَيْرِهَا كَحَجْرٍ عَلَى سَيِّدِهِ ، وَلَيْسَ إِبَاقُهُ فُرْقَةً ، نَصَّ عَلَيْهِ .
فَرْعٌ : لَهُ مُعَامَلَةُ عَبْدٍ ، وَلَوْ لَمْ يَثْبُتْ كَوْنُهُ مَأْذُونًا لَهُ خِلَافًا لِلنِّهَايَةِ . نَقَلَ مُهَنَّا فِيمَنِ اشْتَرَى مِنْ عَبْدٍ ثَوْبًا فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَقَالَ الْعَبْدُ : أَنَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لِي فِي التِّجَارَةِ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَوْ أَنْكَرَ سَيِّدُهُ إِذْنَهُ يَتَوَجَّهُ الْخِلَافُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : إِنْ عَلِمَ بِتَصَرُّفِهِ لَمْ يُقْبَلْ ، وَلَوْ قُدِّرَ صِدْقُهُ فَتَسْلِيطُهُ عُدْوَانًا مِنْهُ فَيَضْمَنُ ، وَفِي طَرِيقَةِ بَعْضِ أَصْحَابِنَا : التُّجَّارُ أَتْلَفُوا أَمْوَالَهُمْ لَمَّا لَمْ يَسْأَلُوا الْوَلِيَّ ، إِذِ الْأَصْلُ عَدَمُ الْإِذْنِ لِلْعَبْدِ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ .
( وَلَا يَصِحُّ تَبَرُّعُ الْمَأْذُونِ لَهُ بِهِبَةِ الدَّرَاهِمِ وَكُسْوَةِ الثِّيَابِ ) وَنَحْوِهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنَ التِّجَارَةِ ، وَلَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ كَغَيْرِ الْمَأْذُونِ لَهُ ، وَظَاهِرُهُ وَإِنْ قَلَّ ( وَيَجُوزُ 353 هَدِيَّتُهُ لِلْمَأْكُولِ وَإِعَارَةُ دَابَّتِهِ ) وَعَمَلُ دَعْوَةٍ وَنَحْوُهُ بِلَا إِسْرَافٍ ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يُجِيبُ دَعْوَةَ الْمَمْلُوكِ ، وَرَوَى أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى أَبِي أُسَيْدٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ فَحَضَرَ دَعْوَتَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ مِنْهُمُ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَأَبُو حُذَيْفَةَ ، وَأَبُو ذَرٍّ فَأَمَّهُمْ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عَبْدٌ . رَوَاهُ صَالِحٌ فِي مَسَائِلِهِ ، وَلِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ التُّجَّارِ فِيمَا بَيْنَهُمْ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْإِذْنِ ، وَقَالَ فِي " النِّهَايَةِ " الْأَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، لِأَنَّهُ تَبَرَّعَ بِمَالِ مَوْلَاهُ ، فَلَمْ يَجُزْ كَنِكَاحِهِ وَكَمُكَاتَبٍ فِي الْأَصَحِّ ( وَهَلْ لِغَيْرِ الْمَأْذُونِ الصَّدَقَةُ مِنْ قُوتِهِ بِالرَّغِيفِ وَنَحْوِهِ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِهِ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَصَحُّهُمَا لَهُ ذَلِكَ بِمَا لَا يَضُرُّهُ ، لِأَنَّهُ مِمَّا جَرَتِ الْعَادَةُ بِالْمُسَامَحَةِ فِيهِ فَجَازَ كَصَدَقَةِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا ، وَالثَّانِيَةُ : الْمَنْعُ مِنْهُ ، لِأَنَّ الْمَالَ لِسَيِّدِهِ ، وَإِنَّمَا أُذِنَ لَهُ فِي الْأَكْلِ ، فَلَمْ يَمْلِكِ الصَّدَقَةَ بِهِ كَالضَّيْفِ لَا يَتَصَدَّقُ بِمَا أُذِنَ لَهُ فِي أَكْلِهِ .
مَسْأَلَةٌ : مَا كَسَبَهُ الْعَبْدُ غَيْرُ الْمَأْذُونِ مِنْ مُبَاحٍ ، أَوْ قَبِلَهُ مِنْ هِبَةٍ وَوَصِيَّةٍ فَلِسَيِّدِهِ ، وَكَذَا اللُّقَطَةُ ، وَقِيلَ : لَا يَقْبَلُ الْكُلَّ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَإِنْ قَبِلَ ، أَوِ الْتَقَطَ وَعَرَفَ بِلَا إِذْنِهِ فَهُوَ لِلْعَبْدِ إِنْ قُلْنَا : يَمْلِكُ بِالتَّمْلِيكِ ، وَلَا يَصِحُّ قَبُولُ سَيِّدِهِ عَنْهُ مُطْلَقًا ، فَإِنْ لَمْ يَمْلِكْ - وَاخْتَارَهُ الْأَصْحَابُ - فَهُوَ لِسَيِّدِهِ يُعْتِقُهُ وَلِسَيِّدِهِ أَخْذُهُ مِنْهُ ، وَلَا يَتَصَرَّفُ فِي مِلْكِهِ إِلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ ( وَهَلْ لِلْمَرْأَةِ الصَّدَقَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِغَيْرِ إِذْنِهِ بِنَحْوِ ذَلِكَ ) أَيْ : بِالْيَسِيرِ ( عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ لَهَا ذَلِكَ لِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ قَالَتْ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : ۝ إِذَا أَنْفَقَتِ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا بِمَا أَنْفَقَتْ وَلِزَوْجِهَا أَجْرُ مَا كَسَبَ ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ لَا يَنْقُصُ بَعْضُهُمْ مِنْ أَجْرِ بَعْضٍ شَيْئًا . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ إِذْنًا ، إِذِ 354 الْعَادَةُ السَّمَاحُ ، وَطِيبُ النَّفْسِ بِهِ إِلَّا أَنْ تَضْطَرِبَ الْعَادَةُ وَيَشُكَّ فِي رِضَاهُ ، أَوْ يَكُونَ بَخِيلًا ، وَيَشُكَّ فِي رِضَاهُ ، فَلَا يَجُوزُ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا ، نَقَلَهَا أَبُو طَالِبٍ لِمَا رَوَى أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - يَقُولُ : ۝ لَا تُنْفِقُ الْمَرْأَةُ شَيْئًا مِنْ بَيْتِهَا إِلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا الطَّعَامَ قَالَ : ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا . رَوَاهُ سَعِيدٌ ، وَلِأَنَّهَا تَبَرَّعَتْ بِمَالِ غَيْرِهَا ، فَلَمْ يَجُزْ كَالصَّدَقَةِ بِثِيَابِهِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لِأَنَّ أَحَادِيثَهَا خَاصَّةٌ صَحِيحَةٌ فَتُقَدَّمُ عَلَى غَيْرِهَا ، وَالْإِذْنُ الْعُرْفِيُّ كَالْحَقِيقِيِّ إِلَّا أَنْ يَمْنَعَهَا مِنَ التَّصَرُّفِ فِيهِ مُطْلَقًا وَكَمَنَ يُطْعِمُهَا ، وَلَمْ يُعْلَمْ رِضَاهُ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ ، وَيَلْحَقُ بِهَا مَنْ كَانَ فِي بَيْتِهِ كَجَارِيَتِهِ وَعَبْدِهِ الْمُتَصَرِّفِ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث