المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الخامس
فَصْلٌ
( الرَّابِعُ : أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بَعْضَهُ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ مَعَ أَنَّهَا تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ ، فَإِذَا أُخِذَ الْبَعْضُ لَمْ يَنْدَفِعِ الضَّرَرُ ( فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ) لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا سَقَطَ كُلُّهَا كَالْقِصَاصِ ( فَإِنْ كَانَا شَفِيعَيْنِ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ كَالْغَلَّةِ ، فَدَارَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ : نِصْفٌ ، وَثُلُثٌ ، وَسُدُسٌ ، فَبَاعَ رَبُّ الثُّلُثِ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ ، وَالثُّلُثُ يُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ ( وَعَنْهُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ ) اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ اسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَسَاوَيَا كَالْبَنِينَ ، وَسِرَايَةِ الْعِتْقِ ، وَهُوَ يَنْتَقِضُ بِالْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَإِنَّ مَنِ انْفَرَدَ مِنْهُمْ أَخَذَ الْكُلَّ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَفَاضَلُوا كَأَصْحَابِ الدِّيوَانِ ، وَالْجَمْعُ كَالِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ( فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ ) 214 إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي ، وَلَوْ وَهَبَهَا لِشَرِيكِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا ، فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكَ كَالْعَفْوِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لَكِنْ إِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ مُنْتَظِرًا لِشَرِيكِهِ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : تَسْقُطُ لِتَرْكِهِ طَلَبَهَا مَعَ إِمْكَانِهِ ، وَالثَّانِي : لَا ; لِأَنَّ لَهُ عُذْرًا ، وَهُوَ الضَّرَرُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِأَخْذِ شَرِيكِهِ مِنْهُ ، فَإِنْ أَخَذَ الْجَمِيعَ ثُمَّ حَضَرَ الثَّانِي قَاسَمَهُ ، فَإِذَا حَضَرَ ثَالِثٌ قَاسَمَهُمَا ، وَمَا حَدَثَ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فِي يَدِ الْأَوَّلِ فَهُوَ لَهُ ; لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ ( فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ ) لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الشُّفْعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا ( فَإِنْ تَرَكَ ) الْمُشْتَرِي ( شُفْعَتَهُ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ) أَيْ : لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْإِسْقَاطُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ ، وَجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَيْنِ إِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمَا ، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ ، وَطَلَبَ حَقَّهُ مِنْهُمَا ، فَقَالَ الْآخَرُ : خُذِ الْكُلَّ أَوْ دَعْهُ .
( وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ صَفْقَتَيْنِ ) بِأَنْ بَاعَهُ رُبْعًا مِنْهَا بِكَذَا ، ثُمَّ بَاعَهُ الرُّبْعَ الْآخَرَ ، فَقَدْ تَعَدَّدَ الْعَقْدُ ( ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعَيْنِ ) لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِيهِمَا ( وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُمَا ، فَإِذَا أَسْقَطَ الْبَعْضَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْكُلِّ ( فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ ) بِنَصِيبِهِ الْأَوَّلِ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) لِأَنَّ الشَّفِيعَ بِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ مِنَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ ؛ اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُشْتَرِي 215 فَصَارَ شَرِيكَهُ ، فَيُشَارِكُهُ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي ، وَالْآخَرُ لَا يُشَارِكُهُ ; لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْمَبِيعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَخْذَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ الثَّانِي فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شُفْعَةً ، وَفِي ثَالِثٍ إِنْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ أَوَّلِهِمَا شَارَكَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي " الْفُرُوعِ " ( وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ لَمْ يُشَارِكْهُ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ شَرِكَةٌ ( وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الشَّرِكَةِ ( وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ ) وَقَدْ عُرِفَ وَجْهُهُمَا .
فَرْعٌ : إِذَا كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمْ شَرِيكَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ ، فَبَاعَهُمَا لِرَجُلٍ آخَرَ ، فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا ، وَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فَاشْتَرَى الشِّقْصَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ ، فَلِشَرِيكِهِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ ، وَلَا يُفْضِي إِلَى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي .
( وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُهُمَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَقِيلَ : بَلْ عَقْدٌ وَاحِدٌ يَأْخُذُ بِهِ الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكُهُ ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ( وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ ) أَيْ : صَفْقَةً وَاحِدَةً ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْبَائِعِ كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ( أَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضِينَ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ) وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَلْحَقُهُ بِأَرْضٍ دُونَ أَرْضٍ ، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّبْعِيضِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ 216 كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْآخَرِ ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَيْنِ ، وَقِيلَ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْفُنُونِ " ، وَقَاسَهُ عَلَى تَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ .
فَرْعٌ : اشْتَرَى اثْنَانِ مِنَ اثْنَيْنِ شِقْصَيْهِمَا فِي عَقْدٍ فَعَقْدَانِ ، وَقِيلَ : بَلْ أَرْبَعَةٌ ، اشْتَرَى وَكِيلُ اثْنَيْنِ مِنْ زَيْدٍ شِقْصًا فِي عَقْدٍ ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ أَوْ بِهِمَا ، أَوْ بِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي فَقَطْ ؛ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " .
( وَإِنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ( فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ ) لِأَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إِذَا بِيعَ مُنْفَرِدًا ، فَكَذَا إِذَا بِيعَ مَعَ غَيْرِهِ ، وَيَأْخُذُهُ ( بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ) أَيْ : فَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ) حَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا لِأَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِهِ ( وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْكُلِّ ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ ، فَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ ، فَبَاعَ بَابَهَا ، أَوْ هَدَمَهَا ، فَبَقِيَتْ بِأَلْفٍ أَخَذَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ بِالْقِيمَةِ مِنَ الثَّمَنِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِالْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَعْضُ مَعَ بَقَاءِ الْجَمِيعِ .
( الرَّابِعُ : أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بَعْضَهُ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي بِتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَيْهِ ، وَالضَّرَرُ لَا يُزَالُ بِمِثْلِهِ مَعَ أَنَّهَا تَثْبُتُ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ دَفْعًا لِضَرَرِ الشَّرِيكِ ، فَإِذَا أُخِذَ الْبَعْضُ لَمْ يَنْدَفِعِ الضَّرَرُ ( فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ سَقَطَتْ شُفْعَتُهُ ) لِأَنَّهُ إِذَا سَقَطَ بَعْضُهَا سَقَطَ كُلُّهَا كَالْقِصَاصِ ( فَإِنْ كَانَا شَفِيعَيْنِ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيْهِمَا ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ يُسْتَفَادُ بِسَبَبِ الْمِلْكِ ، فَكَانَ عَلَى قَدْرِ الْأَمْلَاكِ كَالْغَلَّةِ ، فَدَارَ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ : نِصْفٌ ، وَثُلُثٌ ، وَسُدُسٌ ، فَبَاعَ رَبُّ الثُّلُثِ ، فَالْمَسْأَلَةُ مِنْ سِتَّةٍ ، وَالثُّلُثُ يُقَسَّمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، لِصَاحِبِ النِّصْفِ ثَلَاثَةٌ ، وَلِصَاحِبِ السُّدُسِ وَاحِدٌ ( وَعَنْهُ عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ ) اخْتَارَهَا ابْنُ عَقِيلٍ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَوِ انْفَرَدَ اسْتَحَقَّ الْجَمِيعَ ، فَإِذَا اجْتَمَعَا تَسَاوَيَا كَالْبَنِينَ ، وَسِرَايَةِ الْعِتْقِ ، وَهُوَ يَنْتَقِضُ بِالْفُرْسَانِ وَالرَّجَّالَةِ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَإِنَّ مَنِ انْفَرَدَ مِنْهُمْ أَخَذَ الْكُلَّ ، فَإِذَا اجْتَمَعُوا تَفَاضَلُوا كَأَصْحَابِ الدِّيوَانِ ، وَالْجَمْعُ كَالِاثْنَيْنِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ ( فَإِذَا تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ ) 214 إِجْمَاعًا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ; لِأَنَّ فِي أَخْذِ الْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي ، وَلَوْ وَهَبَهَا لِشَرِيكِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ لَمْ يَصِحَّ ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَائِبًا ، فَلَيْسَ لِلْحَاضِرِ أَنْ يَأْخُذَ إِلَّا الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكَ كَالْعَفْوِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، لَكِنْ إِنْ تَرَكَ الطَّلَبَ مُنْتَظِرًا لِشَرِيكِهِ فَوَجْهَانِ ، أَحَدُهُمَا : تَسْقُطُ لِتَرْكِهِ طَلَبَهَا مَعَ إِمْكَانِهِ ، وَالثَّانِي : لَا ; لِأَنَّ لَهُ عُذْرًا ، وَهُوَ الضَّرَرُ الَّذِي يَلْزَمُهُ بِأَخْذِ شَرِيكِهِ مِنْهُ ، فَإِنْ أَخَذَ الْجَمِيعَ ثُمَّ حَضَرَ الثَّانِي قَاسَمَهُ ، فَإِذَا حَضَرَ ثَالِثٌ قَاسَمَهُمَا ، وَمَا حَدَثَ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فِي يَدِ الْأَوَّلِ فَهُوَ لَهُ ; لِأَنَّهُ حَدَثَ فِي مِلْكِهِ ( فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْآخَرِ ) لِكُلِّ وَاحِدٍ قَدْرُ نَصِيبِهِ ؛ لِأَنَّهُمَا تَسَاوَيَا فِي الشَّرِكَةِ فَوَجَبَ تَسَاوِيهِمَا فِي الشُّفْعَةِ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشْتَرِي أَجْنَبِيًّا ( فَإِنْ تَرَكَ ) الْمُشْتَرِي ( شُفْعَتَهُ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ) أَيْ : لَمْ يَلْزَمْهُ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَصِحَّ الْإِسْقَاطُ ; لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدِ اسْتَقَرَّ عَلَى قَدْرِ حَقِّهِ ، وَجَرَى مَجْرَى الشَّفِيعَيْنِ إِذَا حَضَرَ أَحَدُهُمَا ، فَأَخَذَ الْجَمِيعَ ثُمَّ حَضَرَ الْآخَرُ ، وَطَلَبَ حَقَّهُ مِنْهُمَا ، فَقَالَ الْآخَرُ : خُذِ الْكُلَّ أَوْ دَعْهُ .
( وَإِذَا كَانَتْ دَارٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأَجْنَبِيٍّ صَفْقَتَيْنِ ) بِأَنْ بَاعَهُ رُبْعًا مِنْهَا بِكَذَا ، ثُمَّ بَاعَهُ الرُّبْعَ الْآخَرَ ، فَقَدْ تَعَدَّدَ الْعَقْدُ ( ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعَيْنِ ) لِأَنَّهُ شَفِيعٌ فِيهِمَا ( وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا ) لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَقْدٌ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، وَهُوَ يَسْتَحِقُّهُمَا ، فَإِذَا أَسْقَطَ الْبَعْضَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ ، كَمَا لَوْ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الْكُلِّ ( فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ ) بِنَصِيبِهِ الْأَوَّلِ ( فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ ) لِأَنَّ الشَّفِيعَ بِإِسْقَاطِهِ حَقَّهُ مِنَ الْبَيْعِ الْأَوَّلِ ؛ اسْتَقَرَّ مِلْكُ الْمُشْتَرِي 215 فَصَارَ شَرِيكَهُ ، فَيُشَارِكُهُ فِي الْبَيْعِ الثَّانِي ، وَالْآخَرُ لَا يُشَارِكُهُ ; لِأَنَّ مِلْكَ الْمُشْتَرِي لَمْ يَسْتَقِرَّ عَلَى الْمَبِيعِ ، بِدَلِيلِ أَنَّ لِلشَّفِيعِ أَخْذَهُ بَعْدَ الْبَيْعِ الثَّانِي فَلَمْ يَسْتَحِقَّ بِهِ شُفْعَةً ، وَفِي ثَالِثٍ إِنْ عَفَا الشَّفِيعُ عَنْ أَوَّلِهِمَا شَارَكَهُ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَأُطْلِقَ الْخِلَافُ فِي " الْفُرُوعِ " ( وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ لَمْ يُشَارِكْهُ ) لِأَنَّهُ لَمْ يَسْبِقْ لَهُ شَرِكَةٌ ( وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ ) لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ عَدَمِ الشَّرِكَةِ ( وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي ؛ عَلَى وَجْهَيْنِ ) وَقَدْ عُرِفَ وَجْهُهُمَا .
فَرْعٌ : إِذَا كَانَتْ أَرْضٌ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ ، فَوَكَّلَ أَحَدُهُمْ شَرِيكَهُ فِي بَيْعِ نَصِيبِهِ مَعَ نَصِيبِهِ ، فَبَاعَهُمَا لِرَجُلٍ آخَرَ ، فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِيهِمَا ، وَهَلْ لَهُ أَخْذُ أَحَدِ النَّصِيبَيْنِ دُونَ الْآخَرِ ؛ فِيهِ وَجْهَانِ ، وَإِنْ وُكِّلَ فِي شِرَاءِ نِصْفِ نَصِيبِ أَحَدِ الشُّرَكَاءِ فَاشْتَرَى الشِّقْصَ كُلَّهُ لِنَفْسِهِ وَلِمُوَكِّلِهِ ، فَلِشَرِيكِهِ أَخْذُ نَصِيبِ أَحَدِهِمَا لِأَنَّهُمَا مُشْتَرِيَانِ ، وَلَا يُفْضِي إِلَى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي .
( وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا ) فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الْعَقْدَ مَعَ الِاثْنَيْنِ بِمَنْزِلَةِ عَقْدَيْنِ ، وَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَأْخُذُهُمَا ، وَهُوَ ظَاهِرٌ ، وَقِيلَ : بَلْ عَقْدٌ وَاحِدٌ يَأْخُذُ بِهِ الْكُلَّ ، أَوْ يَتْرُكُهُ ، قَالَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " ( وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَيْنِ ) أَيْ : صَفْقَةً وَاحِدَةً ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ ; لِأَنَّ تَعَدُّدَ الْبَائِعِ كَتَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي ، وَقَالَ الْقَاضِي : لَا يَمْلِكُ ذَلِكَ ; لِأَنَّ فِيهِ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْهِ ( أَوِ اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَيْنِ مِنْ أَرْضِينَ صَفْقَةً وَاحِدَةً ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحَدِهِمَا عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ ) وَجُزِمَ بِهِ فِي " الْوَجِيزِ " وَغَيْرِهِ ; لِأَنَّ الضَّرَرَ قَدْ يَلْحَقُهُ بِأَرْضٍ دُونَ أَرْضٍ ، وَالثَّانِي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّبْعِيضِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ; لِأَنَّ 216 كُلًّا مِنْهُمَا يَسْتَحِقُّ بِسَبَبٍ غَيْرِ الْآخَرِ ، فَجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَيْنِ ، وَقِيلَ بِتَعَدُّدِ الْبَائِعِ ، جُزِمَ بِهِ فِي " الْفُنُونِ " ، وَقَاسَهُ عَلَى تَعَدُّدِ الْمُشْتَرِي بِمَا يَقْتَضِي أَنَّهُ مَحَلُّ وِفَاقٍ ، وَأَطْلَقَ فِي " الْمُحَرَّرِ " ، وَ " الْفُرُوعِ " الْخِلَافَ .
فَرْعٌ : اشْتَرَى اثْنَانِ مِنَ اثْنَيْنِ شِقْصَيْهِمَا فِي عَقْدٍ فَعَقْدَانِ ، وَقِيلَ : بَلْ أَرْبَعَةٌ ، اشْتَرَى وَكِيلُ اثْنَيْنِ مِنْ زَيْدٍ شِقْصًا فِي عَقْدٍ ، فَهَلْ يُعْتَبَرُ بِهِ أَوْ بِهِمَا ، أَوْ بِوَكِيلِ الْمُشْتَرِي فَقَطْ ؛ يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا ، ذَكَرَهُ فِي " الرِّعَايَةِ " .
( وَإِنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيْفًا ) فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ ( فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ الشِّقْصِ ) لِأَنَّهُ تَجِبُ فِيهِ الشُّفْعَةُ إِذَا بِيعَ مُنْفَرِدًا ، فَكَذَا إِذَا بِيعَ مَعَ غَيْرِهِ ، وَيَأْخُذُهُ ( بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ) أَيْ : فَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قَدْرِ قِيمَتِهِمَا ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ ) حَكَاهُ فِي " الْفُرُوعِ " قَوْلًا لِأَصْحَابِنَا ; لِأَنَّ فِي ذَلِكَ تَبْعِيضًا لِلصَّفْقَةِ عَلَى الْمُشْتَرِي ، وَذَلِكَ ضَرَرٌ بِهِ ( وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ فَلَهُ أَخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ ) فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ أَخْذُ الْكُلِّ ، فَجَازَ لَهُ أَخْذُ الْبَاقِي كَمَا لَوْ أَتْلَفَهُ آدَمِيٌّ ، فَلَوِ اشْتَرَى دَارًا بِأَلْفٍ تُسَاوِي أَلْفَيْنِ ، فَبَاعَ بَابَهَا ، أَوْ هَدَمَهَا ، فَبَقِيَتْ بِأَلْفٍ أَخَذَهَا بِخَمْسِمِائَةٍ بِالْقِيمَةِ مِنَ الثَّمَنِ ، نَصَّ عَلَيْهِ ( وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : إِنْ كَانَ تَلَفُهَا بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ لَهُ أَخْذُهُ إِلَّا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ ) لِأَنَّ فِي أَخْذِهِ بِالْبَعْضِ إِضْرَارًا بِالْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ كَمَا لَوْ أَخَذَ الْبَعْضُ مَعَ بَقَاءِ الْجَمِيعِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث