المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الخامس
( وَمَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ ) أَيْ لِلْمُحْيِي لِلْأَخْبَارِ ( مُسْلِمًا كَانَ ) اتِّفَاقًا ، سَوَاءٌ كَانَ مُكَلَّفًا أَوْ لَا ، لَكِنَّ شَرْطَهُ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَمْلِكُ الْمَالَ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُهُ بِفِعْلِهِ كَالِاصْطِيَادِ ( أَوْ كَافِرًا ) أَيْ : ذِمِّيًّا فِي الْمَنْصُوصِ ، وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ لِلْعُمُومِ ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ : لَا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بِالْإِحْيَاءِ ، وَحَمَلَ أَبُو الْخَطَّابِ قَوْلَهُ عَلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، قَالَ الْقَاضِي : هُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَوَتَانُ الْأَرْضِ 250 لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ " وَجَوَابُهُ بَعْدَ تَسْلِيمِ صِحَّتِهِ أَنَّهَا لَكُمْ ، أَيْ : لِأَهْلِ دَارِكُمْ ، وَالذِّمِّيُّ مِنْ أَهْلِ دَارِنَا ، فَعَلَى الْمَنْصُوصِ إِذَا أَحْيَا مَوَاتًا عَنْوَةً لَزِمَهُ عَنْهُ الْخَرَاجُ ، وَإِنْ أَحْيَا غَيْرَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْأَشْهَرِ ، وَنَقَلَ عَنْهُ حَرْبٌ : عَلَيْهِ عُشْرُ ثَمَرِهِ ، وَزَرْعُهُ ( بِإِذْنِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِ إِذْنِهِ ) قَالَهُ الْأَصْحَابُ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ مُسْتَدِلًّا بِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَلِأَنَّهَا عَيْنٌ مُبَاحَةٌ فَلَا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُهَا إِلَى إِذْنٍ كَأَخْذِ الْمُبَاحِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عُمُومَ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ ، وَقِيلَ : لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ، وَحَكَاهُ فِي " الْوَاضِحِ " رِوَايَةً ; لِأَنَّ لَهُ مُدْخَلًا فِي النَّظَرِ فِي ذَلِكَ ( فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَغَيْرِهَا ) يَعْنِي أَنَّ جَمِيعَ الْبِلَادِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ ، فُتِحْتَ عُنْوَةً كَأَرْضِ الشَّامِ ، وَالْعِرَاقِ ، وَمَا أَسْلَمَ أَهْلُهُ عَلَيْهِ كَالْمَدِينَةِ ، وَمَا صُولِحَ أَهْلُهُ عَلَى أَنَّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ كَخَيْبَرَ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَوَاتُ الْحَرَمِ وَعَرَفَاتٍ ، وَعَنْهُ : لَيْسَ فِي أَرْضِ السَّوَادِ مَوَاتٌ مُعَلِّلًا بِأَنَّهَا لِجَمَاعَةٍ ، فَلَا يُخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمْ ، وَحَمَلَهَا الْقَاضِي عَلَى الْعَامِّ ، وَأَنَّ أَحْمَدَ قَالَهُ حِينَ كَانَ السَّوَادُ عَامِرًا فِي زَمَنِ عُمَرَ ( إِلَّا مَا أَحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أَرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيْهَا ) أَيْ : لَا يَمْلِكُ مُسْلِمٌ بِالْإِحْيَاءِ مَوَاتَ بَلْدَةِ كُفَّارٍ صُولِحُوا عَلَى أَنَّهَا لَهُمْ ، وَلَنَا خَرَاجُهَا ; لِأَنَّهُمْ صُولِحُوا فِي بِلَادِهِمْ فَلَا يَجُوزُ التَّعَرُّضُ لِشَيْءٍ مِنْهَا ; لِأَنَّ الْمَوَاتَ تَابِعٌ لِلْبَلَدِ ، وَيُفَارِقُ دَارَ الْحَرْبِ ; لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ ، وَقِيلَ : يَمْلِكُ بِهِ لِعُمُومِ الْخَبَرِ ، وَلِأَنَّهَا مِنْ مُبَاحَاتِ دَارِهِمْ ، فَمَلَكَ بِهِ كَالْمُبَاحِ .
( وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ ) كَطُرُقِهِ ، وَفِنَائِهِ ، وَمَسِيلِ مَائِهِ ، وَمَرْعَاهُ ، وَمُحْتَطَبِهِ ، وَحَرِيمِهِ ( لَمْ يَمْلِكْ بِالْإِحْيَاءِ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ 251 مَصَالِحِ الْمِلْكِ فَأُعْطِيَ حُكْمُهُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مَنَافِعَ الْمَرَافِقِ لَا يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِالْإِحْيَاءِ ، لَكِنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقْطَعُهُ إِمَامٌ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ ( وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَنَصُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْإِحْيَاءِ لِلْعُمُومِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ ، وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِمَصَالِحِ الْعَامِرِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَمْلِكُ بِهِ تَنْزِيلًا لِلضَّرَرِ فِي الْمَآلِ مَنْزِلَةَ الضَّرَرِ فِي الْحَالِ ، إِذْ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ فِي الْمَآلِ ، وَالْأُولَى أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةٌ ، فَجَازَ إِحْيَاؤُهُ كَالْبَعِيدِ ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إِلَى الْعُرْفِ ، وَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ .
فَائِدَةٌ : إِذَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ ، فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ لِلْخَبَرِ ، وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ فِيمَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا : تَوْبَتُهُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ .
( وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ ) وَهُوَ شَيْءٌ أَسْوَدُ ، تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ ( وَالنِّفْطُ ) بِفَتْحٍ ، وَكَسْرِهَا ، وَهُوَ أَفْصَحُ ( وَالْكُحْلُ وَالْجِصُّ بِالْإِحْيَاءِ ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ ، فَقَطَعَ لَهُ ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَجُلٌ : أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ ؛ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ ، قَالَ : فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ ، قَالَ : وَسَأَلَهُ عَمَّا يُحْمَى مِنَ الْأَرَاكِ ؛ قَالَ : مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ فَلَمْ 252 يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ كَطُرَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا مِنْ مَوَارِدِ اللَّهِ الْكَرِيمِ ، وَفَيْضِ جُودِهِ الْعَمِيمِ ، فَلَوْ مُلِّكَ بِالِاحْتِجَارِ مِلْكٌ مَنَعَهُ ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ ( وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَهِيَ كَالْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا كَذَلِكَ ، وَقِيلَ : يَمْلِكُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ ، فَمَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ كَالْأَرْضِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهَا ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " خِلَافَهُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ .
فَرْعٌ : مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فِي الْجَزَائِرِ ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِهِ ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِيهَا يَرُدُّ الْمَاءَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَيَضُرُّ بِأَهْلِهِ .
( وَإِذَا كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ ) فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى أَحَدٍ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ ، وَإِحْيَاؤُهُ بِعَمَلٍ مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ ، وَتَمْهِيدِهِ ، وَفَتْحِ قَنَاةٍ إِلَيْهِ ( وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ ) كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ ( وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا ) أَيْ : إِذَا مَلَكَ الْأَرْضَ بِالْإِحْيَاءِ ( مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) وَالْحَدِيدِ ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا ، وَهَذَا مِنْهَا بِخِلَافِ الْكَنْزِ فَإِنْهُ مُودَعٌ فِيهَا ، وَيُفَارِقُ مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا قَبْلَ إِحْيَائِهَا ; لِأَنَّهُ قَطَعَ عَنِ النَّاسِ نَفْعًا كَانَ وَاصِلًا إِلَيْهِمْ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ ، وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ أَوْ أَقْطَعَهَا فَظَهَرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إِحْيَائِهَا 253 كَانَ لَهُ إِحْيَاؤُهَا ، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا ; لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِتْمَامِ حَقِّهِ .
( وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ ، أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ ، أَوْ كَلَأٌ ، أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " مَنْ سَبَقَ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِي لَفْظِ " فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ " وَلِأَنَّهُ لَوْ سَبَقَ إِلَى الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ أَرْضَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَهُنَا أَوْلَى ( وَهَلْ يَمْلِكُهُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَصَحُّهُمَا لَا يَمْلِكُهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَاءِ ، وَالْكَلَأِ ، وَالنَّارِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَالْكَنْزِ ، وَالثَّانِيَةُ بَلَى ; لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ أَرْضِهِ ، أَشْبَهَ الْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ وَالزَّرْعَ ( وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا " مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً مُبَاحًا ، وَلَمْ يَنْضُرْ بِهَا ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي اتِّصَالَهُ بِمَرْعًى ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْلُ وَالدَّلْوُ ; لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ مَالِهِ ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " ( وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَصَحُّهُمَا : يَلْزَمُهُ ، لِمَا رَوَى إِيَاسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالدُّخُولِ ، أَوْ لَهُ 254 فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ ، فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَلْزَمُهُ ، جُزِمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَعَلَيْهَا يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ ، أَوْ وَزْنٍ ، وَيَحْرُمُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ بِالرَّيِّ ، أَوْ جُزَافًا ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، قَالَ : وَإِنْ بَاعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِنْ سَائِحٍ ، جَازَ كَمَاءِ عَيْنٍ ، لَا بَيْعَ كُلِّ الْمَاءِ لِاخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ .
( وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ ) كَطُرُقِهِ ، وَفِنَائِهِ ، وَمَسِيلِ مَائِهِ ، وَمَرْعَاهُ ، وَمُحْتَطَبِهِ ، وَحَرِيمِهِ ( لَمْ يَمْلِكْ بِالْإِحْيَاءِ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، لِمَفْهُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ : مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فِي غَيْرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ 251 مَصَالِحِ الْمِلْكِ فَأُعْطِيَ حُكْمُهُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَنَّ مَنَافِعَ الْمَرَافِقِ لَا يَمْلِكُهَا الْمُحْيِي بِالْإِحْيَاءِ ، لَكِنْ هُوَ أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَا يَقْطَعُهُ إِمَامٌ لِتَعَلُّقِ حَقِّهِ بِهِ ( وَإِنْ لَمْ تَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ فَعَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَنَصُّهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا عِنْدَ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ يَمْلِكُ بِالْإِحْيَاءِ لِلْعُمُومِ مَعَ انْتِفَاءِ الْمَانِعِ ، وَهُوَ التَّعَلُّقُ بِمَصَالِحِ الْعَامِرِ ، وَالثَّانِيَةُ : لَا يَمْلِكُ بِهِ تَنْزِيلًا لِلضَّرَرِ فِي الْمَآلِ مَنْزِلَةَ الضَّرَرِ فِي الْحَالِ ، إِذْ هُوَ بِصَدَدِ أَنْ يَحْتَاجَ إِلَيْهِ فِي الْمَآلِ ، وَالْأُولَى أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ الْعَقِيقَ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنْ عِمَارَةِ الْمَدِينَةِ ، وَلِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ مَصْلَحَةٌ ، فَجَازَ إِحْيَاؤُهُ كَالْبَعِيدِ ، وَالْمَرْجِعُ فِي الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ إِلَى الْعُرْفِ ، وَعَلَيْهَا لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ .
فَائِدَةٌ : إِذَا وَقَعَ فِي الطَّرِيقِ نِزَاعٌ وَقْتَ الْإِحْيَاءِ ، فَلَهَا سَبْعَةُ أَذْرُعٍ لِلْخَبَرِ ، وَلَا تُغَيَّرُ بَعْدَ وَضْعِهَا ; لِأَنَّهَا لِلْمُسْلِمِينَ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَقَالَ فِيمَنْ أَخَذَ مِنْهَا شَيْئًا : تَوْبَتُهُ أَنْ يَرُدَّ مَا أَخَذَ .
( وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ كَالْمِلْحِ وَالْقَارِ ) وَهُوَ شَيْءٌ أَسْوَدُ ، تُطْلَى بِهِ السُّفُنُ ( وَالنِّفْطُ ) بِفَتْحٍ ، وَكَسْرِهَا ، وَهُوَ أَفْصَحُ ( وَالْكُحْلُ وَالْجِصُّ بِالْإِحْيَاءِ ) لِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ عَوْفٍ الْمُزَنِيُّ عَنْ أَبْيَضَ بْنِ حَمَّالٍ أَنَّهُ وَفَدَ إِلَى النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فَاسْتَقْطَعَهُ الْمِلْحَ ، فَقَطَعَ لَهُ ، فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَجُلٌ : أَتَدْرِي مَا قَطَعْتَ لَهُ ؛ إِنَّمَا قَطَعْتَ لَهُ الْمَاءَ الْعِدَّ ، قَالَ : فَانْتَزَعَهُ مِنْهُ ، قَالَ : وَسَأَلَهُ عَمَّا يُحْمَى مِنَ الْأَرَاكِ ؛ قَالَ : مَا لَمْ تَنَلْهُ أَخْفَافُ الْإِبِلِ ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا تَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةُ فَلَمْ 252 يَجُزْ إِحْيَاؤُهُ كَطُرَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ ، قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : هَذَا مِنْ مَوَارِدِ اللَّهِ الْكَرِيمِ ، وَفَيْضِ جُودِهِ الْعَمِيمِ ، فَلَوْ مُلِّكَ بِالِاحْتِجَارِ مِلْكٌ مَنَعَهُ ، فَضَاقَ عَلَى النَّاسِ ( وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ عَلِمْنَاهُ لِمَا ذَكَرْنَا ، فَأَمَّا الْمَعَادِنُ الْبَاطِنَةُ وَهِيَ الَّتِي لَا يُوصَلُ إِلَيْهَا إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ ظَاهِرَةً فَهِيَ كَالْأَوَّلِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ ظَاهِرَةً فَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ أَنَّهَا كَذَلِكَ ، وَقِيلَ : يَمْلِكُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مَوَاتٌ لَا يُنْتَفَعُ بِهِ إِلَّا بِالْعَمَلِ وَالْمُؤْنَةِ ، فَمَلَكَ بِالْإِحْيَاءِ كَالْأَرْضِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ لَيْسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهَا ، وَصَحَّحَ فِي " الْمُغْنِي " ، وَ " الشَّرْحِ " خِلَافَهُ ; لِأَنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلَامُ أَقْطَعَ بِلَالَ بْنَ الْحَارِثِ مَعَادِنَ الْقَبَلِيَّةِ .
فَرْعٌ : مَا نَضَبَ عَنْهُ الْمَاءُ فِي الْجَزَائِرِ ، فَالْأَشْهَرُ أَنَّهُ لَا يُمْلَكُ بِهِ ; لِأَنَّ الْبِنَاءَ فِيهَا يَرُدُّ الْمَاءَ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ ، فَيَضُرُّ بِأَهْلِهِ .
( وَإِذَا كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا مُلِكَ بِالْإِحْيَاءِ ) فِي الْأَصَحِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُضَيِّقْ عَلَى أَحَدٍ ، فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ ، وَإِحْيَاؤُهُ بِعَمَلٍ مِمَّا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ حَفْرِ تُرَابِهِ ، وَتَمْهِيدِهِ ، وَفَتْحِ قَنَاةٍ إِلَيْهِ ( وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ ) كَبَقِيَّةِ الْمَوَاتِ ( وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا ) أَيْ : إِذَا مَلَكَ الْأَرْضَ بِالْإِحْيَاءِ ( مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ) وَالْحَدِيدِ ; لِأَنَّهُ مَلَكَ الْأَرْضَ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَطَبَقَاتِهَا ، وَهَذَا مِنْهَا بِخِلَافِ الْكَنْزِ فَإِنْهُ مُودَعٌ فِيهَا ، وَيُفَارِقُ مَا إِذَا كَانَ ظَاهِرًا قَبْلَ إِحْيَائِهَا ; لِأَنَّهُ قَطَعَ عَنِ النَّاسِ نَفْعًا كَانَ وَاصِلًا إِلَيْهِمْ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ يَمْلِكُ الْمَعَادِنَ الظَّاهِرَةَ ، وَلَوْ تَحَجَّرَ الْأَرْضَ أَوْ أَقْطَعَهَا فَظَهَرَ فِيهَا الْمَعْدِنُ قَبْلَ إِحْيَائِهَا 253 كَانَ لَهُ إِحْيَاؤُهَا ، وَيَمْلِكُهَا بِمَا فِيهَا ; لِأَنَّهُ صَارَ أَحَقَّ بِتَحَجُّرِهِ وَإِقْطَاعِهِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْ إِتْمَامِ حَقِّهِ .
( وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَيْنُ مَاءٍ ، أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ ، أَوْ كَلَأٌ ، أَوْ شَجَرٌ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ) لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " مَنْ سَبَقَ إِلَى مَنْ لَمْ يَسْبِقْ إِلَيْهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَفِي لَفْظِ " فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ " وَلِأَنَّهُ لَوْ سَبَقَ إِلَى الْمُبَاحِ الَّذِي لَا يَمْلِكُ أَرْضَهُ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ ، فَهُنَا أَوْلَى ( وَهَلْ يَمْلِكُهُ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَصَحُّهُمَا لَا يَمْلِكُهُ ، لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ " النَّاسُ شُرَكَاءُ فِي ثَلَاثٍ : فِي الْمَاءِ ، وَالْكَلَأِ ، وَالنَّارِ " رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ، وَلِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ ، فَلَمْ يَمْلِكْهَا بِمِلْكِ الْأَرْضِ كَالْكَنْزِ ، وَالثَّانِيَةُ بَلَى ; لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ أَرْضِهِ ، أَشْبَهَ الْمَعَادِنَ الْجَامِدَةَ وَالزَّرْعَ ( وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيْرِهِ ) لِمَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : لَا تَمْنَعُوا فَضْلَ الْمَاءِ لِتَمْنَعُوا بِهِ الْكَلَأَ ، مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا " مَنْ مَنَعَ فَضْلَ مَائِهِ أَوْ فَضْلَ كَلَئِهِ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَمَحَلُّهُ إِذَا لَمْ يَجِدْ مَاءً مُبَاحًا ، وَلَمْ يَنْضُرْ بِهَا ، وَاعْتَبَرَ الْقَاضِي اتِّصَالَهُ بِمَرْعًى ، وَلَا يَلْزَمُهُ الْحَبْلُ وَالدَّلْوُ ; لِأَنَّهُ يَتْلَفُ بِالِاسْتِعْمَالِ ، أَشْبَهَ بَقِيَّةَ مَالِهِ ، قَالَهُ فِي " الْكَافِي " ( وَهَلْ يَلْزَمُهُ بِذْلُهُ لِزَرْعِ غَيْرِهِ ؛ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ) أَصَحُّهُمَا : يَلْزَمُهُ ، لِمَا رَوَى إِيَاسٌ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ فَضْلِ الْمَاءِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، قَالَ أَحْمَدُ : إِلَّا أَنْ يُؤْذِيَهُ بِالدُّخُولِ ، أَوْ لَهُ 254 فِيهِ مَاءُ السَّمَاءِ ، فَيَخَافُ عَطَشًا فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَهُ ، وَالثَّانِيَةُ لَا يَلْزَمُهُ ، جُزِمَ بِهَا فِي " الْوَجِيزِ " ; لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي نَفْسِهِ ، فَعَلَيْهَا يَبِيعُهُ بِكَيْلٍ ، أَوْ وَزْنٍ ، وَيَحْرُمُ مُقَدَّرًا بِمُدَّةٍ مَعْلُومَةٍ ، أَوْ بِالرَّيِّ ، أَوْ جُزَافًا ، قَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ ، قَالَ : وَإِنْ بَاعَ آصُعًا مَعْلُومَةً مِنْ سَائِحٍ ، جَازَ كَمَاءِ عَيْنٍ ، لَا بَيْعَ كُلِّ الْمَاءِ لِاخْتِلَاطِهِ بِغَيْرِهِ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث