المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء الخامس
فَصْلٌ
( وَيُرْجَعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ ) لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَ وَقْفًا ، وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا ، وَلَوْ لَمْ يَجِبِ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِهِ فَائِدَةٌ ، وَلِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا ، فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَا حَقَّ لَهَا فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ مُتَلَقًّى مِنْ جِهَتِهِ ، فَاتُّبِعَ شَرْطُهُ ، وَنَصُّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ ، مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَهُ وَلَفْظَ الْمُوصِي ، وَالْحَالِفِ ، وَالنَّاذِرِ ، وَكُلِّ عَاقِدٍ - يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا ، وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوِ الشَّارِعِ أَوْ لَا ، فَلَوْ تَعَقَّبَ شَرْطَهُ جُمَلًا عَادَ إِلَى الْكُلِّ ، وَاسْتِثْنَاءٌ كَشَرْطٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَكَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ ، وَعَطْفُ بَيَانٍ ، وَتَوْكِيدٌ ، وَبَدَلٌ ، وَنَحْوُهُ ، وَجَارٌّ وَمَجْرُورٌ نَحْوُ : وَعَلَى أَنَّهُ ، وَبِشَرْطِ أَنَّهُ ، وَنَحْوُهُ ( فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ) ، أَيْ عَلَى أَنَّ لِلْأُنْثَى سَهْمًا ، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْسِمَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمِيرَاثِ ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وَقَالَ الْقَاضِي : الْمُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ ، وَقَدِ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اتِّصَالُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ كَالْعَطِيَّةِ ، وَالذَّكَرُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ غَالِبًا 334 بِوُجُوبِ حُقُوقٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى ( وَفِي التَّقْدِيمِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا يُقَدِّمُ الْأَفْقَهَ ، أَوِ الْأَدْيَنَ أَوِ الْمَرِيضَ ، وَنَحْوَهُ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَا إِذَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْوَقْفِ : إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْأَثَرَةِ ، فَأَكْرَهُهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَهُ عِيَالٌ وَبِهِ حَاجَةٌ ، فَلَا بَأْسَ ، ( وَالتَّأْخِيرِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ بَعْدَ بَنِي فُلَانٍ ، ( وَالْجَمْعِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ ( وَالتَّرْتِيبِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ ، ثُمَّ يَقِفُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا ، الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى ، أَوِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، فَالتَّقْدِيمُ بَقَاءُ أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ عَلَى صِفَةِ أَنَّ لَهُ مَا فَضَلَ ، وَإِلَّا سَقَطَ ، وَالتَّرْتِيبُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ ، ( وَالتَّسْوِيَةِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى طَائِفَةٍ بَيْنَهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ ، وَقِيلَ : يَمْنَعُ تَسْوِيَةً بَيْنَ فُقَهَاءَ كَمُسَابَقَةٍ ، ( وَالتَّفْضِيلِ ) بِأَنْ يَقُولَ : لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ ، ( وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ ) ؛ لِقَضِيَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي بَنَاتِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ تَعْلِيقًا لِلْوَقْفِ بِصِفَةٍ ، بَلْ وَقْفًا مُطْلَقًا ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَهُ صِفَةٌ ، فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيُدْخِلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَاهُ ، لَا قَوْلُهُ يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ ؛ لِتَعْلِيقِهِ اسْتِحْقَاقَهُ بِصِفَةٍ ، كَمَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَغِلُ دُونَ غَيْرِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ عَادَ اسْتِحْقَاقُهُ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَقَالَ الْحَارِثِيُّ بِالْفَرْقِ لَا يَتَّجِهُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : كُلُّ مُتَصَرِّفٍ بِوِلَايَةٍ إِذَا قِيلَ : يَفْعَلُ مَا شَاءَ ، فَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِمَا يَهْوَاهُ أَوْ يَرَاهُ مُطْلَقًا ، فَشَرْطٌ بَاطِلٌ لِمُخَالِفَةِ الشَّرْعِ ، وَكَشَرْطِهِ تَغْيِيرَ شَرْطٍ ( وَ ) فِي ( النَّاظِرِ فِيهِ ) بِأَنْ يَقُولَ : النَّاظِرُ فُلَانٌ ، فَإِنْ مَاتَ فَفُلَانٌ ; لِأَنَّ 335 عُمَرَ جَعَلَ وَقْفَهُ إِلَى حَفْصَةَ تَلِيهِ مَا عَاشَتْ ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ؛ وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْوَقْفِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ ، فَكَذَا فِي نَظَرِهِ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا ثِقَةً كَافِيًا فِي ذَلِكَ ، خَبِيرًا بِهِ ، قَوِيًّا عَلَيْهِ ، فَإِنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَعْزِلْهُ بِلَا شَرْطٍ ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِغَيْرِهِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ فَوَّضَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ ، فَلَهُ عَزْلُهُ ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَالْحَارِثِيُّ ، وَقِيلَ : لَا ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ ، وَلِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي الْوَظَائِفِ ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " : يُقَرِّرُ فِي الْجَوَامِعِ الْكِبَارِ الْإِمَامُ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نَصِيبِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ ، وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ ، أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ فِي " الْفُرُوعِ " ، وَيَتَوَجَّهُ مَعَ حُضُورِهِ ، فَيُقَرِّرُ حَاكِمٌ فِي وَظِيفَةٍ خَلَتْ فِي غَيْبَتِهِ ، وَلَوْ سَبَقَ تَوَلِّيهِ نَاظِرٌ غَائِبٌ قُدِّمَتْ ، وَالنَّاظِرُ مُنَفِّذٌ لِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ ( وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ) بِأَنْ يَقُولَ : يُعْمَرُ الْوَقْفُ مِنَ الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ مَثَلًا ( وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِوَقْفِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهِ شَرْطُهُ ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْفِ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ ، فَكَذَا فِي تَفَاصِيلِهِ ، فَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَوْ قَدَّرَهَا بِمُدَّةٍ اتُّبِعَ ، وَأَنْ لَا يَنْزِلَ فَاسِقٌ وَشِرِّيرٌ وَمُتَجَوِّهٌ ، وَنَحْوُهُ ، عُمِلَ بِهِ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَإِلَّا تَوَجَّهَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي فُقَهَاءَ وَنَحْوِهِمْ وَفِي إِمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ الْخِلَافُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ فَاسِقٌ فِي جِهَةٍ دِينِيَّةٍ كَمَدْرَسَةِ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ وَعُقُوبَتُهُ ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ ؛ وَإِنْ نَزَلَ مُسْتَحَقٌّ تَنْزِيلًا شَرْعِيًّا لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ .
تَنْبِيهٌ : لِلْحَاكِمِ النَّظَرُ الْعَامُّ ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ إِنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ ، وَلَهُ ضَمُّ 336 أَمِينٍ مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ ، وَكَذَا مَعَ ضَعْفِهِ ، وَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ ، أَوْ أَمَرَ مُتَصَرِّفًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ قُدِحَ فِيهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَنْعَزِلَ أَوْ يُعْزَلَ ، أَوْ يُضَمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ ، عَلَى الْخِلَافِ ، ثُمَّ إِنْ صَارَ هُوَ وَالْوَصِيُّ أَهْلًا كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَكَالْمَوْصُوفِ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي النُّكَتِ أَنَّهُ لَوْ عُزِلَ مِنْ وَظِيفَتِهِ لِلْفِسْقِ ثُمَّ تَابَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا ، وَإِذَا فَرَّطَ سَقَطَ مِمَّا لَهُ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ مِنَ الْوَاجِبِ ، وَإِذَا أَطْلَقَ النَّظَرَ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ شَمِلَ أَيَّ حَاكِمٍ ، وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ ذَوِي الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ تَوْلِيَةُ مَنْ شَاءَ ، وَلَوْ فَوَّضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ لِآخَرَ نَقْضُهُ ، وَلَوْ وَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمْ .
فَرْعٌ : إِذَا جَهِلَ شَرْطَ الْوَاقِفِ تَسَاوَى فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ ثَبَتَتْ ، وَلَمْ يَثْبُتِ التَّفْضِيلُ ، فَوَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ كَمَا لَوْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ بِلَفْظِهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ ، وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةً ، قَالَ : لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ وَالْعُرْفَ الْمُسْتَقِرَّ فِي الْوَقْفِ يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدُلُّ لَفْظِ الِاسْتِفَاضَةِ .
( فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا ) أَوْ شَرَطَهُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ ( فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَغَلَّتُهُ لَهُ ، فَكَانَ نَظَرُهُ إِلَيْهِ كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَقَلَّ بِهِ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ ؛ حِفْظًا لِأَصِلِ الْوَقْفِ عَنِ التَّضْيِيعِ ، وَإِنْ كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ ، أَوْ مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ، فَإِنَّهُ لِلْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ 337 ( وَقِيلَ : لِلْحَاكِمِ ) أَيْ حَاكِمِ الْبَلَدِ ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْجُودِينَ وَحَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ ، وَبَنَاهُ الْمُؤَلِّفُ - وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَ - الْفُرُوعِ " - عَلَى الْمِلْكِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَالنَّظَرُ لَهُ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَيْنَهُ وَنَفْعَهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَاكِمُ يَتَوَلَّاهُ وَيَصْرِفُهُ فِي مَصْرِفِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَالْحَاصِلُ إِنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مَنْ حَاكَمٍ أَوْ نَاظِرٍ فَلَابُدَّ فِيهِ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ وَاقِفٍ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ عَدْلٌ ، فَفَسَقَ ، صَحَّ ، وَضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ وَوَظِيفَةُ نَاظِرٍ ، حِفْظُ وَقْفٍ ، وَعِمَارَةٍ ، وَإِيجَارٍ ، وَزِرَاعَةٍ ، وَمُخَاصَمَةٍ فِيهِ ، وَتَحْصِيلُ رَيْعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ ، وَزَرْعٍ ، وَثَمَرَةٍ ، وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلَاحٍ وَإِعْطَاءِ مُسْتَحَقٍّ وَنَحْوُهُ .
فَرْعٌ : إِذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا بِلَا شَرْطٍ ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَحَّ ، فَإِنْ شَرَطَهُ لِاثْنَيْنِ مِنْ أَفَاضِلِ وَلَدِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ ; لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرٍ وَاحِدٍ ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَهُ لِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوِ انْعَزَلَ .
( وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الْوَقْفِ ( مِنْ غَلَّتِهِ ) إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ وَاقِفٌ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ ذَا رُوحٍ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ بِيعَ وَصُرِفَ الثَّمَنُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى تَكُونُ وَقْفًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ فَالنَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِيعَ ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَقَارًا لَمْ 338 تَجِبْ عِمَارَتُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِهِ ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِهِ عُمِلَ بِهِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : تَجِبُ عِمَارَتُهُ بِحَسَبِ الْبُطُونِ ، وَتُقَدَّمُ عِمَارَتُهُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ أَوْلَى ، بَلْ قَدْ يَجِبُ ، وَلَوِ احْتَاجَ خَانٌ مُسَبَّلٌ ، أَوْ دَارٌ مَوْقُوفَةٌ لِسُكْنَى حَاجٍّ أَوْ غُزَاةٍ وَنَحْوِهِمْ إِلَى مَرَمَّةٍ أُوجِرَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ .
فَرْعٌ : لِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ بِلَا إِذْنِ حَاكِمٍ ، كَشِرَائِهِ الْوَقْفَ بِنَسِيئَةٍ ، أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ فِي قَرْضِهِ مَالًا لِوَلِيٍّ .
( وَيُرْجَعُ إِلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ ) لِأَنَّ عُمَرَ وَقَفَ وَقْفًا ، وَشَرَطَ فِيهِ شُرُوطًا ، وَلَوْ لَمْ يَجِبِ اتِّبَاعُ شَرْطِهِ لَمْ يَكُنْ فِي اشْتِرَاطِهِ فَائِدَةٌ ، وَلِأَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ وَقَفَ عَلَى وَلَدِهِ ، وَجَعَلَ لِلْمَرْدُودَةِ مِنْ بَنَاتِهِ أَنْ تَسْكُنَ غَيْرَ مُضِرَّةٍ وَلَا مُضَرٍّ بِهَا ، فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلَا حَقَّ لَهَا فِيهِ ، وَلِأَنَّ الْوَقْفَ مُتَلَقًّى مِنْ جِهَتِهِ ، فَاتُّبِعَ شَرْطُهُ ، وَنَصُّهُ كَنَصِّ الشَّارِعِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : يَعْنِي فِي الْفَهْمِ وَالدَّلَالَةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ ، مَعَ أَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ لَفْظَهُ وَلَفْظَ الْمُوصِي ، وَالْحَالِفِ ، وَالنَّاذِرِ ، وَكُلِّ عَاقِدٍ - يُحْمَلُ عَلَى عَادَتِهِ فِي خِطَابِهِ وَلُغَتِهِ الَّتِي يَتَكَلَّمُ بِهَا ، وَافَقَتْ لُغَةَ الْعَرَبِ أَوِ الشَّارِعِ أَوْ لَا ، فَلَوْ تَعَقَّبَ شَرْطَهُ جُمَلًا عَادَ إِلَى الْكُلِّ ، وَاسْتِثْنَاءٌ كَشَرْطٍ ، نَصَّ عَلَيْهِ ، وَكَذَا مُخَصَّصٌ مِنْ صِفَةٍ ، وَعَطْفُ بَيَانٍ ، وَتَوْكِيدٌ ، وَبَدَلٌ ، وَنَحْوُهُ ، وَجَارٌّ وَمَجْرُورٌ نَحْوُ : وَعَلَى أَنَّهُ ، وَبِشَرْطِ أَنَّهُ ، وَنَحْوُهُ ( فِي قَسْمِهِ عَلَى الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ) ، أَيْ عَلَى أَنَّ لِلْأُنْثَى سَهْمًا ، وَلِلذَّكَرِ سَهْمَيْنِ ، أَوْ بِالْعَكْسِ ، وَالْمُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْسِمَهُ عَلَى أَوْلَادِهِ عَلَى حَسَبِ قِسْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْمِيرَاثِ ( لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ) وَقَالَ الْقَاضِي : الْمُسْتَحَبُّ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمْ ; لِأَنَّ الْقَصْدَ الْقُرْبَةُ عَلَى وَجْهِ الدَّوَامِ ، وَقَدِ اسْتَوَوْا فِي الْقَرَابَةِ ، وَرُدَّ بِأَنَّهُ اتِّصَالُ الْمَالِ إِلَيْهِمْ ، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ كَالْعَطِيَّةِ ، وَالذَّكَرُ فِي مَظِنَّةِ الْحَاجَةِ غَالِبًا 334 بِوُجُوبِ حُقُوقٍ تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْأُنْثَى ( وَفِي التَّقْدِيمِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ مَثَلًا يُقَدِّمُ الْأَفْقَهَ ، أَوِ الْأَدْيَنَ أَوِ الْمَرِيضَ ، وَنَحْوَهُ ، قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَكَمِ فِيمَا إِذَا خَصَّ بَعْضَهُمْ بِالْوَقْفِ : إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْأَثَرَةِ ، فَأَكْرَهُهُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ لَهُ عِيَالٌ وَبِهِ حَاجَةٌ ، فَلَا بَأْسَ ، ( وَالتَّأْخِيرِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى وَلَدِ فُلَانٍ بَعْدَ بَنِي فُلَانٍ ، ( وَالْجَمْعِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَأَوْلَادِ أَوْلَادِهِ وَنَسْلِهِ وَعَقِبِهِ ( وَالتَّرْتِيبِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى أَوْلَادِهِ ثُمَّ أَوْلَادِهِمْ ، ثُمَّ يَقِفُ عَلَى أَوْلَادِهِ وَإِنْ نَزَلُوا ، الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى ، أَوِ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ، أَوْ عَلَى أَوْلَادِهِ ، فَإِذَا انْقَرَضُوا فَعَلَى أَوْلَادِ أَوْلَادِهِ ، فَالتَّقْدِيمُ بَقَاءُ أَصْلِ الِاسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ عَلَى صِفَةِ أَنَّ لَهُ مَا فَضَلَ ، وَإِلَّا سَقَطَ ، وَالتَّرْتِيبُ عَدَمُ اسْتِحْقَاقِ الْمُؤَخَّرِ مَعَ وُجُودِ الْمُقَدَّمِ ، ( وَالتَّسْوِيَةِ ) بِأَنْ يَقِفَ عَلَى طَائِفَةٍ بَيْنَهُمْ بِالتَّسْوِيَةِ ، وَقِيلَ : يَمْنَعُ تَسْوِيَةً بَيْنَ فُقَهَاءَ كَمُسَابَقَةٍ ، ( وَالتَّفْضِيلِ ) بِأَنْ يَقُولَ : لِوَاحِدٍ الثُّلُثُ ، وَلِلْآخَرِ الثُّلُثَانِ ، ( وَإِخْرَاجِ مَنْ شَاءَ بِصِفَةٍ وَإِدْخَالِهِ بِصِفَةٍ ) ؛ لِقَضِيَّةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي بَنَاتِهِ ، وَلَيْسَ هُوَ تَعْلِيقًا لِلْوَقْفِ بِصِفَةٍ ، بَلْ وَقْفًا مُطْلَقًا ، وَالِاسْتِحْقَاقُ لَهُ صِفَةٌ ، فَلَوْ شَرَطَ أَنْ يُخْرِجَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمْ وَيُدْخِلَ مَنْ شَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ لَمْ يَصِحَّ ؛ لِمُنَافَاتِهِ مُقْتَضَاهُ ، لَا قَوْلُهُ يُعْطِي مَنْ شَاءَ وَيَمْنَعُ مَنْ شَاءَ ؛ لِتَعْلِيقِهِ اسْتِحْقَاقَهُ بِصِفَةٍ ، كَمَا لَوْ وَقَفَهُ عَلَى الْمُشْتَغِلِينَ بِالْعِلْمِ مِنْ وَلَدِهِ فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ الْمُشْتَغِلُ دُونَ غَيْرِهِ ، فَمَنْ تَرَكَ الِاشْتِغَالَ زَالَ اسْتِحْقَاقُهُ ، فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ عَادَ اسْتِحْقَاقُهُ ، ذَكَرَهُ فِي " الْمُغْنِي " وَ " الشَّرْحِ " وَقَالَ الْحَارِثِيُّ بِالْفَرْقِ لَا يَتَّجِهُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : كُلُّ مُتَصَرِّفٍ بِوِلَايَةٍ إِذَا قِيلَ : يَفْعَلُ مَا شَاءَ ، فَإِنَّمَا هُوَ لِمَصْلَحَةٍ شَرْعِيَّةٍ حَتَّى لَوْ صَرَّحَ الْوَاقِفُ بِمَا يَهْوَاهُ أَوْ يَرَاهُ مُطْلَقًا ، فَشَرْطٌ بَاطِلٌ لِمُخَالِفَةِ الشَّرْعِ ، وَكَشَرْطِهِ تَغْيِيرَ شَرْطٍ ( وَ ) فِي ( النَّاظِرِ فِيهِ ) بِأَنْ يَقُولَ : النَّاظِرُ فُلَانٌ ، فَإِنْ مَاتَ فَفُلَانٌ ; لِأَنَّ 335 عُمَرَ جَعَلَ وَقْفَهُ إِلَى حَفْصَةَ تَلِيهِ مَا عَاشَتْ ، ثُمَّ يَلِيهِ ذُو الرَّأْيِ مِنْ أَهْلِهَا ؛ وَلِأَنَّ مَصْرِفَ الْوَقْفِ يُتْبَعُ فِيهِ شَرْطُ الْوَاقِفِ ، فَكَذَا فِي نَظَرِهِ ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا ثِقَةً كَافِيًا فِي ذَلِكَ ، خَبِيرًا بِهِ ، قَوِيًّا عَلَيْهِ ، فَإِنْ جَعَلَهُ لِغَيْرِهِ لَمْ يَعْزِلْهُ بِلَا شَرْطٍ ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِنَفْسِهِ ثُمَّ لِغَيْرِهِ صَحَّ فِي الْأَصَحِّ ، وَإِنْ فَوَّضَهُ لِغَيْرِهِ أَوْ أَسْنَدَهُ ، فَلَهُ عَزْلُهُ ، قَالَهُ ابْنُ حَمْدَانَ وَالْحَارِثِيُّ ، وَقِيلَ : لَا ، وَاخْتَارَهُ جَمْعٌ ، وَلِلنَّاظِرِ التَّقْرِيرُ فِي الْوَظَائِفِ ، وَفِي " الْأَحْكَامِ السُّلْطَانِيَّةِ " : يُقَرِّرُ فِي الْجَوَامِعِ الْكِبَارِ الْإِمَامُ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ الِاسْتِحْقَاقُ عَلَى نَصِيبِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ ، وَلَا نَظَرَ لِغَيْرِهِ مَعَهُ ، أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ فِي " الْفُرُوعِ " ، وَيَتَوَجَّهُ مَعَ حُضُورِهِ ، فَيُقَرِّرُ حَاكِمٌ فِي وَظِيفَةٍ خَلَتْ فِي غَيْبَتِهِ ، وَلَوْ سَبَقَ تَوَلِّيهِ نَاظِرٌ غَائِبٌ قُدِّمَتْ ، وَالنَّاظِرُ مُنَفِّذٌ لِمَا شَرَطَهُ الْوَاقِفُ ( وَالْإِنْفَاقُ عَلَيْهِ ) بِأَنْ يَقُولَ : يُعْمَرُ الْوَقْفُ مِنَ الْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ مَثَلًا ( وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ ) ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ بِوَقْفِهِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُتَّبَعَ فِيهِ شَرْطُهُ ، وَلِأَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْفِ مُفَوَّضٌ إِلَيْهِ ، فَكَذَا فِي تَفَاصِيلِهِ ، فَلَوْ شَرَطَ أَنْ لَا يُؤَجِّرَ أَوْ قَدَّرَهَا بِمُدَّةٍ اتُّبِعَ ، وَأَنْ لَا يَنْزِلَ فَاسِقٌ وَشِرِّيرٌ وَمُتَجَوِّهٌ ، وَنَحْوُهُ ، عُمِلَ بِهِ . قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَإِلَّا تَوَجَّهَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ فِي فُقَهَاءَ وَنَحْوِهِمْ وَفِي إِمَامٍ وَمُؤَذِّنٍ الْخِلَافُ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ فَاسِقٌ فِي جِهَةٍ دِينِيَّةٍ كَمَدْرَسَةِ وَغَيْرِهَا مُطْلَقًا ; لِأَنَّهُ يَجِبُ الْإِنْكَارُ وَعُقُوبَتُهُ ، فَكَيْفَ يَنْزِلُ ؛ وَإِنْ نَزَلَ مُسْتَحَقٌّ تَنْزِيلًا شَرْعِيًّا لَمْ يَجُزْ صَرْفُهُ بِلَا مُوجِبٍ شَرْعِيٍّ .
تَنْبِيهٌ : لِلْحَاكِمِ النَّظَرُ الْعَامُّ ، فَيَعْتَرِضُ عَلَيْهِ إِنْ فَعَلَ مَا لَا يَسُوغُ ، وَلَهُ ضَمُّ 336 أَمِينٍ مَعَ تَفْرِيطِهِ أَوْ تُهْمَتِهِ ، وَكَذَا مَعَ ضَعْفِهِ ، وَمَنْ ثَبَتَ فِسْقُهُ ، أَوْ أَمَرَ مُتَصَرِّفًا بِخِلَافِ الشَّرْطِ الصَّحِيحِ عَالِمًا بِتَحْرِيمِهِ قُدِحَ فِيهِ ، فَإِمَّا أَنْ يَنْعَزِلَ أَوْ يُعْزَلَ ، أَوْ يُضَمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ ، عَلَى الْخِلَافِ ، ثُمَّ إِنْ صَارَ هُوَ وَالْوَصِيُّ أَهْلًا كَمَا لَوْ صَرَّحَ بِهِ وَكَالْمَوْصُوفِ ، ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ، وَذَكَرَ الْمَجْدُ فِي النُّكَتِ أَنَّهُ لَوْ عُزِلَ مِنْ وَظِيفَتِهِ لِلْفِسْقِ ثُمَّ تَابَ لَمْ يَعُدْ إِلَيْهَا ، وَإِذَا فَرَّطَ سَقَطَ مِمَّا لَهُ بِقَدْرِ مَا فَوَّتَهُ مِنَ الْوَاجِبِ ، وَإِذَا أَطْلَقَ النَّظَرَ لِحَاكِمِ الْمُسْلِمِينَ شَمِلَ أَيَّ حَاكِمٍ ، وَأَفْتَى جَمَاعَةٌ مِنْ ذَوِي الْمَذَاهِبِ أَنَّهُ عِنْدَ التَّعَدُّدِ يَكُونُ لِلسُّلْطَانِ تَوْلِيَةُ مَنْ شَاءَ ، وَلَوْ فَوَّضَهُ حَاكِمٌ لَمْ يَجُزْ لِآخَرَ نَقْضُهُ ، وَلَوْ وَلَّى كُلٌّ مِنْهُمَا شَخْصًا قَدَّمَ وَلِيُّ الْأَمْرِ أَحَقَّهُمْ .
فَرْعٌ : إِذَا جَهِلَ شَرْطَ الْوَاقِفِ تَسَاوَى فِيهِ الْمُسْتَحِقُّونَ ; لِأَنَّ الشَّرِكَةَ ثَبَتَتْ ، وَلَمْ يَثْبُتِ التَّفْضِيلُ ، فَوَجَبَتِ التَّسْوِيَةُ كَمَا لَوْ شَرَكَ بَيْنَهُمْ بِلَفْظِهِ ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " وَغَيْرِهِ ، وَقَيَّدَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ عَادَةً ، قَالَ : لِأَنَّ الْعَادَةَ الْمُسْتَمِرَّةَ وَالْعُرْفَ الْمُسْتَقِرَّ فِي الْوَقْفِ يَدُلُّ عَلَى شَرْطِ الْوَاقِفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَدُلُّ لَفْظِ الِاسْتِفَاضَةِ .
( فَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ نَاظِرًا ) أَوْ شَرَطَهُ لِإِنْسَانٍ فَمَاتَ ( فَالنَّظَرُ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ ) عَلَى الْمَذْهَبِ ; لِأَنَّهُ مِلْكُهُ وَغَلَّتُهُ لَهُ ، فَكَانَ نَظَرُهُ إِلَيْهِ كَمِلْكِهِ الْمُطْلَقِ ، فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَقَلَّ بِهِ مُطْلَقًا ، وَقِيلَ : يُضَمُّ إِلَى الْفَاسِقِ أَمِينٌ ؛ حِفْظًا لِأَصِلِ الْوَقْفِ عَنِ التَّضْيِيعِ ، وَإِنْ كَانَ مُوَلًّى عَلَيْهِ قَامَ وَلِيُّهُ مَقَامَهُ ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَهُوَ بَيْنَهُمْ عَلَى قَدْرِ حِصَصِهِمْ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا إِذَا كَانَ الْوَقْفُ عَلَى مَسْجِدٍ ، أَوْ مَنْ لَا يُمْكِنُ حَصْرُهُمْ ، فَإِنَّهُ لِلْحَاكِمِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالِكٌ مُعَيَّنٌ ، وَلَهُ أَنْ يَسْتَنِيبَ فِيهِ 337 ( وَقِيلَ : لِلْحَاكِمِ ) أَيْ حَاكِمِ الْبَلَدِ ، اخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي مُوسَى ; لِأَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِهِ حَقُّ الْمَوْجُودِينَ وَحَقُّ مَنْ يَأْتِي مِنَ الْبُطُونِ ، وَبَنَاهُ الْمُؤَلِّفُ - وَهُوَ ظَاهِرُ " الْمُحَرَّرِ " وَ - الْفُرُوعِ " - عَلَى الْمِلْكِ ، فَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلْمَوْقُوفِ عَلَيْهِ فَالنَّظَرُ لَهُ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ عَيْنَهُ وَنَفْعَهُ ، وَإِنْ قُلْنَا : هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْحَاكِمُ يَتَوَلَّاهُ وَيَصْرِفُهُ فِي مَصْرِفِهِ كَالْوَقْفِ عَلَى الْمَسَاكِينِ ، وَالْحَاصِلُ إِنْ كَانَ النَّظَرُ لِغَيْرِ مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ ، وَكَانَتْ وِلَايَتُهُ مَنْ حَاكَمٍ أَوْ نَاظِرٍ فَلَابُدَّ فِيهِ مِنْ شَرْطِ الْعَدَالَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ وِلَايَتُهُ مِنْ وَاقِفٍ وَهُوَ فَاسِقٌ أَوْ عَدْلٌ ، فَفَسَقَ ، صَحَّ ، وَضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ وَوَظِيفَةُ نَاظِرٍ ، حِفْظُ وَقْفٍ ، وَعِمَارَةٍ ، وَإِيجَارٍ ، وَزِرَاعَةٍ ، وَمُخَاصَمَةٍ فِيهِ ، وَتَحْصِيلُ رَيْعِهِ مِنْ أُجْرَةٍ ، وَزَرْعٍ ، وَثَمَرَةٍ ، وَصَرْفُهُ فِي جِهَاتِهِ مِنْ عِمَارَةٍ وَإِصْلَاحٍ وَإِعْطَاءِ مُسْتَحَقٍّ وَنَحْوُهُ .
فَرْعٌ : إِذَا شَرَطَ النَّظَرَ لِاثْنَيْنِ فَأَكْثَرَ لَمْ يَصِحَّ تَصَرُّفُ أَحَدِهِمَا بِلَا شَرْطٍ ، وَإِنْ شَرَطَهُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا صَحَّ ، فَإِنْ شَرَطَهُ لِاثْنَيْنِ مِنْ أَفَاضِلِ وَلَدِهِ فَلَمْ يُوجَدْ مِنْهُمَا إِلَّا وَاحِدٌ ضُمَّ إِلَيْهِ أَمِينٌ ; لِأَنَّ الْوَاقِفَ لَمْ يَرْضَ بِنَظَرٍ وَاحِدٍ ، ذَكَرَهُ فِي " الْكَافِي " ، وَكَذَا لَوْ جَعَلَهُ لِاثْنَيْنِ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا أَوِ انْعَزَلَ .
( وَيُنْفِقُ عَلَيْهِ ) أَيْ عَلَى الْوَقْفِ ( مِنْ غَلَّتِهِ ) إِنْ لَمْ يُعَيَّنْ وَاقِفٌ مِنْ غَيْرِهِ ; لِأَنَّ الْوَقْفَ تَحْبِيسُ الْأَصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ، فَكَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَلَّةٌ فَالنَّفَقَةُ عَلَى مَوْقُوفٍ عَلَيْهِ مُعَيَّنٍ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ ذَا رُوحٍ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ الْإِنْفَاقُ بِيعَ وَصُرِفَ الثَّمَنُ فِي عَيْنٍ أُخْرَى تَكُونُ وَقْفًا لِمَحَلِّ الضَّرُورَةِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَالْمَسَاكِينِ فَالنَّفَقَةُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ ، فَإِنْ تَعَذَّرَ بِيعَ ، ثُمَّ إِنْ كَانَ الْوَقْفُ عَقَارًا لَمْ 338 تَجِبْ عِمَارَتُهُ مِنْ غَيْرِ شَرْطِهِ ، فَإِنْ كَانَ بِشَرْطِهِ عُمِلَ بِهِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : تَجِبُ عِمَارَتُهُ بِحَسَبِ الْبُطُونِ ، وَتُقَدَّمُ عِمَارَتُهُ عَلَى أَرْبَابِ الْوَظَائِفِ ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا حَسَبَ الْإِمْكَانِ أَوْلَى ، بَلْ قَدْ يَجِبُ ، وَلَوِ احْتَاجَ خَانٌ مُسَبَّلٌ ، أَوْ دَارٌ مَوْقُوفَةٌ لِسُكْنَى حَاجٍّ أَوْ غُزَاةٍ وَنَحْوِهِمْ إِلَى مَرَمَّةٍ أُوجِرَ مِنْهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ .
فَرْعٌ : لِلنَّاظِرِ الِاسْتِدَانَةُ عَلَيْهِ بِلَا إِذْنِ حَاكِمٍ ، كَشِرَائِهِ الْوَقْفَ بِنَسِيئَةٍ ، أَوْ بِنَقْدٍ لَمْ يُعَيِّنْهُ ، قَالَ فِي " الْفُرُوعِ " : وَيَتَوَجَّهُ فِي قَرْضِهِ مَالًا لِوَلِيٍّ .
■الراوي
■النبي
■مكان / مصطلح
■الآية / رقم الحديث
المتن ← الحديث