المبدع في شرح المقنع
المبدع في شرح المقنع · الجزء السادس
الصفحة 1789 · ص. المطبوع 17 · الشرح
( وَمَنْ أَوْصَى لَهُ ، وَهُوَ فِي الظَّاهِرِ وَارِثٌ ) كَمَنْ أَوْصَى لِأَحَدِ أُخْوَتِهِ ( فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ غَيْرَ وَارِثٍ ) بِسَبَبِ تَجَدُّدِ ابْنٍ لِلْمُوصِي ( صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لَهُ ) لِأَنَّ الْأَخَ عِنْدَ الْمَوْتِ لَيْسَ بِوَارِثٍ ، وَالِاعْتِبَارُ فِي الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ ; لِأَنَّهُ الْحَالُ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ الِانْتِقَالُ إِلَى الْوَارِثِ ، وَالْمُوصَى لَهُ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا صَحِيحَةٌ فِي الثُّلُثِ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَوْقُوفٌ عَلَى الْإِجَازَةِ ( وَإِنْ أَوْصَى لَهُ وَهُوَ غَيْرُ وَارِثٍ ) كَمَنَ أَوْصَى لِأَخِيهِ مَعَ وُجُودِ ابْنِهِ ( فَصَارَ عِنْدَ الْمَوْتِ وَارِثًا بَطَلَتْ ) وَحَكَاهُ فِي الرِّعَايَةِ قَوْلًا ، وَالْمَذْهَبُ : أَنَّهَا لَا تَصِحُّ إِلَّا بِإِجَازَةِ بَقِيَّةِ الْوَرَثَةِ ( لِأَنَّ اعْتِبَارَ الْوَصِيَّةِ بِالْمَوْتِ ) بِغَيْرِ خِلَافٍ نَعْلَمُهُ ، فَلَوْ وَصَّى لِثَلَاثَةِ إِخْوَةٍ لَهُ مُفْتَرِقِينَ ، وَلَا وَلَدَ لَهُ ، وَمَاتَ لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ لِغَيْرِ الْأَخِ مِنَ الْأَبِ إِلَّا بِإِجَازَةِ الْوَرَثَةِ ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ ، صَحَّتِ الْوَصِيَّةُ لِلْجَمِيعِ 17 مِنْ غَيْرِ إِجَازَةٍ إِذَا لَمْ تَتَجَاوَزِ الثُّلُثَ ، وَإِنْ وُلِدَ لَهُ بِنْتٌ ، جَازَتِ الْوَصِيَّةُ بِغَيْرِ الْأَخِ مِنَ الْأَبَوَيْنِ ، فَيَكُونُ لَهُمَا ثُلُثَا الْمُوصَى بَيْنَهُمَا .
فَرْعٌ : لَوْ وَصَّى لِامْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ، وَأَوْصَتْ لَهُ ، ثُمَّ تَزَوَّجَهَا لَمْ تَجُزْ وَصِيَّتُهَا إِلَّا بِالْإِجَازَةِ ، وَإِنْ أَوْصَى أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ ، ثُمَّ طَلَّقَهَا جَازَتِ الْوَصِيَّةُ ; لِأَنَّهُ صَارَ غَيْرَ وَارِثٍ ، إِلَّا أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ : أَنَّهَا لَا تُعْطَى أَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا ; لِأَنَّهُ مُتَّهَمٌ أَنَّهُ طَلَّقَهَا لِيُوصِلَ إِلَيْهَا مَالَهُ بِالْوَصِيَّةِ ، فَلَمْ يَنْفُذْ ، كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ، وَأَوْصَى لَهَا بِأَكْثَرَ مِنْ مِيرَاثِهَا .
( وَلَا تَصِحُّ إِجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إِلَّا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي ) نَصَّ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ حَقٌّ لَهُمْ حِينَئِذٍ ، فَتَصِحُّ مِنْهُمُ الْإِجَازَةُ ، وَالرَّدُّ كَسَائِرِ الْحُقُوقِ ( وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ ) هَذَا زِيَادَةُ إِيضَاحٍ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ لَمْ يَمْلِكُوهُ ، فَلَمْ يَصِحَّ مِنْهُمْ مَا ذَكَرَ كَالْمَرْأَةِ تُسْقِطُ مَهْرَهَا قَبْلَ النِّكَاحِ ، وَالشَّفِيعِ يُسْقِطُ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيْعِ ، وَقَدْ سَبَقَ .
فَرْعٌ : لَا تَصِحُّ الْإِجَازَةُ وَالرَّدُّ إِلَّا مِنْ جَائِزِ التَّصَرُّفِ ، وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي الْمُفْلِسِ ، وَالسَّفِيهِ ( وَمَنْ أَجَازَ الْوَصِيَّةَ ) كَمَا إِذَا كَانَتْ بِجُزْءٍ مُشَاعٍ زَائِدٍ عَلَى الثُّلُثِ ( ثُمَّ قَالَ : إِنَّمَا أَجَزْتُ ; لِأَنَّنِي ظَنَنْتُ الْمَالَ قَلِيلًا ) كَمَا إِذَا أَوْصَى بِنِصْفِ مَالِهِ ، فَأَجَازَهُ الْوَارِثُ ، وَكَانَ الْمَالُ سِتَّةَ آلَافٍ ، فَقَالَ : ظَنَنْتُهُ ثَلَاثَةَ آلَافٍ ( فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ ) لِأَنَّ الْإِجَازَةَ إِمَّا تَنْفِيذٌ أَوْ هِبَةٌ ، وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ فِي الْمَجْهُولِ ( مَعَ يَمِينِهِ ) لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ كَذِبَهُ ( وَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ ) جَزَمَ بِهِ فِي الْوَجِيزِ ، 18 فَعَلَى هَذَا يَرْجِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ ; لِأَنَّهُ رَضِيَ بِإِجَازَةِ الْوَصِيَّةِ عَلَى الزَّائِدِ عَلَى الثُّلُثِ خَمْسَمِائَةٍ ، فَكَانَتْ أَلْفًا ، فَيَرْجِعُ بِخَمْسِمِائَةٍ فَيَحْصُلُ لِلْمُوصَى لَهُ أَلْفَانِ وَخَمْسُمِائَةٍ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ; لِأَنَّهُ أَجَازَ عَقْدًا لَهُ الْخِيَارَ فِي فَسْخِهِ فَبَطَلَ خِيَارُهُ كَمَا لَوْ أَجَازَ الْبَيْعَ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ فِي فَسْخِهِ بِعَيْبٍ أَوْ خِيَارٍ ( إِلَّا أَنْ تَقُومَ بِهِ بَيِّنَةٌ ) تَشْهَدُ بِاعْتِرَافِهِ بِقَدْرِهِ ، أَوْ يَكُونَ الْمَالُ ظَاهِرًا لَا يَخْفَى عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إِذَا قُلْنَا : الْإِجَازَةُ تَنْفِيذٌ ، وَإِنْ قُلْنَا : هِيَ هِبَةٌ ، فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيمَا يَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْهِبَةِ فِي مِثْلِهِ ، وَمِنَ الْأَصْحَابِ كَالْقَاضِي ، وَالْمَجْدِ ، بَنَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ عَلَى أَنَّهُ يُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَجَازُ مَعْلُومًا لِلْمُجِيزِ أَمْ لَا ، فَذَكَرَ الْمَجْدُ : أَنَّهُ لَوْ أَجَازَ قَدْرًا مُسْتَوِيًا مِنَ الْمَالِ ، ثُمَّ قَالَ : ظَنَنْتُ الْمَالَ قَلِيلًا ، أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ ، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَهُمَا لِوَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ صِحَّةَ إِجَازَةِ الْمَجْهُولِ لَا تُنَافِي ثُبُوتَ الرُّجُوعِ فِيهِ إِذَا تَبَيَّنَ فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُجِيزِ ، لَمْ يُعْلَمِ اسْتِدْرَاكًا لِظُلَامَتِهِ ، كَمَا نَقُولُ فِيمَنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ لِمَعْنًى ، ثُمَّ بَانَ بِخِلَافِهِ ، فَإِنَّ لَهُ الْعَوْدَ إِلَيْهَا ، فَكَذَلِكَ هُنَا إِذَا أَجَازَ الْجُزْءَ الْمُوصَى بِهِ يَظُنُّهُ قَلِيلًا فَبَانَ كَثِيرًا ، فَلَهُ الرُّجُوعُ بِمَا زَادَ عَلَى ظَنِّهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ إِذَا اعْتَقَدَ أَنَّ النِّصْفَ الْمُوصَى بِهِ مَثَلًا مِائَةٌ وَخَمْسُونَ دِرْهَمًا ، ثُمَّ بَانَ أَلْفًا ، فَهُوَ إِنَّمَا أَجَازَ خَمْسِينَ لَمْ يُجِزْ أَكْثَرَ مِنْهَا ، فَلَا يَجُوزُ أَكْثَرُ مِنْهَا ، فَلَا تَنْفُذُ إِجَازَتُهُ فِي غَيْرِهَا ، وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إِذَا جَازَ النِّصْفُ ( وَإِنْ كَانَ الْمُجَازُ عَيْنًا ) كَعَبْدٍ تَزِيدُ قِيمَتُهُ عَلَى الثُّلُثِ ( فَقَالَ : ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا ، لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي أَظْهَرِ الْوَجْهَيْنِ ) لِأَنَّ الْعَبْدَ مَعْلُومٌ ، لَا جَهَالَةَ فِيهِ ، وَالثَّانِي : أَنَّهُ يَمْلِكُ الْفَسْخَ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَسْمَحُ بِذَلِكَ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ يَبْقَى لَهُ مِنَ الْمَالِ مَا يَكْفِيهِ فَإِذَا بَانَ خِلَافُ ذَلِكَ لَحِقَهُ الضَّرَرُ فِي الْإِجَازَةِ ، فَمَلَكَ الْفَسْخَ كَالْأُولَى ، وَقِيلَ : يَصِحُّ وَجْهًا وَاحِدًا ; لِأَنَّ الْمُجَازَ 19 مَعْلُومٌ ، وَكَذَا الْخِلَافُ فِيمَا إِذَا كَانَ الْمُجَازُ مَبْلَغًا مَعْلُومًا ، فَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ قِيمَتُهُ سِتَّمِائَةٍ ، فَيُجِيزُ الْوَصِيَّةَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَالَ أَلْفٌ مَثَلًا ، ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّهُ سِتُّمِائَةٍ ، فَيَدَّعِي أَنَّهُ إِنَّمَا أَجَازَ بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ ، فَعَلَى الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ جَمِيعُ الْعَبْدِ لِلْمُوصَى لَهُ ، وَعَلَى الثَّانِي : ثُلُثَا الْعَبْدِ وَتُسْعُهُ ; لِأَنَّ لَهُ ثُلُثَ الْمَالِ بِالْأَصْلِ ، وَهُوَ أَرْبَعُمِائَةٍ ، وَقَدْ أَجَازَ لَهُ سِتَّةً وَسِتِّينَ وَثُلُثَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ وَسِتِّمِائَةٍ الْمَظْنُونَةِ قِيمَةَ الْعَبْدِ .
قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : فَإِنْ قَالَ : ظَنَنْتُ أَنَّ قِيمَتَهُ أَلْفٌ ، فَبَانَ أَكْثَرَ ، قُبِلَ ، وَلَيْسَ نَقْضًا لِصِحَّةِ الْإِجَازَةِ بِبَيِّنَةٍ ، أَوْ إِقْرَارٍ ، قَالَ : وَإِنْ أَجَازَ ، وَقَالَ : أَرَدْتُ أَصْلَ الْوَصِيَّةِ ، قُبِلَ .
■الراوي ■النبي ■مكان / مصطلح ■الآية / رقم الحديث ۝المتن ← الحديث